هل تأمْركَ الشرق أوسطيون؟

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
الأمركة مصطلح يشير إلى التأثير الأمريكي على دول العالم في شتى مجالات الحياة، بما فيها السيطرة الإعلامية و القوة السياسية و العسكرية و الإنتشار الثقافي و الإقتصادي.
و من أهداف أميركا الجيوسياسية أمركة العالم، قال ذلك جروفر كليفلاند الرئيس  الأميركي الثاني والعشرين و الرابع والعشرين، و البرت بفريوج عضو مجلس الشيوخ الأمريكي منذ مطلع القرن العشرين، وكررها فرانكلين روزفلت، في أعقاب إنتهاء الحرب العالمية الثانية، وجورج بوش الأب بعد نهاية الحرب الباردة، التي التفتت فيه أميركا بعدها للشرق الأوسط بعد ان أمركت اوروبا.
و ما يجري في الشرق الأوسط، وهو أحد أهم أقاليم العالم الجيوسياسية، منذ غزا صدام الكويت، الى ان غزت إيران بغداد و دمشق و صنعاء و بيروت، هو نزاع على أمركة او عدم أمركة الشرق الأوسط، بين عدة نماذج جيوسياسية.
و قد فشلت  في هذا النزاع عدة مشاريع شرق أوسطية، منها مشاريع الوحدة العربية، التي قادها عبد الناصر، و مشاريع الخلافة الإسلامية التي قادها أبو بكر البغدادي، ومشاريع كوردستان الكبرى التي قادها حزب العمال الكوردستاني، ومشروع إسرائيل الكبرى التي قادها الصهاينة، ومشروع ولاية إيران الكبرى الذي يقوده خمنائي بعد خميني ويكاد يلفظ اليوم أنفاسه الأخيرة.
وقد نجحت الولايات المتحدة ليس فقط في هزيمة النماذج المنازعة لأمركة الشرق الأوسط فحسب، بل نجحت أيضا في أمركة ثقافة وتوجهات الشرق أوسطيين أفراداً وجماعات ودولاً.
فقد إنقسم الشرق أوسطيون الى معسكرين
أحدهم يقف مع أوباما والأخر يقف مع ترمب، و أضحى الشرق أوسطيون
(ناخبين أميركان) ديموقراطيون وجمهوريون، شعروا بذلك ام لم يشعروا.
و أصبحت المواسم الإنتخابية الأميركية مواسم شرق أوسطية بإمتياز، وتجد الشرق أوسطيون أما مع ترمب  او (الجمهوريون)، او مع خصومه (الديموقراطيين)، كما أصبحوا مدريديون او برشلونيون، في مواسم الكرة الاسبانية.
و أصبح الشرق اوسطيون يفسرون خطاب الساسة الأميركيون، الديموقراطيون والجمهوريون الموجه للناخب الأميركي، كأنما موجه لجمهور الشرق الأوسط، وتجدهم يتصارعون فيما بينهم  في تفسير هذا الخطاب او ذاك ، كما يتصارع مشجعوا الريال وبرشلونة، بل أشد.
ورغم أن الخطاب الاميركي الذي يوجهه الساسة الديموقراطيون او الجمهوربون لناخبيهم ، لا يمثل بالضرورة  معطيات الواقع  الدولي كما هو، بل ما يحب الساسة الأميركان أن يقنعوا به الناخب الأميركي حتى لو كان زيفاً.
وهكذا أصبح الشرق أوسطيون يعيشون في وسط زيف خطاب إنتخابي أميركي من جهة، ووسط اهداف السياسة الاميركية في الشرق الاوسط من جهة اخرى، في وقت نجح الساسة الأميركيون، الجمهوريون والديموقرطيون، المختلفون داخليا والمتفقون خارجيا في أمركتهم، وهم متنازعون.
وقد نجحت الأزمة الخليجية بين قطر و أخواتها الثلاث و معهم مصر، في كشف إنقسام الشرق أوسطيون الى معسكرين أميركيين، أحدهم يناصر منهج  قطر الأقرب لأوباما و الأخر يدافع عن منهج ترمب الأقرب للمقاطعين لقطر.
وهذا الانقسام الخليجي الشرق أوسطي، الى معسكرين (أميركيبن)، قد شمل الدول و الجماعات و الأفراد، سواء منهم  الإسلاميين و العلمانيين، الخليجيين و المصريين، و العرب و الإيرانيين.
و ما كانت قطر في يوم (إخوانية)، و لا كانت الإمارات في يوم (ناصرية)، فكلاهما جناحي طير الطائر السعودي الذي يقود سرب دول مجلس التعاون الخليجي، الذي يعد فرع  شرق أوسطي عن النظام الأميركي.
و قد هزم مجلس التعاون  الخليجي  النماذج الثورية التي تنازعه في الشرق الأوسط، سواء كانت قومية او دينية، لصالح النموذج (الأمريكي)  الساعي لأمركة الشرق الأوسط، من القاعدة الى القمة.
فكما تأمرك الشرق أوسطيون ثقافياً و سياسياً، فقد تأمركوا أمنياً وعسكرياً أيضا من قمة مجتمعاتهم الى قواعدها.
فقد أصبح العسكر الأميركي  هو المخلص  وعليه التعويل في خلاص العراقيبن والسوريين من فوضى ولاية الفقيه غير المحدود بمواعشها ودواعشها.
وقد إلتقت حاجة العراقيين كورداً كانوا او سنة (والشيعة اليوم على أبواب ذلك)، مع الهدف الأميركي في البحث عن حليف كوردي وسني وشيعي، لإعادة تشكيل العراق الجديد وسوريا الجديدة، وفق الرؤية الأميركية.
وبعد أن خاض الشرق أوسطيون ثمانية حروب مع إسرائيل، إكتشفوا أن إسرائيل التي سلبت منهم القدس ليست عدوهم، بل إيران، وهذا بعد الجوهري في أمركة الشرق الأوسط.
فإيران أصبحت و بقناعة منقطعة النظير هي العدو، فقد سلبت منهم جهاراً نهاراً، أخوات القدس الأربعة ، بغداد، بيروت، دمشق و صنعاء، و سلبت منهم قبل ذلك الأحواز، و كذلك سلبت منهم وجودهم بحاضره وماضيه و مستقبله.
و إيران التي سلبت من العرب أربع عواصم، و ينتظر سنة العراق و سوريا و لبنان الخلاص منها اليوم قبل الغد، يرونَ أن إسرائيل تقف اليوم لإيران بالمرصاد وتحشد الدول شرقاً وغرباً، كما لم تفعل أي دولة أخرى.
وحين يرى الشرق أوسطيون ما يسمعون من إسرائيل ضد إيران و اقعاً، فستكون أمركة الشرق الأوسط  مشروعهم قبل أن يكون مشروع أميركا، الذي تعمل  له منذ غزا صدام الكويت، فتأمرك الشرق الأوسط عسكرياً، الى أن غزت إيران العواصم الإربع، فتأمرك الشرق أوسطيون أمنياً، ثقافياً، وسياسيا.
و أن يتأمرك الشرق أوسطيون، فهذا دليل أن أميركا ما زالت تمثل القوة العسكرية الأقوى و الإقتصاد الأكبر في العالم، و ما زال وجود القيادة الأميركية  أمراً حاسماً لإستقرار و بقاء النظام الدولي، و إن فكرة ظهور قوة منافسة لها عسكرياً  او اقتصاديًا فكرة غير واقعية.
و أن العالم الذي ساهمت اميركا في بناءه، كما يقول ولي نصر، ما زال بحاجة الى قيادتها، فهي الأمة الحيوية لكل امم الارض، اذ أسقط ترومان السوفيت، و وحد بوش الأب المانيا وحرر الكويت.
وربما وجد الشرق أوسطيون وهم يتأمركون، أن فشل مشاريع البعثنة و النصرنة والدعشنة والإيرنة والاخونة والروسنة والاسرنة ، كان أحد أهم أسباب إنتصار الأمركة، اذ ظلوا بعهدة هذه المشاريع  ينظر اليهم أنهم بؤرة إرهاب، و أنهم أفقر  أهل الأرض فوق الأرض، رغم أن بلادهم أغنى بلاد الأرض تحت الأرض.
و إنتصار الأمركة التأريخي في الشرق الأوسط، قد لا يتحقق الا بشرطين، أولهما الّا تظل أميركا تنظر للشرق الأوسط وأهله أنهم إرهابيون، و أن تكون بلدانه بعهدتها أغنى بلاد فوق  الأرض وتحتها، بعكس ما كانت عليه في عهد من سبقها من المشاريع المنازعة للأمركة.