لماذا التعويل على الشباب في معادلة التغيير في العراق؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
    يعد الشباب  أهم مرحلة عمرية تفاعلية تخص بني البشر، ففيها تتفجر الطاقات بمجمل أبعادها الفكرية والجسدية والاجتماعية والنفسية، وفي مرحلة الشباب تكتسب المهارات والمعارف والعلوم بشغف، وفيها تنمو معالم شخصية الإنسان، وتتبلور وتنضج بمجوعة مؤثرات خارجية وداخلية ترتبط بييئة الشاب العائلية والمجتمعية والتعليمية، وفي الشباب تحدد مسارات الإنسان وتوجهاته المستقبلية من غير عقد مرتبطة بالماضي، ولا قيود مرتبطة بالذاكرة، بل آفاق الشباب رحبة تملء الآرجاء شريطة أن يتم توجيها على النهج السوي السليم.
      أهم ما يمتاز به الشباب كونه اجتماعي يميل للانتماء والتفاعل، وفي الإمكان أن يشكل العمود الفقري لأي مؤسسة فاعلة في المجتمع، فقابلية الشباب للتغيير والتشكل كبيرة، لذا يحتاج من الاهتمام ما يتناسب والوظيفة التي يراد له أن يضطلع فيها. واحدة من أهم ميزات الشباب البحث عن ما يميزه ويجعله يحقق ذاته، لذا تجده يعتد بذاته ويدافع عن مواقفه حتى لو اعتراها الخلل والنقص، وهي متلازمة مع شغفه للتعلم، وحماسته وجرأته في التعبير عن نفسه، ويملك قدرة على الاستجابة للمتغيرات من حوله، وسرعة في استيعاب وتقبل الجديد المستحدث إذا ما اقتنع وآمن به قبل أن يتبنيه ويدعو له ويدافع عنه، هذه السمات تعكس قناعة الشباب ورغبته في تغيير الواقع الذي وجد فيه وإن لم يشارك في صناعته.
     أضف إلى ذلك -كما يقول مختصون- تحضى الحركات والأحزاب السياسية التي تستوعب الشباب التمتع بالحماس والحيوية فكراً وحركة، وبما يشكل الشباب لديها طاقة جبارة نحو التقدم، فالشباب المتقد حماسة وحيوية في تفاعله مع معطيات السياسية ومتغيراتها، ومع معطيات المجتمع ومتطلباته، هو الضمانة للتقدم بثبات، بينما الحركات السياسية التي لا تحظى بهذه الطاقة الخلاقة فإنها مهددة بالانهيار والموت، أو على أقل تقدير التقوقع والمراوحة في ذات المكان. فالشباب هم الأكثر طموحاً في المجتمع، وهذا يعني أن عملية التغيير والتقدم لديهم لا تقف عند حدود، والحزب السياسي أو المنظمة الشبابية أو أية مجموعة اجتماعية تسعى للتغيير السياسي أو الاجتماعي يجب أن تضع في سلم أولوياتها استقطاب طاقات الشباب واستيعابهم، وتوظيف هذه الطاقات باتجاه أهدافها المرجوة بعد أن تشارك هذه الشريحة المهمة خططها وبرامجها في المستويات كافة.
      والشباب هم الأكثر تقبلاً للتغيير، هذه الحقيقة تعد ميزة رئيسية في عالم السياسة، وهو عالم متحرك ومتغير ويحمل دائما الجديد، والفكر المحافظ لا يقوى على مسايرة الجديد بل يتعامل معه وفق منظور الشاك المستريب، بينما الشباب وبحكم هذه الخاصية فإن استعدادهم الفطري نحو التغيير وتقبل الجديد والتعامل معه بروح خلاقة ومبدعة سيضمن المواكبة الحثيثة للمتغيرات والتكيف معها بشكل سلس دونما إرباك، لذا ولمجمل ما سلف يعد الشباب العراقي اليوم المكافئ الموضوعي للمشاريع الفاشلة التي حكمت العراق بعد الاحتلال وليومنا هذا.
      والتعويل على الشباب واجب المرحلة، شريطة أن يتم تأهيلهم وتعليمهم وتدريبهم على المسار الوطني الصحيح، الذي يضمن للعراق وحدته وعنفوانه من خلال تعزيز قيم التسامح والتآخي وقبول الأخر من موقع الاختلاف والإقرار بوجوده، والإيمان بأن تعددية الأفكار والقناعات في المجتمع العراقي جزء من قيم الديمقراطية ومبادئها التي يشكل العنصر الشاب صمام أمان لتعزيزها في عموم المجتمع والبيئة السياسية العراقية.
        التعويل على الشباب العراقي خاصة في المجتمع المدني ومنظماته يكون مع اعتبار الجهود التي تستهدف صقل الشخصية الشبابية، وإكسابها المهارات، والخبرات العلمية والعملية، وتأهيلها التأهيل المطلوب لضمان تكيفها السليم مع المستجدات في التخصصات كافة، كما أن تدريب القادة الشباب في مختلف الميادين المجتمعية والسياسية والاقتصادية، والعمل في المؤسسات والمنظمات على أساس المأسسة بالاستناد إلى اللوائح والنظم واختيار الكفاءات المؤهلة بالخبرة والعلم وأساليب الإدارة الحديثة، بما يعزز لدى الأعضاء روح الانتماء للمؤسسة والانضباط الواعي للأنظمة والقوانين، ولا اعتبار للمصالح الضيقة الفئوية المذهبية والعرقية والحزبية وغيرها.
   وحين يقتنع الشباب بصوابية فكرة ما فإن العطاء دون حدود يكون ميزته الأولى، وهنا تبدو المعادلة واضحة لمن يريد أن يدرك معطياتها، لكونها لا تعمل إلا إذا أحترمنا تفكير الشباب باعتبار وجودهم الذاتي وفاعليته دون التفكير بكونهم أدوات للتغيير ليس إلا، ومع اعتبار إلمامهم بالرؤية والأهداف واقتناعهم بالوسائل والأساليب المفضية للتغيير، ومشاركتهم في صياغة نظرية التغيير ولو في جوانبها العملية يجعل فاعليتهم في التأثير كبيرة وواعدة ملؤها التفاؤل والأمل.
لضمان دور فاعل وواعي لحركة الشباب العراقي في المجتمع السياسي لا بد من منظومة من الجهود الاستثنائية من قبل مريدي التغيير، فالذي يحتاجه الشباب لتأهيلهم في صناعة التغيير يكمن وفق الآتي؛
– كسب هذه الشريحة المجتمعية فكريا وعمليا من قبل مريدي التغيير في العراق عبر إذكاء وعيهم بحقيقة ما يجري في العراق من قبل المشاريع المشبوهة التي هيمنت على الساحة السياسية بعد الاحتلال.
– العمل على تنمية الروح الجماعية لدى الشباب من خلال الإيمان بمفهوم العمل الوطني الجماعي الذي يتجاوز الأعراق والأطياف، شريطة أن يتلمس الشباب قيمة العمل الجماعي ومردوده عليهم.
– تعزيز روح المبادرة لدى الشباب، وإطلاق الطاقات للمنافسة الشريفة في الإبداع والابتكار، من خلال الحوافز المعنوية والمكافآت التشجيعية، والجهود الجماعية.
– تطوير الطاقات الإبداعية والمواهب والملكات الكامنة لدى الشباب في مختلف وشتى الميادين العملية والعلمية والفنية وغيرها، وتبنيها وإعطاءها فرصتها الكاملة لكي تعطي وتبدع وتطور.
– دفع الشباب للانفتاح على الثقافات الأخرى من خلال الزيارات و التآخي بين منظمات الشباب في المحافظات المختلفة، بما يعزز من دور الشباب في الحفاظ على علاقات التضامن والتعاون بين ابناء العراق بديلا لنزعات الحروب والعدوان.
– تعزيز دور الشباب في الخدمة العامة والخدمة المجتمعية والأحياء الشعبية من خلال الأعمال التطوعية التي تلامس حياة المواطنيين وبما يعزز روح التعاون والتشارك لدى العراقيين كافة.
– باعتبار كون الشباب قوة اقتصادية جبارة، فدعم العمال الشباب الذين ينتجون بسواعدهم بتوفير فرص لهم عبر المشاريع الصغيرة، ودعم الشباب المتعلم بجهدهم الفكري في مختلف الميادين الدراسية والإعلامية وتوفير احتياجاتهم العملية.
– دعم منظمات المجتمع المدني والأحزاب غير الطائفية بعناصر شابة ودماء جديدة، سيحولها مع الوقت إلى منظمات وأحزاب فاعلة وحية شريطة أن يزج بالشباب في مختلف المستويات القيادية وزالتنفيذية.
   هناك معادلة تقول إن الاستثمار بالشباب سياسيا قد يكون أكثر الأمور منطقية إذا ما كان التغيير هو الهدف، لكن التعويل على ذلك كثيرا يقفز عن التقييم الواقعي لما يمكن أن يكون عليه الدور السياسي المؤمل للشباب، من هنا يتعين علينا أن نستفيد من منظومة الخبرات والتجارب للعراقيين الرافضين للمنظومة السياسية التي حكمت بما يزيد عن عقد ونصف العقد من الزمان، والتي خلفت دمارا ما بعده من دمار في البنية المجتمعية والنفسية للعراقيين، هذا فضلا عن البنية السياسية والاقتصادية، لذا تعد المشاريع المشبوهة التي حكمت العراق خير محفز لجيل الرافضين له من أصحاب الخبرات من جهة، ولأجيال الشباب الذي ينعقد الأمل بهم في صناعة التغيير من جهة ثانية، فحكمة الكبار ووعيهم وخبراتهم المتراكمة، إذا ما أضيف لحماسة الشباب وتوقدها ستثمر بلا ريب عراقا جديدا يتسع لجميع أبنائه ويغمرهم بخيراته دون إلغاء أو إقصاء.