الحقوق تُنتزع لا تُمنح

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
هذا المقال ليس دعوة للمقاطعة او المشاركة، بل هو رؤية واقعية تقول، الحقوق تُنتزع لاتُمنح، وان الانتخابات العراقية لاتعمل  ولا تؤدي الى تغيير ، في ظل وصاية ايران.
وهي وصاية احتكرت الكتلة البرلمانيةالاكبر ، بغض النظر عن نتائج الانتخابات ، وربطت العراق بمحورها الاقليمي، وافسدت علاقة الناخب بالمرشح، واقليم كوردستان ببغداد، والسنة بالشيعة.
افسدت وصاية ايران الانتخابات، رغم ان الإنتخابات تعد فارق جوهري بين عراق ٢٠٠٣ وعراق ١٩٥٨، لكن انتخابات مابعد 2003، بفعل وصاية ايران ، كانت شكلا دون روح ، فشلت في نقل العراق من حكومة الحزب الواحد الى فضاء التعدد.
وقد دعاني هذا الواقع، الى نشر  منشور يتحدث عن مقاطعة الانتخابات، ولفتُّ فيها الانتباه الى معادلة ان الحقوق تنتزع لا تمنح.
وقد اثار جدلا  مصحوبا برفض  البعض وإساءة البعض الاخر، واستياء طرف ثالث، وصدمة رابع، وقبول خامس، وكان المنشور  اشبه ببالون اختبار.
اذ لست من الداعين اصلا لمقاطعة الانتخابات ولا  للمشاركة فيها، اذ ان هذا هو حق المواطن رفضا او مشاركة، ولو قاطعت نسبة عالية وشاركت فيه اقلية، فالنتائج  صحيحة قانونا، رغم ان نسب المقاطعة العالية تعد طعنا سياسيا في شرعية النتائج.
وعزوف الناخبين  يخدم المشاركين مالم يُبطل المقاطع ورقته، كما ان المقاطعة
ليست رفضا للعملية السياسية التي يدعو لها المعارضون للعملية السياسية منذ ٢٠٠٣، بل هي جزء من التعاطي مع العملية السياسية  سلبا او ايجابا.
هذا اذا افترضنا ان الانتخابات نزيهة في بلد مستقر، فكيف وانها ليست كذلك بالمرة
في بلد تسوده فوضى المليشيات دون الوطنية وعوامل غير دولتية عابرة لحدوه الوطنية.
وليست انتخابات٢٠١٨ بدعا من القول، ولا اول انتخابات برلمانية تجري في العراق بعد ٢٠٠٣،  بل هي الانتخابات رقم ٥، في ظل وصاية ايران، رغم التواجد الاميركي والانفتاح السعودي، وارتباط العراق بالتحالف الدولي.
فانتخابات ٢٠٠٥ تلتها تفجيرات  سامراء،التي عطلت اي اثر سياسي لها، و انتخابات ٢٠١٠ التي فاز بها السنة، بعد غياب القاعدة والمليشيات، فاغتصبت الفوز ايران من السنة واهدته لربيبها المالكي، الذي ضرب رموز وجمهور السنة واحدا بعد اخر، و انتهى قبل وبعد انتخابات ٢٠١٤ بتسليم محافظاتهم لدعش.
وقد تسبق او تعقب انتخابات ٢٠١٨ حادثة مثل حوادث ٢٠٠٥ و٢٠١٠ و٢٠١٤، فتذهب النتائج لصالح كتلة اكبر تتحكم بها ايران منذ ٢٠٠٥، او لصالح فوضى تلت تفجيرات ٢٠٠٥، او سقوط الموصل ٢٠١٤، لتحافظ ايران على العراق ضمن هلالها الشيعي.
وبدون خروج الكتلة الاكبر من وصاية ايران، وخروج العراق من محور ايران، فان سعي المواطن في عودة وطنه ومواطنته ، من خلال مشاركة او مقاطعة انتخابات لا تعمل، كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماءا، حتى اذا جاءه لم يجده، بل يجد ارهاب مليشيات وفساد احزاب،اكلت العراق لحما ورمته عظما.
ولست ادري كيف سيقدم المرشح نفسه للناس في انتخابات ٢٠١٨، ماذا سيقول لهم، هل سيقول مثل ماكنا نقول لهم في انتخابات ٢٠٠٥ التي  تلتها تفجيرات سامراء، او ٢٠١٠ التي فزنا فيها فانقلبت ايران على الفوز؟
هل سيقتنع الناخب ببرنامج المرشح ان قال له انتخب ثم حاسب ؟! وهل المرشح وهو يشرح برنامجه الانتخابي للناس، يتحدث وهو مرتاح الضمير ومقتنع بمايقول، ام يضحك على نفسه وعلى الناس؟!
يضحك على نفسه، او على الناس، في امر بات واضحا مثل الشمس في رابعة النهار ، لايحتاج بذل جهد، الا ان يخبرهم انه لا امل في التغيير، لكنه سيمثلهم في برلمان لايحكم في بلد برلماني، والا فان  الانتخابات مشاركة او مقاطعة، فوزا او خسارة، هو تصريف امور  وفتات موائد الى اجل.
فتات موائد ايران، حتى تسقط ولاية الفقيه او يثور شيعة العراق ضدها، او تتغير المعادلة بتحالف دولي، فيفرض واقع جديد برعاية دولية، كما فرض الكورد ذلك قبل ٢٧ سنة.
ومع ذلك فان التشكل والتشتت الانتخابي في 2018، ربما يؤي الى تشكيلة برلمانية، يعجز البيت الشيعي على تشكيل الكتلة الاكبر لصالحه، ويجعل جميع الكتل خاضعة لضغوط اطراف الصراع الدولي والاقليمي، فياتي رئيس وزراء وحكومة واقعة تحت الضغط الدولي.
وهذا قد يؤدي ببغداد الى سياسة النأي بالنفس عن مواجهة أمريكية-إيرانية محتملة في العراق، خوفاً على العراق من هذه المواجهة، وحرصاً على التوفيق بين الحليفين” الأمريكي-والإيراني.
وقد تكون الامور قد وصلت  بالصراع الاميركي الايراني، بعد مرور اربع انتخابات على نموذج عراق مابعد 2003، الى ذروتها وهو على ابواب انتخابات 2018.
فهل ستكون انتخابات 2018، حدا فاصلا بين عراق فيدرالي يريده الاميركان، واخر مركزي ضعيف تريده ايران، ام حلقة في صراع الطرفين، تزيد فيها مساحة الفدرلة على مساحة الواقع المركزي، ام العكس، فتنتقل الفوضى في العراق من وسطه وغربه  الى جنوبه؟
ان الانتخابات القادمة لن تمنح احد حقه في التغيير، اكثر منها فرصة  تثبت مرة بعد مرة، ان الحقوق  تنتزع لا تمنح ،في ظل معادلة القانون والقوة المختلة لصالح القوة.
وتلك معادلة افسدت فوز العراقية قي انتخابات ٢٠١٠، وافسدت انتخابات ٢٠٠٥ و٢٠١٤ بسقوط محافظات السنة بيد القاعدة وداعش ،كما ان علاقة اقليم كوردستان مع حكومة بغداد قبل ٢٠٠٣ وبعدها دليل على ان الحقوق تنتزع لا تمنح.