تداعيات دعوى تزوير الانتخابات على مسار العملية السياسية في العراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     تعد محاولات تزوير الانتخابات في العراق ما بعد الاحتلال من المسلمات التي لا يختلف عليها إثنان من العراقيين، والمعيب في الأمر تشمل هذه المحاولات جل الكيانات السياسية التي تتنافس في الانتخابات عبر صناديق الاقتراع بمختلف الذرائع، وغالبا ما يمر التزوير دون رقيب أو حسيب مع وفرة القوانين التي تجرم الفعل وتعاقب عليه، وفي عجالة يمكننا أن نتصور حقيقة هذا الموضوع في أمثلة من قبل، كما هو الحال مع نتائج النزلاء في السجون العراقية التي تظهر احتكار الجهات الحكومية المتنفذة والمتسببة بسجن هؤلاء الذين جلهم من الأبرياء بغالبية أصوات هؤلاء المنكوبين، فكيف تنتخب الضحية جلادها؟؟
        محاولات التزوير وحقائق حصوله تناقل به الركبان وأثبت القضاء وغيره فساد المفوضية العليا السابقة للانتخابات، ولاحاجة للاستطراد فيه لكونه معلوم بالضرورة من المجتمع العراقي بعد الاحتلال، وأذكر في وقفة قصيرة مع معلومة لأول انتخابات خاضها العراق بعد الاحتلال يومها قاطع مكون كبير العملية الانتخابية، فاتصل المحتل عبر قنواتهم بأحد الأحزاب الكبيرة الممثلة لهذا المكون ووعدوه بمائة مقعد في البرلمان في حال اشتراكه، والمحتل لتمرير وانجاح العملية السياسية الوليدة يفي بما يعد، غير أن هذا الحزب كان من الذكاء يومها مما جعله يرفض هذا العرض السخي من قبل العم سام حفاظا على حاضنته الشعبية.
   ونحن اليوم بصدد مناقشة تداعيات التزوير الأخيرة إن حصلت على الانتخابات البرلمانية العراقية الحالية، فقد انعقد مجلس النواب، يوم الاثنين 28/5/2018 جلسته الاستثنائية برئاسة رئيسه سليم الجبوري وحضور 165 نائبا وناقش الخروقات الانتخابية ودعوى التزوير الكبير فيه وخرج بنص قرار؛جاء في نص القرار النيابي قيام الجهات المعنية كل حسب اختصاصه باتخاذ الوسائل التي تضمن اعادة الثقة بالعملية الانتخابية منها بصورة عادلة ونزيهة منها الغاء انتخابات الخارج والتصويت المشروط في مخيمات النازحين في الانبار وصلاح الدين ونينوى وديالى لما توفرت عليه الادلة من تزوير ارادة الناخبين باستثناء اصوات الاقليات المشمولة بالكوتا، كما تضمن القرار القيام بالعد والفرز اليدوي بما يقل عن 10‎%‎ من صناديق الاقتراع في المراكز الانتخابية وفي حال ثبوت تباين بنسبة 25‎%‎ من ما تم فرزه وعده يدوياً يتم اعادة العد والفرز يدوياً لجميع المحافظات وتزويد الكيانات السياسية وفوراً بنسخة الكترونية وصور ضوئية لاوراق الاقتراع ونتائج الانتخابات.
وفي وقت سابق أجرى ديوان الرقابة المالية تحقيقات حول الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، وطالب المفوضية العليا للانتخابات بتزويده بالمعلومات التي تخص انتخابات الخارج والمشروط والخاص والنازحين، واستدعي أربعة موظفين كبار للتحقيق على رأسهم رئيس مجلس المفوظين، ومسؤول انتخابات الخارج، ورئيس الدائرة الانتخابية، ومسؤول تكنولوجيا المعلومات المشرف على أجهزة التصويت. وكتاب ديوان الرقابة المالية استلمته المفوضية بواردها العدد1376 في 27/5/2018  يثبت هذا التحقيق ويؤكده. في حين أن مجلس النواب بنى قراره على ما رفعه مراقبوا الكيانات وما تناقلته الأخبار عبر المؤسسات الأمنية والمخابرات وغيرها.
      جميع الخبراء في السياسة يعون جيدا أن لا وجود حقيقي للإرادة الحرة في شعوب الشرق الأوسط لاختيار حكامهم وقادتهم وحتى المسؤولين الأمنيين الكبار، بل للغرب يد في كل ذلك وخاصة بعد أن ورثت الولايات المتحدة الأمريكية إرث بريطانيا بعد عجزت الأخيرة، ففي النظام السابق الذي صدع رؤوس العراقيين بالنفس القومي والإرادة الحرة والسيادة على ما يزيد من ثلاثة عقود ونصف، في مستهل قيامه سمعت من شخصية كبيرة رفيعة المستوى يقرب من ضابط كبير في الجيش العراقي السابق عاد من أمريكيا في دورة عسكرية، وأخبره يومها بأن سيكون له شأن كبير في الحكومة العراقية وأنه قد يحتاجه في المستقبل، وكان ذلك فعلا وتقلد الموما إليه منصب وزير الدفاع بعد هذه الحادثة، هذا في ذلك الوقت الجميل إذا ما قيس باليوم، فكيف ببلد محتل مكبل باتفاقات ومعاهدات دولية كبيرة، الكلام اليوم عن الإرادة العراقية الحرة في اختيار حكامها نكتة كبيرة لا يستسيغها الشارع العراقي.
    من هنا نستطيع التكهن بأن صراع الإرادات الدولية والإقليمية في العراق هي التي ترسم المشهد، لا علاقة بإرادة الناخب العراقي ولا بطبيعة التدافع المحلي من قبل الكيانات ، ولاحتى بطبيعة التحالفات الفائزة وإن كانت معتبرة لكون الآخر لا عُقد له كبيرة مع أحد، بل يتعامل مع الواقع على الأرض، فممكن أن يتعامل مع مخرجات العملية الانتخابية وفق رؤيته وحسب تكييفه لهذه المخرجات، لذا من الظلم بمكان أن ندعي أن العملية الانتخابية دون جدوى، لا بل لها تأثير كبيرفي رسم المشهد السياسي، فهل نطمع أن تكون على حساب رؤية الآخر المؤثر في المشهد السياسي العراقي بما يحقق الإرادة الحرة للمواطن والوطن؟ هذا ما نحلم به ونأمل أن يتحقق على المدى البعيد ولا أظن إمكانيته في المنظور المتوسط أو القريب.
     لذا نجد أن رصد السيناريوهات المحتملة على المشهد الانتخابي وتشكيل الحكومة يكون تبعا لما تقدم، وليس بحسب القوائم الفائزة فحسب، ولعلنا لا نجافي الحقيقة في هذه الدعوى إذا ما تتبعنا الأسماء التي طرحت على سوق الانتخابات لشغل منصب رئاسة الوزراء ونعدد البعض منها؛ حيدر العبادي، علي داوي، هادي العامري، نوري المالكي، جعفر الصدر، علي علاوي، عادل عبدالمهدي، خضير الخزاعي، وووو.. مع العلم أن أي تحالف بين ثلاثة كتل كبيرة أو يزيد يحقق الأغلبية المطلقة في البرلمان الوليد (50+1) هو من يختار منصب رئيس الوزراء ولا داعي لجميع هذه التكهنات، لكننا حين ننظر للمشهد الكلي نرى أن من يحقق مقبولية للمؤثر الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأحلافها، والمؤثر الإقليمي خاصة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأحلافها هو من يحضى بالرضا والقبول ويتاح له أن يشكل الحكومة وفقا لما تقدم.
        من سيحكم العراق ليس تهديدا للشعب العراقي، بل التهديد الحقيقي والتحدي الأكبر هو بما سيحكم العراق، هل سيسير تبعا للمنظومة القديمة التي أتى عليها الدهر وشرب فسادا وظلما وجورا؟ أم سيغير البوصلة باتجاه تغيير حقيقي وليكن برضا الأحلاف الدوليين والإقليميين، المهم أن تتغير البوصلة إلى حكم رشيد وعادل أو نصيفه أو حتى معشاره، بذلك فليفرح العراقيون، وغير التغيير لا يجدي مع منظومة الفساد والظلم لا صناديق الاقتراع ولا الإرادة الحرة ولا الإرادة المغيبة في ظل هيمنة العم سام والعم الفقيه.
      السيناريو الأسوء يكمن في خلط الأوراق وحرق النتائج الانتخابية جميعها أخضرها ويابسها، وإبطال نتائج الانتخابات والإلتفاف عليها، وبدلا من الاحتكام لصناديق الاقتراع يصار إلى الاحتكام إلى قرقعة السلاح، ويعاد العراق مرة أخرى إلى الفوضى الخلاقة التي صنعتها الإرادة الأمريكية وانساقت معها القوى الإقليمية، وتبنتها القوى المحلية، ولعلنا لا نغادر الحقيقة إذا ما علمنا أن جل الكيانات الكبيرة الفائزة لديها أجنحة مسلحة، ولها تأثير كبير في الساحة العراقية، وهنا نتكلم عن المؤثرين في المشهد على وجه التأكيد ولا نتكلم عن المفلسين في القافلة، فلأول مرة ممكن أن نقول أن المفلس في القافلة أمين، هذا إن تحلى بالحكمة وركن نفسه جانبا، وإلا فهو وقود النيران المستعرة التي تؤسس للفوضى الخلاقة في المنطقة كي نستنجد بالعم سام من جديد ليوقف النزيف كما فعلنا في كل مرة من غير أن نتعظ، ويومها تكون لات ساعة مندم.