خطورة الاجنحة العسكرية للأحزاب السياسية (تجربة الإقليم و أخطاء المركز)

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
تشكلت حكومة إقليم كردستان العراق عام 1992 من قبل المجلس الوطني الكردستاني (البرلمان) والذي كان أول برلمان منتخب بشكل ديمقراطي في إقليم كردستان و العراق بعد إقامة منطقة الحظر الجوي لحماية الأكراد من الغارات الجوية للنظام العراقي السابق عام 1991.
ورغم الفرصة الذهبية التي قُدمت للأكراد في العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و المجتمع الدولي لإدارة الإقليم إلا أن التجربة مرت بالعديد من الأخطاء و المشاكل والتي تسببت في الإضرار بالسلم الاجتماعي و انهاك المواطن رغم إمكانية تجنب الوقوع في هذه الأخطاء .
كان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يمتلكان أجنحة مسلحة وكل طرف لديه قوات البيشمركة الخاصة به إضافة إلى المسلحين التابعين للإسلاميين، و رغم الدعوات الكثيرة لضرورة توحيد قوات البيشمركة و تشكيل قوة وطنية مرتبطة بالحكومة ومحايدة ومستقلة إلا أن الدعوات لم تلق آذانا صاغية من قبل قيادات الحزبين الحاكمين ، وكانت الدعوة الأبرز للقيادي الكردي نوشيروان مصطفى (1944-2017 ) الذي اجتمع بالقيادي الإسلامي (عثمان عبدالعزيز) وقال له ” علينا إبعاد القوات المسلحة عن الأحزاب و تحويل هذه القوات لقوة وطنية ليكون انتماء المواطن للوطن وليس للحزب و بالتالي تحجيم تأثير الحزب بشكل تدريجي على هذه القوات “.
ونتيجة لعدم اتخاذ خطوات جدية لتوحيد البيشمركة و عدم ارتباطها بالحكومة بل بقاءها تحت سيطرة و نفوذ الأحزاب، تسبب الخلافات السياسية بين الحزبين إلى نشوء حرب أهلية في 1994 بين الحزبين مما أدى لسقوط آلاف القتلى و الجرحى و هجرة العديد من العوائل و تقسيم الإقليم بين الحزبين الحاكمين، وظل المواطن في حالة قلق من أن يؤدي الخلافات السياسية بين الحزبين إلى نشوء نزاعات مسلحة بسبب امتلاك كل حزب لجناح مسلح من الممكن أن يستخدمه لتصفية الخصوم السياسيين.
عندما أعلن “نوشيروان مصطفى ” الإعلان عن ولادة حركة التغيير بوصفها حركة برامجية بعيدة عن السلاح و تلتزم بالوسائل السلمية و الديمقراطية للتغيير، طالب الكثيرون من مستشاريه بضرورة وجود جناح مسلح للحركة لمنع باقي الأحزاب من الاعتداء عليهم، ولكن “نوشيروان” رفض هذا الأمر و أصر على أن يبقى الحزب مدنياً، ومن إيجابيات هذا القرار أن الخلافات السياسية بين الأحزاب لم يتسبب بنزاع عسكري، كما حصل في 2015 عندما منع “الديمقراطي الكردستاني” رئيس البرلمان التابع لحركة التغيير (يوسف محمد) من دخول مدينة أربيل لعقد جلسة البرلمان تسبب هذا الإجراء في تعطيل البرلمان و خلافات سياسية بين الحزبين ولكن بسبب عدم وجود جناح مسلح لدى التغيير ظلت الخلافات مقتصرة على الجانب السياسي دون أن يتعدى للجانب العسكري ويخلق حرباً داخلية من جديد.
بالإضافة إلى أن انقسام القوات المسلحة الكردية تسببت بكارثة 16 أكتوبر 2017 وبالتالي تيقن القيادة السياسية الكردية بضرورة العمل لتوحيد البيشمركة و ربطه بقيادة واحدة تابعة للحكومة و تجريد الأحزاب من الاجنحة المسلحة والتي يخلق بيئة سياسية غير سليمة و قابلة للاشتعال و الانفجار في حال حدوث أي خلافات سياسية بين الاشقاء السياسيين .
في العراق ورغم منع قانون الأحزاب العراقي الصادر من البرلمان عام 2015 مشاركة الفصائل المسلحة في الانتخابات ، وحسب المادة (8) المتعلقة بشروط تأسيس الأحزاب “لا يكون تأسيس الحزب وعمله يتخذ شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية كما لا يجوز الارتباط بأي قوة مسلحة “.
إلا أن الجماعات و الميليشيات المسلحة نجحت في تأسيس أحزاب للمشاركة في الانتخابات و الدخول في البرلمان و الحكومة القادمة ، رغم أن هذه الميليشيات ترتبط بأوامر قياداتها وليس بأوامر القائد العام للقوات المسلحة  ، ولديها مكاتب في أغلب المناطق و المحافظات و بين السكان و هذا الأمر يضاعف المخاطر الموجودة مستقبلاً.
أغلب الميليشيات المسلحة القريبة من إيران انضوت داخل تحالف “الفتح” بقيادة هادي العامري، وعلى سبيل المثال “حركة الصدق و الوفاء” هي الواجهة السياسية لفصيل “أنصار الله الاوفياء”، بينما “الحركة الإسلامية ” الواجهة السياسية لـ “كتائب الامام علي” وحركة ” الصادقون” الواجهة السياسية لـ “عصائب أهل الحق” ، وكتلة منتصرون الواجهة السياسية لـ”كتائب سيد الشهداء”، وحزب الطليعة الواجهة السياسية لـ “سرايا الخراساني”.
والمشكلة الأكبر أن هذه الميليشيات المسلحة مرتبطة بإيران من خلال الدعم المادي و التوجيهات، وهي ترى أن العراق و سوريا جبهة واحدة و ترى نفسها ضمن محور “المقاومة” و ترفض التقارب مع دول الخليج ومستعدة للذهاب إلى أي دولة للقتال بناءً على توجيهات القيادة الإيرانية.
دخول الأطراف و الأحزاب السياسية إلى البرلمان مع الاحتفاظ بأجنحتها المسلحة خطر على الأمن و الاستقرار بشكل دائم و يخلل بالتوازن بين القوى السياسية و يهدد باشتعال الصراعات المسلحة بسبب الخلافات السياسية بسبب إمكانية لجوء أي طرف إلى هذه الميليشيات كأداة ضغط أو لتنفيذ سياسات معينة مع فقدان رادع يستطيع مواجهة هذه الميليشيات .
الأحزاب السياسية في إقليم كردستان العراق دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الاحتفاظ بالأجنحة المسلحة للأحزاب وهي توجهت إلى التخلي عن سلاح الحزب وتوحيدها ضمن منظومة عسكرية واحدة ، بسبب وجود الضغط الدولي على الأحزاب الحاكمة لإنهاء ظاهرة التسلح داخل الأحزاب و إعادة توحيد الألوية المشتركة المنضوية تحت وزارة البيشمركة لحكومة إقليم كردستان ، و المطالبة الشعبية بالإسراع في تحقيق هذا المطلب لتجنب الحروب و الصراعات الأهلية من جديد.
ومن المفارقة أن الأحزاب و التحالفات الجديدة التي تشكلت حديثا في الإقليم كانت مدنية و بعيدة عن السلاح و تؤمن بالنضال السلمي و الديمقراطي لتحقيق الأهداف و برامج الحزب، بينما في باقي أطراف العراق نرى العكس تماماً حيث شكل الميليشيات المسلحة أحزاب سياسية للمنافسة و الدخول في البرلمان و المساهمة في تشكيل الحكومة العراقية القادمة وهي ظاهرة غير صحية و تأتي في فترة حرجة خرج منها العراق من حرب ضد الإرهاب يتحاج فيها لإنهاء المظاهر المسلحة للابتعاد عن النزاعات مستقبلا و فتح ملف الإعمار، ولكن يبدوا أن الدول و الأطراف الخارجية التي تدعم و توجه هذه الأحزاب و الميليشيات لديها أجندة تتعارض تماماً مع استقرار العراق وتطويره في المستقبل.