إشكال وأشكال ومستقبل المواجهة الأِيرانية الأَميركية

بحث مشترك

  

 

 

فهرس

اطار نظري ومقدمة

البحث الاول

أِشكال المواجهة-دكتور عمر عبد الستار محمود

البحث الثاني

أَشكال المواجهة-دكتور عبد الناصر المهداوي

البحث الثالث

مسار المواجهة-استاذ شاهو القرداغي

البحث الربع

مستقبل المواجهة-دكتور مهند يوسف

الخاتمة

المصادر

 

 

 

اطار نظري ومقدمة

تفترض هذه الورقة ان المشكلة الاميركية الايرانية مشكلة محلية واقليمية ودولية.
فالمشكلة المحلية تخص العقلية والمنظومة ونموذج الحكم الايراني، واقليمية بتهديد نظام ايران للامن الاقليمي في الشرق الاوسط، ودولية، كونها ولاية مستحيلة قي النظام الدولي، اضافة الى انها جعلت من الشرق الاوسط ساحة منازلة دولية، وترك المشكلة الايرانية دون حل جذري قد يؤدي لحرب عالمية، وان الحل الجذري قد يقتضي تغيير النظام في ايران.
فإيران تُمثل آخر معاقل العداء في الشرق الأوسط للنظام الدولي، وأميركا تجاهلت مشكلة إيران فتمدد نفوذها من طهران لبيروت،وأصبح لها أذرع وحلفاء محليين ودوليين، حتى وصل إشكال اميركا مع ايران وإستقرار المنطقة الى طريق مسدود.
ووصول الإشكال الإيراني-الأميركي في المنطقة الى طريق مسدود، سببه قناعة راسخة لدى الإيرانيين إن أميركا تُريد تغيير نظامهم السياسي كليا، و قناعة الأميركان إن خمنائي يمكن أن يُزاح فقط حين يتم تصويب البندقية الى راسه.وهاتين القناعتين المتعارضتين، قد تدفع أميركا اليوم الى حرب رابعة قادمة في غرب آسيا ( الشرق الاوسط) ضد إيران ، بعد أن خاضت الحرب العالمية الأولى و الثانية و كذلك الباردة من أجل أسيا أيضا.
فتراكم الإشكالات الاميركية الايرانية، قد يؤدي الى خروج الامن الاقليمي والدولي عن السيطرة، فضلا عن احتمال دخول ايران في دوامة الفوضى الخلاقة، وكلاهما امر خطير بما فيه الكفاية محليا واقليميا ودوليا.
وخروج الامر في الشرق الاوسط عن السيطرة، قد يعني احتمال انتقال الشرق الاوسط ومعه قارة اسيا من الفلك الاميركي الى فلك خصوم الولايات المتحدة، ايران وروسيا والصين.
وربما اصبح الامر اكثر وضوحا بعد انتهاء الحرب التكتيكية ضد داعش، التي فتحت الباب نحو احتمال مواجهة دولية ساحتها سوريا التي تجتمع فيها كل الدول وكل المشاكل.و حين تجتمع إيران و روسيا و الصين و أميركا في الشرق الأوسط، فالشرق الأوسط أصبح ساحة المنازلة الدولية الكبرى، بين معسكرين كما جرت في كل الحروب الثلاث السابقة.
وستتطرق الورقة بعد هذه المقدمة في البحث الاول عن طبيعة الإشكال الايراني الاميركي محليا اقليميا ودوليا، وفي الثاني عن أَشكال المواجهة، ومسار المواجهة في الثالث، وفي الرابع عن مستقبل المواجهة ثم الخاتمة.

 

البحث  الاول

 

الإشكال الايراني الاميركي

 الدكتور عمر عبد الستار محمود

 

الإشكال المحلي

 

  تتركز المشكلة الايرانية محليا في امرين جوهرين، احدهما يختص بنموج الحكم  الثوري الديني المسلح الذي استلم السلطة بعد ثورة 1979، وفي الشخصية الايرانية التي ترتبط منظومتها العقلية والدينية معا عبر التاريخ.
 فنموذج ولاية الفقيه عبارة عن مزيج غير متجانس لمجموعة نماذج جعلت منها اقرب لوصف (اللانموذج)منها الى اي نموذج محدد اسلامي او غير اسلامي.فثورتها ليست بعيدة عن الماركسية في حربها مع الراسمالية، وشركاتها التابعة للمرشد اقرب للشركات الراسمالية، ومليشياتها اقرب للعصابات منه للدين، وديموقراطيتها  يحكم فيها غير من يُنتخب .
فدولة ومجتمع على اساس كتاب الحكومة الاسلامية لخميني، في مجتمع ايراني عريق ، لايختلف عن فلسفة  ماركس المادية في مجتمع قيصري، او فاشية هتلر التي اعتقدت بتفوق العرق الالماني ، اوعبد الناصر وصدام الذي اعتمدوا الوهم القومي.
وان كان الفشل النهائي قد اصاب كل الذين سبقوا ولاية الفقيه، في اصرارهم ضد قوانين المنطق الاجتماعي والمجتمع الدولي، فمصير نموذج اللانموذج الذي تستبطنه ولاية الفقيه لايختلف عن مصير من سبق.
ورغم محاولة ولاية الفقيه المزاوجة بين الدولة والثورة لامتصاص حالة الرفض المحلي والدولي لمشروعها المستحيل، فانه محاولاتها لاتعدو ان تكون هروب للامام من مصير اي دولة مارقة.
ان التناقض الذي تمارسه ولاية الفقيه بين خطابها الديني الثوري المساند للمحرومين ، وبين سلوكها المصلحي مع المستكبرين،سببه تناقضات نظامها المركب، الذي لم يعد قادرا على الاستمرار، الا بمزيد من القسوة، في وقت لم يعد اساسه الاقتصادي قادرا على تحمله.
وحتى المزاوجة بين الثورة والديموقراطية من خلال انتخابات، مرشحوها مفلترون، ومنتخبون لايحكمون،وفق دستور ولاية الفقيه يمنح سلطاته للمرشد،جعلت من ولاية الفقيه نظاما لايشبهه اي نظام اخر في تاريخ الاسلام، او في تاريخ ايران، او في تاريخ انظمة الحكم في العالم.
حتى ان شقيق الرئيس الايراني الاسبق محمد خاتمي، قال في ذكرى الثورة ال39، ان هناك ثلاث خيارات لخروج النظام من ازمته مع الناس، خيار اسقاط النظام، وخيار بقاء النظام، وخيار جمهورية باريس الاسلامية، التي دعا لها خميني من باريس ،ثم نقضها حين استلم السلطة.
لقد حاربت ولاية الفقيه رجالها ولم يبق منهم كبير واية الله حسين علي منتظري وكروبي وموسوي دليل، وابادت معارضيها ، واعدامات ١٩٨٨ دليل، وافسدت على الاقليات حياتهم الدينية، فلم يجد السنة لهم مسجدا في طهران، ولامنصبا رسميا، بل ان حكام الولايات السنية ككوردستان وبلوشستان من الشيعة، بل قاتل كورد ايران نظام ايران اثناء الحرب العراقية الايرانية، في الوقت الذي قاتل فيه كورد العراق نظام صدام حسين، بالتعاون مع الحرس الثوري.
وحاربت ولاية الفقيه النساء اللواتي يشكلن اكثر من نصف المجتمع بفرض الحجاب ومنعتهن من المجال العام والخاص، وسَلِّطت عليهن رجال الامن ، حتى قيل ان النساء قد ثارت بوجه الشاه بلبس الحجاب، وثارت اليوم ضد ولاية الفقيه بنزع الحجاب، بل قالوا ان ايران هي البلد الوحيد في العالم الذي يعد المسالة (الجنسية) مسالة سياسية.
لقد خنقت ولاية الفقيه المجال العام والخاص خنقا، وبات الناس في قلق ليس من فقدان حريتهم ورزقهم فحسب، بل من فقدان دينهم ايضا.وان كانت ولاية الفقيه قد نجحت في خنق المجال العام والخاص، فانها فشلت في اسلمة المجال العام، لصالح عقليات وشبكات ريعية مرتبطة بالمرشد، وكانت النتيجة نفاق اجتماعي، يشبه نفاق ولاية الفقيه في تناقضها بين خطابها وممارستها، وهو نفاق مكلف جدا ان استمر،باستمرار ولاية الفقيه.
لقد فشل نظام ولاية الفقيه بعد مرور ٣٩ سنة، ان يكون نموذجا سياسيا كنموذج اردوكان، او امنيا اقتصاديا كنموذج الصين، وكل ما استطاعه انه زاوج بين الثورة والدولة بطريقة امنية قمعية،كما يفعل اي نظام قمعي قومي او اممي، وهذه من مأزق النظام الكبرى.
ان ثورة الفقراء في ٧٩ مدينة ايرانية ، وهم كنز ولاية الفقيه البشري الاستراتيجي، مع سقوط الريال الحر، في ظل توسع اقليمي مكلف، اصبح الحفاظ عليه وسط الضغط الدولي اكثر كلفة، قد فضحت ولاية الفقيه، وافقدتها ركنها الركين المتمثل بالطبقة المسحوقة.
الطبقة المسحوقة التي تمثل خزين ولاية الفقيه البشري الذي ثار عليها اخيرا في احتجاجات 2018، وبعد ان حرصت طوال ٣٩ سنة من عمر الثورة ان تبعده عن تاثير سقوط الريال المستمر منذ ٧٩ الى ٢٠١٨، ودفعت بتاثير السقوط الحر للريال نحو الطبقة المتوسطة، لتبعد ايران عن ربيع قادم، لكن ارتفاع اسعار المواد الاساسية والتضخم الهائل وصل اثره لخزين الثورة الاستراتيجي، فثار، وكفر بولاية الفقيه، ليثبت ان ولاية الفقيه نموذج مستحيل ايرانيا كما هو مستحيل دوليا.
وخيار اللانموذج الذي تمتاز به ولاية الفقيه، يجعله نموذجا مستحيلا ، فهو خيار غير قابل للاستمرار ، وليس صلبا بما فيه الكفاية لمقاومة الرفض المحلي والدولي.وان كان المجتمع الايراني،باقلياته وطبقاته ونساءه، قد قبلوه قبل ٣٩ سنة، اذ وجدوه افضل الخيارات بين نموذج الشاه ونموذج حزب تودة، فان نموذج اللا نموذج، قد امسى نموذجا مستحيلا
اما نموذج الشخصيبة الايرانية فهو مشكلة اخرى محلية توجه اميركا في طريقة التعامل معها، فقد تميزت الشخصية والمنظومة الايرانية عبر التاريخ بامتزاج العامل الديني والقومي وكره الاجنبي  شكلت سبيكة نفسية قاومت عوامل التجريف حتى جاءت ولاية الفقيه.وقد انتجت هذه السبيكة النفسية ثقافة عميقة الحذور تمتد منذ الاخمينيين حتى الخميني، ولغة نادرة سيطرت على طريق الحرير القديم، وسجادة ايرانية نفيسة لاتغادر الذاكرة الانسانية.
فجذور العامل القومي عند الشخصية الايرانية يعود الى انتسابها للعرق الاري الذي جعلها تشعر بالفوقية على شعوب المنطقة.و‏منذ فجر التاريخ كان اسم ايران بلاد فارس، فكيف تحولت الى ‫ايران؟ ان ‏الإجابة على هذا السؤال قد توصلنا لتفسير وفهم العلاقة المميزة التي تشكلت بين ‫ألمانيا و ‫إيران، وتسببت في الإشكال الاميركي الايراني محليا واقليميا وحتى دوليا حتىى اطلق على خامنائي لقب هتلر الشرق الاوسط.
‏تبدأ قصة تحول بلاد فارس الى ايران منذ عهد القيصر فيلهلم الثاني، آخر إمبراطور ألماني حكم الإمبراطورية الألمانية ومملكة بروسيا من 15 يونيو 1888 حتى 9 نوفمبر 1918.وتشجيعا من الامبراطور لسياسة إثارة المشاكل لأعداء ألمانيا (بريطانيا وفرنسا وروسيا) وهي الدول التي حكمت اراض اسلامية شاسعة حينها، و تناغما مع فارس -(المُشبّهة تقليدياً بـ روسياوبريطانيا،القوتان المسيطرتان إلى شمالها وجنوبها)فقد تقبّلت فارس المفاهيم الألمانية.
‏ولم تقلل خسارة ألمانيا في ‫الحرب العالمية الأولى من الحماسة الإيرانية لكل شيء ألماني، وفي سنوات ما بين الحربين، أصبحت ألمانيا المورّد الرئيسي لـ ‫التكنولوجيا الصناعية و ‫الخبرة التقنية لإيران.ووصول ‫أدولف هتلر إلى السلطة، لم يُعق هذه العلاقات، ولم يكن ‫شاه فارس بغاية السرور فحسب، بل إن قسمًا كبيرًا من ‫المثقفين و ‫رجال الأعمال الفرس تعاطفوا مع ‫الاشتراكية القومية.
‏وفي 1934، وبطلب من ‫السفير الإيراني في ‫برلين، منع الشاه استخدام اسم بلاد فارس وأصرّ على استخدام اسم إيران والتي تعني أرض الآريين. فرد عليه ‫هتلر بإعفاء الإيرانيين الآريين من قوانين العنصرية في نورمبرغ، وحتى اليوم، يتم تذكير الزائرين ‫الألمان لإيران بحماس من قبل الإيرانيين بأن ألمانيا وإيران يجمعهما تراث آرياني مشترك.
وارتباط ايران بالمانيا عن طريق الانتساب للعرق الاري جعلها مثل المانيا حين شعرت بالتفوق على باقي شعوب اوروبا فتسبب بحربين عالميتين.وكان السؤال الأميركي امام هذه المشكلة الألمانية الفاشية التي دفعتهم لبنية تحتية صناعية فجرت حربين عالميتين، حتى إقترح الأميركان خططاً لتعقيم نسل الألمان أو تهجيرهم هو : كيف يُمكن أن نمنع ألمانيا من القيام بأي حرب قادمة؟ و كانت إجابة وزير المالية الأميركي مورجينتاو:نُحول ألمانيا الى بلد زراعي، و نقيم فيه تنمية و إستئصال ما له علاقة بالصناعة.
فحوّل الكرم الإميركي الألمان تدريجياً من عدو إلى صديق من خلال التنمية و إعادة برمجة العقلية الألمانية للحد من توسع الشيوعية، و هو ما تفكر به أميركا اليوم لحل المشكل الإيراني و أمثاله و عدم السماح ربما بظهور مشكل مماثل في أي إقليم جيوسياسي في العالم.
هذه المقدمة تبين إن الإشكال الأميركي-الإيراني لم يكن إشكال تقني نووي أو صاروخي أو إشكال سياسة خارجية معادية فحسب،بل إشكال نموذجعقلية فاشية عابرة للحدود جربها العالم مع المانيا و تماهلوا معه، حتى إندلعت حربين عالميتين.
فاتفاق ميونيح 1939 بين هتلر واربع دول اوربية  يكاد يشبه الاتفاق النووي الايراني في 2015، فكلاهما  يعد تماهلا دوليا مع عقلية فاشية، ادت مع المانيا لحربين عالميتين ، وقد تؤدي مع ايران الى حرب عالمية ثالثة.
فقد تزامن ظهور نمودج إيران (الهتلري) مع موجة صعود نمودج الإسلام الجهادي و السياسي السني و الشيعي في المنطقة، بعد سقوط المنظومة القومية العربية و الإيرانية، مما تسبب في دخول المنطقة لعهد الفوضى الخلاقة، وهذا يفتح الحديث عن المشكلة الاقليمية التي سنتحدث عنها في القسم الثاني.
وان كانت هذه هي قصة إشكال اميركا مع مع العقلية القومية الايرانية، فان العامل الديني في الشخصية الايرانية إشكال اميركي ايراني اخر وقد امتزج بالعامل القومي،وتعود جذوره الى الزرادشتية منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ثم الى التشيع في القرن السادس عشر الميلادي.
وقد ارتبط العامل الديني بالقومي قبل وبعد الاسلام،حتى ان زواج الشاهبانو بالحسين بن علي بعد الفتح الاسلامي، يعد شكلا من اشكال ارتباط العامل الديني بالعامل القومي، والذي لازال يمد ولاية الفقيه بالدماء.
وكما كان خطأ ولاية الفقيه  بفرض العامل الديني بالقوة من فوق لتحت، كان خطأ الشاه القاتل، بفرض سياسة قومية متطرفة محارِبةً للدين ومستندة للغرب من فوق لتحت،ورغم  استفادة ولاية الفقيه من خطأ الشاه، فمنهج الثورة والدولة عندها، قد ادى بالضرورة، الى تحطيم اركان الشخصية الايرانية القومية والدينية المقاومة للاجنبي عبر التاريخ،وربما وصلت الشخصية الايرانية ، كما وصلت شعوب العواصم الاربعة، الى الاستعانة بالاجنبي بدل مقاومته، للخلاص من ولاية الفقيه، وهذه محصلة الفوضى الخلاقة التي هي جزء من استراتيجية الامن القومي الاميركي.
لقد حطمت ولاية الفقيه او تكاد جينات المقاومة الموروثة ضد الاجنبي عند شعوب ايران، التي عرفت عبر التاريخ بعنف مقاومتها للاجنبي عربيا كان او غربيا، يونانيا كان او مغوليا، عثمانيا كان او افغانيا، بريطانيا كان ام روسيا ام امريكيا كما هو اليوم.
يحصل هذا، رغم ان ولاية الفقيه تدرك عمق نزعة الاستقلال عند الشخصية الايرانية، ومن هنا رفعت شعار محاربة الشيطان الاكبر، واستفادت من ضم بوش الابن لها الى محور الشر، ومن جعلها اكبر راع للارهاب في العالم، على اساس ان الغرب يستهدف ايران امس واليوم وغدا.
وقد سيطرت عقلية المؤامرة هذه على الشخصية الايرانية عبر الزمن، فوجدت ان العرب حطموا مملكتها، لانها بلاد حضارة، وان الغرب فرض عليهم الشاه واستولى على نفطهم، وليس بوارد ان ينشر فيهم ديموقراطيته، وقد جربوه اكثر من مرة، وانقلاب ١٩٥٣ من الادلة.
وان كان الجانب القومي قد فتح المجال لعقلية المؤامرة عند الشخصية الايرانية،فان العامل الديني الشيعي هو الاخر قد ساعد في هيمنة عقلية المؤامرة عندها ايضا،وهذه معضلة في الشخصية الايرانية تضاف مشكلة ولاية الفقيه التي تتمثل اليوم في رفض 73%؜ من الايرانيين لنموذج ولاية الفقيه.
فقد اثارت احتجاجات ٢٠١٨ ، قلق نظام ايران ولاية الفقيه ، الذين اكتشفوا ان القاعدة الشعبية، لم تعد تقبل بهم.والسؤال ، كيف انجبت ثورة ١٩٧٩، التي اطاحت بالشاه، ثورة اخرى مضادة لها ، بعد ٣٩ سنة، يمكن ان استمرت ان تطيح بنظام ولاية الفقيه؟
يقول المطلعون على دقائق الامور، ان المجتمع الايراني فقد معالمه الدينية بعد ٣٩ سنة من حكم ديني ينتمي للقرون الوسطى.ويضيف المختصون، ان اركان نظام ولاية الفقيه، يحرصون في اخفاء هذه الحقيقة، رغم ان محمد جواد باهونار قال قبل ايام، علينا ان نواجه الواقع، فلدينا اكثر من ٥ مليون ايراني مناصر لاميركا واسرائيل في ايران.
وان ظاهرة نزع الحجاب التي انتشرت، كفعل معارض لنظام ولاية الفقيه ، ضمن فعاليات الاحتجاجات الايرانية الاخيرة،تشبه ظاهرة ارتداء الحجاب، كفعل معارض لحكم الشاه ، اثناء ثورة ١٩٧٩.وان ظاهرة شراء الدولار وبيع الريال التي تنتشر بين الايرانيين اليوم بعد ان اصبح الدولار يساوي 7٠٠٠٠ ريال، تشبه ظاهرة بيع الدولار وشراء الريال، في ايام الشاه الاخيرة.
ان احتجاجات ايران ٢٠١٨، قد دلت على ان هناك ايران اخرى غير ايران التي تريدنا ولاية الفقيه ان نتعامل معها.وان ايران الجديدة التي تنهض اليوم من تحت التراب،تقول ان هناك تصادما في ايران، بين ارادة ولاية الفقيه التي تدمج الدين بالدولة، وتعادي النظام الدولي، وبين ارادة اغلبية الناس التي تنادي لرحيل النظام، وبفصل الدين عن الدولة،وعودة ايران للمجتمع الدولي من جديد.
وقد اجابت احتجاجات ٢٠١٨، عن عدد من الاسئلة منها، لماذا تعيش ايران في وضع اقتصادي مأزوم ، رغم مواردها البشرية والطبيعية الكثيرة؟كما كشفت الاحتجاجات ، ان تصدير الثورة الذي يدفع النظام لدعم الارهاب خارج ايران، هو سبب الازمة الاقتصادية،وهو السبب الذي دفع الناس للاحتجاج، كما انه السبب الذي قد يطيح بنظام ولاية الفقيه.
وهذا قد يعني ان مبدا تصدير الثورة ، هو الذي ادى في النهاية الى ثورة شعوب ايران في ٢٠١٨ ، ضد النظام الذي جاءت به ثورة ايران ١٩٧٩، وان الاحتجاجات الاخيرة، لم تكشف سوءة نظام ولاية الفقيه فحسب، بل كشفت ان هناك ايران اخرى، حرصت ولاية الفقيه ان تخفيها، وان هناك ثورة قادمة تعتمل داخل ايران.
ومع ذلك، فشعبا يُسقِط شاهاً علمانيا متغربا بثورة ١٩٧٠ وياتي بخميني، ثم يثور بعد ٣٩ سنة ليسقط نظاما دينيا ثوريا جاء به خميني، بل  شعب يثور كل خمسة عشر عاما منذ 1890، وثورة 2009 عنا قريبة، هو شعب قد يشكل مشكلة في منظومته وعقليته  في ايران والمنطقة والعالم.
فقصة شعوب ايران واحدة مع حكامه الذين اسقطهم في ال١٩٧٩، ويثور اليوم ليسقط اخرين، واخرى مع كفاحه مع الغرب، وانقلاب 1953 عنا ليست بعيدة،وقد تاجرت بها ثورة خميني، باسم مكافحة الشيطان الاكبر.
ان في ايران شعب قومي ثوري يكره الاجنبي، ويكره التطرف الديني واليساري،ويكره حكم الشاه، وثورة ١٩٠٦، و١٩٥٣، و١٩٧٩، و٢٠١٨ دليل.وفي كل مرة حاولت شعوب ايران ان تثور ، اجتمعت عليه خصوم الداخل والخارج، فعادت به الى حكم استبدادي مطلق باسم الشاه مرة، وباسم اليسار مرة، وباسم الدين مرة.
وقد فشلت انظمة ايران الريعية الابوية، سواء كانت معلمنة، او معممة، في الصمود امام مجتمع ايران، رغم جيش الشاه وسافاكه، ورغم باسيج الثورة وحرسها، حين عزلت نفسها عن المجتمع.
وايران الجديدة التي قد ينتظرها الشرق الاوسط، كما ينتظرها المجتمع الدولي، قد تختلف بالضرورة عن ايران النظام، كما قد تختلف ايضا بالضرورة عن صورة ايران التي تبحث عنها الشخصية الايرانية. فعلى الشخصية الايرانية ان تغادر التاريخ الذي ربط عندها بين الدين والقومية.
ومغادرة التاريخ الذي عادت ولاية الفقيه بايران اليه، والتاريخ الذي ربط بين عامل الدين والقوميةعند الشخصية الايرانية، يعني بالضرورة، البحث عن نموذج جديدة لعلاقة الدين بالدولة،بعيدا عن علاقة الزرادشتية بال ساسان، وعلاقة التشيع بال خميني، وقريب من تحييد اثر الدين والقومية على نموذج الحكم ، دون المساس باثر الدين والقومية على الشخصية الايرانية فردا ومجتمعا.

 

 

 

 

الأِشكال الاقليمي

يبرز اشكال اميركا الاقليمي مع ايران في نمودج ايران الثوري الديني المسلح الجامع بين الدولة واللادولة العابر للحدود الوطنية في ظل الفوضى المستمرة في المنطقة، منذ الحرب الاهلية اللبنانية الى الحرب الاهلية السورية.
فقد اصبحت ايران بفضل نظامها المزدوج ومبدا تصدير الثورة والفوضى المستمرة في المنطقة في وضع يمكّنها من ممارسة نفوذٍ هائل، في جميع أنحاء الشرق الأوسط ولسنوات قادمة، ان لم تؤد التحضيرات العسكرية الدولية الجارية اليوم في سوريا الى كسر غطرسة ايران.
فقد أثبتت إيران خلال الاربعين سنة الماضية قدرتها، على التغلغل بمليشيات معبّأة طائفياً، ومدربة عملاتياً، وذات ولاء ثابت غير متبدل من جهة، وفي دمج مليشياتها في جيوش وشرطة وقوات امن عواصم عربية اربع، بانتظار انضمام عاصمة خامسة.
وقد منحت السنوات الخمسة عشر الماضية ايران، فرص هائلة في مد نفوذها السياسي والاقتصادي الاقليمي، وتعزيز أمنها القومي، ضمن حدود متخيلة في عمق أراضي الدول المجاورة لها ، وفق استراتيجة تقول ان وجودنا خارج حدودنا شأن ايراني داخلي.
وقدإستفادت إيران من الحرب ضد القاعدة ثم داعش، فوسَّعت نطاق الهيمنة عبر بغداد ودمشق وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، وهي تستعد الان لجولة اقليمية قادمة ربما ضد الاردن وتركيا والسعودية، ربما بنسخة اخرى من داعش او القاعدة.
فبعد ان سيطرت إيران على محافظات العرب السنة والمناطق المتنازع عليها، تعمل اليوم على نشر ميليشياتها على حدود الأردن والسعودية وتركيا كأمر واقع.وبعد ان وجدت ايران موطئ قدم لها على المتوسط والاحمر، وعلى حدود الاردن وتركيا والسعودية، فانها قد تطمح لغزو الاردن وتحجيم دور السعودية وتركيا.
فإيران لاتفوت الفرص في استعراض عضلاتها أمام خصومها من العرب والترك، بافتعال الفوضى وملء الفراغ الناتج عنها، او بإستغلال خلافات تركيا ودول الخليج والاردن، مع توظيف إيران لتجارب حماس والجهاد الإسلامي، التي تؤدي دورها في عرقلة عملية السلام، التي ترى ايران انها شماعة امريكية لعزل إيران.
ولم تقتصر السياسية الإيرانية الشرق الأوسطية على تمكين الشيعة في المنطقة، والمتاجرة بقضية المقاومة، بل وظّفت ايران حاجة القوى الدولية لاستتباب الأمن في الإقليم في تمرير أجندتها التوسعية فيه.وفي حين يقتضي المنطق أن يضع المجتمع الدولي حداً لمساهمة إيران في زعزعة الأمن في الإقليم، إلّا أن تقديم مساعدات جليلة لأمريكا عند غزو العراق وأفغانستان قد مكّن طهران من إعادة ترشيح نفسها كشرطي اقليمي.
فقد أدّى ظهور العوامل الدينية المسلحة العابرة للحدود بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، إلى تراجع أولوية مواجهة إيران وتقدم أولوية مواجهة خطر الإرهاب الجهادي.وقد نجحت إيران في تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، واستطاعت من خلال أذرعها الإقليمية وتحالف الاقليات من بسط نفوذها وملء حالة الفراغ التي وفرها خصومها الإقليميين.
فقد نجحت إيران في ثبيت حكم الأسد في سوريا وامسكت بأوراق ضغط فى سوريا من خلال محور استانا، وبات الاردن هدفا في متناول اليد، تستطيع من خلاله اضافة عاصمة خامسة للعواصم الاربعة.فقرار نقل السفارة وخطر الحشد الشعبي وحزب الله والمليشيات الايرانية المرتبطة بفيلق القدس، وجهان لعملة التحديات التي يواجهها الاردن، والتي قد تجعل خيارات الاردن محدودة للغاية.
كما ان ان المنافسة المحتدمة على النفوذ بين إيران والسعودية، قد تؤدي إلى تفاقم التوترات في المنطقة خصوصا وإن تهديدات هذه الحرب قد تجاوزت الحدود ووصلت الى داخل المدن السعودية.وفي الوقت الذي تتحالف فيه إيران (الخصم المنافس للمملكة) مـع روسيا، ترى الرياض أنّها ستواجه في حال حصول وجود عسكري روسي في إيران تهديداً روسياً مباشراً لأمنها الوطني ولمصالحها الحيوية.
وحتى الانفتاح السعودي على العراق لمزاحمة النفوذ الإيراني أو منافسته، لا احتواءه أو إنهائه، فقد جاء متأخراً بعد ان ملأت ايران الفراغ السياسي، وبات من الصعب إخراجها من العراق، إلا باستخدام نفس أدواتهم العسكرية والسياسية معاً.
ولا تقل التحديات التي تواجه تركيا من الحشد الشعبي، عن التحديات التي تواجهها السعودية والاردن، في ظل علاقة متوترة بين انقرة وواشنطن وإحتدام التنافس بين أنقرة وطهران في المنطقة، وجنوح إيران المستمر للتوسع بشكل أكبر وأعمق على حساب تركيا في المنطقة وبشكل أخص في العراق وسورية.
ويمكن القول إن فشل إستفتاء كوردستان ونهاية داعش في العراق، قد تركت تركيا والمنطقة معها في أضعف حالاتها منذ حرب الخليج عام 1991، في وقت أعطت إيران دفعةً كبيرة للامام.ورغم ان ايران قد تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية إلى حين، ولكنّها في المقابل قد استعدت شرائح واسعة من الشعوب، بضمنها شعوب ايران، وألّبتها على أذرعها.
أمّا خطأ ايران الاستراتيجي الأكبر، فهو إعتمادها على روسيا حيناً وعلى حاجة أمريكا حيناً آخر في تعزيز مكتسباتها التكتيكية، وهي بالتالي عرضة للنقض حين يقرر الآخرين النكوص، خاصة في ظل حديث عن صفقة اميركية روسية محتملة ، قد تعزل ايران وتدينها برعاية الارهاب الدولي.
ولكن هذا لا يعني ان المنطقة امام احتمال جولة ايرانية قادمة، ان لم يتم كسر غطرستها بعد انسحاب ترمب وشروط بومبيو، وعقوبات الخزانة الاميركية وتشكيل تحالف دولي ضد ايران.وقد تكون اجندة ترمب الجديدة ضد ايران بالانسحاب من النووي لدفع ايران للقبول باتفاق دولي جديد تحت شروط بومبيو الاثني عشر مشابهة لقرارات مجلس الامن الثني عشر التي صدرت عن مجلس الامن ضد العراق بعد غزو الكويت.
وهذا التشابه الجيو سياسي بين مشكلة العراق وايران ياتي ضمن استراتيجية الامن القومي الاميركي التي وضعتهما ضمن الدول المارقة في (محور الشر) الذي اطلقه بوش الابن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
واستراتيجية الامن القومي الاميركي تجاه الدول المارقة يعتمد على تعريفها للدولة المارقة ضمن معايير اربعة ثم في محاولة تغيير سلوك هذه الدولة المارقة او تغيير نظامها. فقد إتسمت سياسة إيران الإقليمية بمواصفات أربعة وضعتها ضمن مصطلح الدولة المارقة في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي عرفتها إنها الدولة التي تجد عجزاً مزمنا في الإندماج في النظام الدولي.
و قد وضع أنطوني لايك مستشار الأمن القومي الأميركي في ولاية كلنتن ١٩٩٤، أربعة معايير في تشخيص هذا العجز هي:1-محاولة الحصول على أسلحة الدّمار الشّامل، 2-تمويل و تسليح و إيواء و تدريب التّنظيمات الإرهابيّة،٣- سوء معاملة الشّعوب الّتي تحكمها، ٤- معاداة صريحة للولايات المتّحدة الأمريكيّة.
و هذه المواصفات الأربعة تضع الدولة المارقة مثل إيران تحت ضغط أميركي متواصل حتّى تغيّر من نظامها، او تنتهج هذه الدولة سياسة خارجيّة مختلفة.وقد يكون هذا الاشكال هو الذي دفع أوباما بتقرير بيكر هاملتون أن يتوجه للإتفاق النووي، مستهدفاً تغيير سلوك إيران، ثم ترمب بتقرير اوليبرايت هادلي للإنسحاب من الإتفاق النووي لتغيير نظام إيران، لان إيران أثبتت أنها غير قادرة على تغيير سلوكها بعد عقد الصفقة.
وعجز إيران عن تغيير سلوكها هو دليل دامغ إن نظامها الثوري غير قابل للإصلاح، وهذا ما ذكره ترمب كثيراً و أكده مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون.فإيران تعودت و على مدار التاريخ، الا تستلم لإرادة العدو و لا تصطدم به ما أمكنها ذلك ، بل تهرب من مواجهته للأمام بعنف أو بسياسة.
وهي اليوم تحاول الهروب من مواجهة شاملة مع اميركا او من اتفاق دولي جديد، الى محاولة الحديث عن تغيير في سلوك ايران الاقليمي، وهذه هي سيايسة ايران الخارجية عبر الزمن. فقد قال ‏مونستيكو يوماً و هو يصف الإيرانيين:إنهم يقاتلون من بُعد فلا تدركهم أسلحة الرومان، و يحاصرون عدوهم أكثر مما ينازلونه، و لا تنفع فيهم المطاردة إذ إن الكر عندهم نوعاً من القتال، و يحرقون الأرض خلف الغزاة فلا ينبت فيها عشباً.
وكأن مونستيكو كان يتحدث عن منظومة و عقلية فاشية تميزت بها أنظمة الحكم في إيران قديماً وحديثاً، فهاهم اليوم يقاتلون بالمليشيات(عن بعد) و يحاصرون عدوهم بتحالف أقليات، و لا تنفع معهم مطاردة كما حاربهم صدام ٨ سنين حتى سمى خميني وقف النار كأس سم.
ختاما تعد ايران من الدول متوسطة القوة في المنطقة المسؤولة امام المجتمع الدولي عن حفظ الامن الاقليمي، لكن ايران تخلت عن وظيفتها الدولية  بعكس تركيا والسعودية، فزعزعت الامن الاقليمي والدولي في الوقت الذي كان عليها ان تحفظه.وهذا أِشكال اميركي ايراني جوهري.
وقد جسد احتلال امريكا العراق بعد 2003 هذا التخلي الايراني عن دورها الاقليمي فارتضته ووظفته لصالحها بعكس السعودية وتركيا التي اعلنت تركيا رفضه وحملت امريكا  المسؤولية.
فقلبت ايران لامريكا ظهر المجن وجعلت من العراق حديقة خلفية ودفعت امريكا للانسحاب ونشرت بداعش والمليشات الارهاب وعدم الاستقرار والتطرف في المنطقة حتى سقطت الموصل وصنعاء في 2014، فتشكل تحالف الحزم في اليمن والتحالف الاسلامي العسكري وتحالف العزم الدولي في العراق وسوريا الذي يضم تركيا والسعودية، في حين ان ايران ليست عضوا في اي منها.
الإشكال الدولي
خطوة الأِشكال الدولي لنظام ايران تتجسد في نموذج ولاية الفقيه المستحيل ضمن النظام الدولي من جهة، ومن جهة اخرى، ان هذا النموذج المستحيل قد دفع الشرق الاوسط ان يكون ساحة منازعة دولية  تدفع باتجاه حرب عالمية ثالثة.
فعلى الرغم ان النظام الدولي تغير منذ اتفاقية ويست فاليا 1648 خمس مرات، فإن مفهوم ويست فاليا *الدولة-الامة* لازال ثابتا يقاوم كل من يحاول هدمه ابتداء بنابليون مرورا بهتلر والسوفيت وانتهاءا بولاية الفقيه.
فقد انتقل النظام الدولي من حكم الكنيسة الى حكم الدولة الامة القومي في اوربا في 1648. ثم انتقل الى نظام متعدد الاقطاب، في اتفاقية النمسا 1814. ثم انتقل بعد الحرب العالمية الاولى الى عصبة الامم، وظل متعدد الاقطاب.
ثم انتقل من متعدد الاقطاب الى ثنائي القطبية بظهور السوفيت في 1945. ثم حط اخيرا بنظام احادي القطبية ضمن ويست فاليا لكن بنسخة جديدة جغرافية اقليمية وليست قومية كما يقول كيسنجر في كتابه عن النظام الدولي.
ولقد استغل خصوم النظام الدولي حالات الانتقال من نظام دولي لاخر الفرصة لنسف مفهوم ويست فاليا.فنابليون حاول بالثورة الفرنسية نسف ويست فاليا وهتلر حاول بعد عصبة الامم والسوفيت كرروا المحاولة بعد ظهور الامم المتحدة فزعزعوا جميعا استقرار النظام الدولي، لكنهم فشلوا ورحلوا وانتصر مفهوم ويست فاليا.
وعلى ابواب انتهاء الحرب الباردة حاولت ايران ولاية الفقيه بدستورها ومنظومتها الدينية المسلحة العابرة للحدود ان تجرب حظها في نقض اسس مفهوم ويست فاليا. وما مهاجمة سفارات الدول واولها سفارة امريكا بايران في 1979 واخرها سفارة السعودية بطهران 2016 الا تنفيذا عمليا لعدم اعتراف ايران باسس نظام ويست فاليا الدولي.
فضلا عن ان ايران استهدفت الدبلوماسسين الاجانب ووظفت القاعدة وداعش واسست مئات المليشيات الايرانية الدينية العابرة للحدود.فنصوص الدستور الايراني تنص في مقدمته ومواده على ان واجب القوات المسلحة الايرانية والحرس الثوري الذي اصبح موازيا للجيش، لا يكتفي بحماية الحدود بل في بسط القانون الالهي في العالم، بل خطب نجاد في 2007 في الامم المتحدة متحدثا عن المهدي الذي سيظهر فيحكم العالم.
وهذا يعني ان مشكلة ايران مع النظام الدولي والمنظومة الاقليمية ليست تقنية تخص تفاصيل الاتفاق النووي وليس سوء فهم يخص علاقتها بدول المنظومة الاقليمية، بل معضلة نظام ولاية الفقيه عميقة بما فيه الكفاية وتحتاج لاستئصال نظامها كما فُعِل بنابليون وهتلر والاتحاد السوفيتي.
وعمق معضلة ولاية الفقيه في براغماتيتها انها تستفيد من مفهوم ويست فاليا نظريا من خلال سفراءها وعضويتها في الامم المتحدة والمنظمات الدولية، لكنها ترفض الاعتراف بالدول الوطنية والمنظومة الاقليمية وباسس النظام الدولي عمليا وشانها في ذلك شان داعش الا ان داعش لاتستفيد من ويست فاليا.
والشرق الاوسط قد يقف اليوم على ابواب  محطة تاريخية لنموذج ويست فاليا، قد يكرر مشهد اوروبا مع  نموذج الكنيسة الديني المطلق في حرب الثلاثين عاما في القرن السابع عشر (1618-1648)،او مشهد اوروبا حين اجتمعت في اتفاق فينا 1814 ضد نموذج نابليون، او مشهد العالم مع  نموذج هتلر، او مشهد قد يشبه مشهد سقوط جدار برلين.
فإيران تُمثل آخر معاقل العداء في الشرق الأوسط للنظام الدولي، وقد تجاهلت  اميركا نفوذ إيران فتمدد من طهران لبيروت،وأصبح له أذرع وحلفاء محليين ودوليين، حتى وصل إستقرار المنطقة وصراع الطرفين حولها الى طريق مسدود.
ووصول الصراع الإيراني-الأميركي في المنطقة الى طريق مسدود، سببه قناعة راسخة لدى الإيرانيين إن أميركا تُريد تغيير نظامهم السياسي كليا، و قناعة الأميركان إن خمنائي يمكن أن يُزاح فقط حين يتم تصويب البندقية الى راسه.
وهاتين القناعتين المتعارضتين، هي من تدفع أميركا اليوم الى حرب رابعة قادمة في غرب آسيا ( الشرق الاوسط) ضد إيران ، بعد أن خاضت الحرب العالمية الأولى و الثانية و كذلك الباردة من أجل أسيا أيضا.
و حين تجتمع إيران و روسيا و الصين و أميركا في الشرق الأوسط، فالشرق الأوسط أصبح ساحة المنازلة الدولية الكبرى، بين معسكرين كما جرت في كل الحروب الثلاث السابقة.
و معسكري الحرب اليوم في الشرق الأوسط يتمثلون بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، الذي تشكل ضد داعش في ٢٠١٤، و معسكر روسيا و إيران ورؤوس الإرهاب الثلاثة في المنطقة المتمثلة بالنماذج الثورية الدينية و القومية العربية والكوردية و الإيرانية.
وحجة من يقول إن توزان القوى قد يختل إذا سقط نظام إيران، لأنه قد يزيد من إشتعال النموذج الثوري الديني العربي، قد دعت السعودية ربما الى إسقاط النموذج الثوري الديني العربي، قبل إلإسقاط المحتمل انظام إيران (الثوري الديني).
و روسيا و إيران التي تقود المعسكر المضاد للتحالف الدولي، تقف منذ ٢٠١١ حجر عثرة دون إنجاز هدف التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وقد باتت الحدود بين المعسكرين واضحة بين نهاية داعش.
ووضوح صورة صراع المعسكرين في سوريا بعد داعش، سببه إن الحرب على داعش هي حرب تكتيك، و لذلك إجتمع الطرفين ضدها، اما الحرب الإستراتيجية فقد بدأت مع إنتهاء داعش.
فقد فتحت إنتهاء مرحلة داعش الباب على مصراعيه، أمام إندلاع حرب يقودها التحالف الدولي ضد محور الإرهاب الذي تقوده إيران وترعاة روسيا ويبدأ في سوريا.
و إجتماع الدول الكبرى في ساحة منطقة معقدة المشاكل، كساحة الشرق الأوسط التي ترتبط بعضها مع بعض من إرهاب و ثورة و ثروة و نزاع دولي على الهيمنة، قد ينقل المنطقة بأسرها من مدار أميركا الى مدار روسيا و الصين و إيران، إن إستمرت المنطقة حبيسة الإرهاب والثورة و عدم الإستقرار، و لمنع إنتقال المنطقة من محور الى محور فإن الحرب قادمة، لا نعرف متى و كيف، لكنها قادمة لتحقيق أهدافها.
و إضافة الى منع إنتقال المنطقة من محور الى محور، فإن قطع هلال إيران و رؤوسه الثلاثة المتمثلة بالنموذج الثوري الديني و القومي (العربي و الكوردي و لايراني)(إرهاب)، و وصل الصين بأوروبا عبر طريق الحرير (نفط)، و فتح الطريق امام (صفقة القرن)، من اهداف الحرب القادمة ايضا.
و ترى أميركا إن (صفقة القرن) هدف كبير يمكن أن يسهم في إستقرار المنطقة مع إحتفاظ أميركا بتحالفاتها التقليدية مع العرب، وبنفس الوقت قد تدفع العرب لدعم إستقرار المنطقة بأنفسهم كما يقول ولي نصر.
و معضلة الشرق الأوسط عند الولايات المتحدة الأميركية تتركز بالإرهاب و الثروة و (صفقة القرن)، وهي تجتمع كلها في سوريا اليوم، و من هنا إرتبط تاريخ صفقة كوريا الشمالية، بتاريخ إنتهاء مهلة ترمب مع النووي الإيراني، بتاريخ نقل سفارة واشنطن للقدس.
وقد يكون ترمب بصفقة كوريا الشمالية على أبواب مهلة ترمب النووية مع إيران ، قد نجح في قطع العلاقة النووية بين كوريا الشمالية و إيران بوساطة صينية من جهة، وحيّد الصين من جهة أخرى عن صراع أميركا مع إيران و روسيا في الشرق الأوسط؛
و من جهة ثالثة، فقد أبطل ربما الصفقة الروسية الإيرانية التي أبرمها بوتين مع إيران في ٢٠١١، التي أراد بوتين من خلالها إستمرار الإرهاب الإيراني في المنطقة و إستخدام روسيا له ورقة لتهديد أوروبا و أميركا.
فلقد أبرم بوتين مع إيران صفقة غير مسبوقة حين زار طهران في ٢٠١١، فحواها أن تقف روسيا مع إيران ضد أميركا، ليستمر الإرهاب العابر للحدود في المنطقة، ويتعذر حل قضية فلسطين، مقابل أن تبتعد إيران عن تصدير طاقتها الى أوروبا و تستعيض عنها بتصديرها للصين، و بهذه الصفقة ضرب بوتين أكثر من عصفور بحجر واحد.
فقد حاول كسب إيران و الصين، بصفقة واحدة (ثروة)، و حاول إيقاف تمدد الفاصلة التاريخية التي يمر بها الشرق الأوسط الى حديقة روسيا الخلفية في القوقاز و آسيا الوسطى(ثورة)، مع إستمرارها في المنطقة، و فَرَضَ بوتين بنفس الوقت وجوده في الشرق الاوسط على حساب أوروبا و أميركا (مكانة عالمية).
و لأن أهداف المعسكرين المتصارعين لا يمكن أن تلتقي في منطقة وسطى، لابد أن تقوم الحرب ؛و لابد أن تقوم الحرب، لأن إستمرار صراع أميركا مع إيران، بوجود صفقة روسية إيرانية، سينقل المنطقة من مدار الى مدار.و النقطة الوسطى التي يمكن أن يلتقي فيها المعسكران هي أن تقبل إيران بمبادرة السلام السعودية مع إسرائيل و تتخلى عن النووي و الصاروخي و عن دعم حزب الله و حماس و الحوثي و عن دعم الإرهاب في المنطقة.
ولكي تقبل إيران بهذه الشروط لابد من إسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية، و لتسقط الصفقة الروسية-الايرانية، لابد من حرب قادمة قبل إنجاز الصفقة الدولية القادمة.و عدم إسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية، قد يمكِّن روسيا من السيطرة على أوروبا إقتصاديا (الثروة)، و قطع طريق الصين مع أوروبا، لتسحب الصين بعيداً عن أوروبا و أميركا؛
و قد تستفيد الصين من صفقة روسيا و إيران، اذ تسيطر على نفط الشرق الأوسط، بما يدفع دول الشرق الأوسط ربما للتوجه نحو الصين و ليس نحو أوروبا وأميركا، وهذا قد يمنح روسيا مكانة عالمية منافسة للولايات المتحدة الأميركية (مكانة).
و جملة هذه الأهداف الروسية تمثل خسارة سياسية و إقتصادية إستراتيجية صافية لأميركا، وخسارة زعامتها في الشرق الأوسط و الشرق الأقصى و الأدنى و أوروبا أيضا، و هذا ما لاتتحمله و لا تسمح أميركا بحدوثه، ولذلك لابد أن تقوم الحرب في الشرق الأوسط.
فإتفاق إيران مع روسيا، جعل إيران الدجاجة التي تبيض ذهبا لروسيا في المنطقة و العالم، كما جعل إيران سلعة روسية مهمة ترغم أميركا أن تدفع لروسيا ثمن باهظ سياسياً.و الثمن الباهظ قد يتمثل في عدم حديث أميركا عن حقوق الإنسان في روسيا و عدم توسع الناتو شرقا، و عدم دعم الثورات الملونة، التي ربما وصلت أخيراً الى أرمينيا آخر قواعد الروس في جنوب القوقاز.
و لإسقاط هذه الصفقة، توجه أوباما نحو الباسفيكي في نفس العام الذي أبرم فيه بوتين صفقته مع إيران، لإحتواء الصفقة الروسية-الإيرانية، و لوضع خطوة ثانية في طريق الألف ميل الذي إفتتحه كيسنجر مع الصين في ١٩٧٠، ليكملها ترمب بخطوة ثالثة اليوم بصفقة كوريا الشمالية.
إن خطوات نيكسون و أوباما و كذلك ترمب نحو الصين تعني، إن أميركا تُرابط عند باب الصين منذ ١٩٧٠ و حتى ٢٠١٨، لحسم الصراع على آسيا؛ لأن الشرق الأقصى و الشرق الأوسط وجهان لعملة الصراع الواحدة؛ و إن حسم الصراع في الأقصى لصالح أميركا، قد يكون مقدمة لحسمه في الشرق الأوسط.
وربما يكون طريق الحزام و الحرير الصيني الاوراسيوي الرابط بين الشرق الأقصى والشرق الأوسط والشرق الأدنى فأوروبا ، من أهم ثمار المُرابطة الأميركية التأريخية عند الباب الصيني.
ونفط الشرق الأوسط الذي فتحه بوتين بصفقته مع إيران على الصين ، قد لا يعوض الصين بل قد يعزلها دوليا، اذ يهم الصين أن تتغلغل إستراتيجياً في الإقتصاد الإميركي و الأوروبي، لتنفتح أكثر على النظام الدولي، و هذا هدف أميركي لحد ذاته، اذ قد يكبح أي محاولة صينية محتملة لمصادمة النظام الدولي.
و السر هنا إن الصين هي التي تلتحق بالنظام الدولي الذي أسسته أميركا وليس العكس، وهذا مايمنع الصين من الإصطدام به، رغم إمكانية حدوث النظرية يوماً ما.كما إن الجمال الصيني في السياسة الذي جعلها قريبة من أميركا، او انه (الصفقة الصينية الاميركية التي أبرمها كيسنجر مع الصين)، قد تتلخص في إختلاف الصين عن إيران و روسيا، إن الصين لا تملك و لا تُريد أن تكون إمبراطورية عسكرية خارج الحدود.
وقد لايهم الصين أن يكون لطريق الحزام أبعاد جيوسياسية، مثل أن يكون البديل الجيوسياسي عن مشروع أورواسيا السوفيتي الذي سقط بهدم جدار برلين، و مشروع ارواسيا بوتين الذي سقط بخروج أوكرانيا من هيمنه في ٢٠١٤، كما إنه لا يهمها أيضاً أن يكون الهلال الذي يحاصر قلب الأرض (روسيا)، بقدر ما يهمها أن تتغلغل إقتصاديا في أوروبا و أميركا.
و إذا كان الأمر كذلك، فصفقة بوتين خمنائي لدعم هلال إيران الإقليمي، لم تكن لسواد عيون إيران او سوريا، بل كانت محاولة روسية، لفك الحصار الذي تعتزم أميركا حياكة خيوطه ضد رقبته بهلال الحزام الأوروبي الصيني من جهة، و وقف تمدد الفاصلة التاريخية الى حديقتها الخلفية في آسيا الوسطى و القوقاز.
و إذا كان هذا هو الهدف الإستراتيجي الروسي من صفقتها مع إيران ، فإن صفقة ترمب وكيم جون اون، قد تفتح الطريق لإسقاط الصفقة الروسية-الإيرانية.فصفقة ترمب وكيم قد تحقق تقارباً صينياً أميركياً أوروبياً، يُشدد حصار قلب الأرض (روسيا)، و يحاصر روسيا في غرب سوريا، وقد يبعد إيران عن روسيا و يدفعها نحو الصين و أوروبا.
و لتحقيق هذه الأهداف فإن صفقة ترمب كيم قد أجهضت إحتمال الحرب في الشرق الأقصى ، و فتحت بنفس الوقت الباب لحرب قادمة في الشرق الأوسط تُسقط بها  اميركا صفقة الروس و الإيرانيين استراتيجية كانت هذه الصفقثة او تكتيكية.

 

المصادر

1- Iran and the Aryan myth* David Motadel http://www.davidmotadel.com/wp-

content/uploads/2016/08/MotadelAryans.pdf

2- إيران فارسية:تحديات الأسطورة الآرية والتعصب العرقي الفارسي

https://ajammc.com/2015/06/30/

3A “Persian” Iran?: Challenging the Aryan Myth and Persian Ethnocentrism

A “Persian” Iran?: Challenging the Aryan Myth and Persian Ethnocentrism

4https://www.youtube.com/watch?v=GudEhGJqAwM

5-ولي نصر:الامة التي يمكن الاستغناء عنها-ايران بين الحرب والاحتواء

5-العالم العربي بحاجة إلى معاهدة ويستفاليا جديدة-التنمية والطاقة النووية من أجل السالمhttp://arabic.larouchepub.com/wp-content/uploads/2010/05/salam-westphalia.pdf

6- اقتصاد-الهلال-الشيعي https://www.newiraqcenter.com/2018/05/24/

7- هل سيسمح ناياك “NIAC” لواشنطن من تدمير طهرانhttps://www.newiraqcenter.com/2018/05/28/هل-سيسمح-ناياك-niac-لواشنطن-من-تدمير-طهران/

8- الحشد الشعبي تهديد محلي واقليمي https://www.newiraqcenter.com/2018/04/30/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D8%AF-

9-ايران الثورة الخفية-تييري كوفيل-ترجمهة د.أ.خليل احمد خليل-دار الففاربي بيروت لبنان.2008

10-استهداف ايران- سكوت ريتر-الدار العربية للعلوم-2007

 

البحث الثاني

أشكال المواجهة الغربية مع إيران

د.عبدالناصر المهداوي

مستشار مركزالعراق الجديد

توطئة

العلاقة الغربية الإيرانية في العراق

     بداية يتعين تحديد بعض المصطلحات بشكل دقيق كي ينساب المفهوم المراد من النص وفق السياق الصحيح، لذاحين نتناول الغرب بالضرورة نعني بالدرجة الأساس الفاعل الأكبر فيه وهو الولايات المتحدة الأمريكية، وحين نرصد العلاقة الأمريكية الإيرانية فإننا نركز على هذه العلاقة في بعدين؛ الأول تأثيرها في واقع الشرق الأوسط بشكل عام وفي العراق بشكل أخص، والثاني نركز على الاتفاق النووي بين الغرب وإيران ونركز بشكل أساس على تداعيات الخروج من الاتفاق النووي على المنطقة.
في رصد تأريخي ومتسلسل لطبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية يتأكد لنا أنها في اتجاهين، الإتجاه الأول يتمثل بالتعاون والتكامل والتنسيق وحتى التماهي بين المشروعين خاصة في الشرق الأوسط بشكل عام وفي العراق بشكل أخص، وفي الاتجاه الثاني تغيرت البوصلة الأمريكية منذ تسلم الحزب الجمهوري والرئيس ترامب السلطة، فانحدرت العلاقة بشكل متتابع إلى التقاطع والاستهداف الأمريكي المتدرج للإيران وباتت المواجهة كبيرة بين الطرفين ولعلنا في مبحثنا هذا سنفصل في أشكال هذه المواجهة بعد أن نمر على الربيع الذي جمع بين الطرفين سريعا.

سنوات العسل بين الطرفين

يقول الباحث لقاء مكي في دراسة مفصلة(1)؛يمكن تقسيم مراحل التنسيق الأميركي-الإيراني في العراق إلى أربع مراحل الأولىهي التي سبقت الغزو الأميركي عام 2003 وشهدت تنسيقًا مباشرًا بين واشنطن وطهران، وهنا يكشف السفير الأميركي السابق في العراق وممثل واشنطن لدى المعارضة العراقية السابقة، زلماي خليل زادة، عن اتصال جرى بينه وبين ممثل إيران لدى الأمم المتحدة، آنذاك، ووزير خارجيتها الحالي محمد جواد ظريف، لضمان عدم تعرض الطائرات الأميركية لنيران إيرانية أثناء هجماتها على العراق عند الغزو.ويذكر خليل زادة في كتاب نشره في العام 2016 أنه طلب من ظريف أن تقوم إيران بحثِّ الشيعة العراقيين على المشاركة بطريقة بنَّاءة في إقامة حكومة جديدة في العراق. وفي المرحلة الثانية شجعت الولايات المتحدة على الاعتماد أكثر على القوى السياسية الشيعية القريبة من إيران، وتمكينها من أدوات القوة في الجيش والشرطة والدولة بشكل عام للتصدي للمقاومة السنية المتصاعدة. والمرحلة الثالثةكانت بعد تسلُّم الرئيس باراك أوباما لمهامه في الولايات المتحدة، مطلع العام 2009، حيث قامت سياسته على استراتيجية الخروج من العراق، مثَّلت جوهر وعوده الانتخابية. وبطبيعة الحال، فهو كان بحاجة لتنسيق مباشر وقوي مع إيران لضمان انسحاب سلس وسريع، وليس مستبعدًا أن يكون تدخله المباشر والحاسم لتولي نوري المالكي السلطة بعد انتخابات العام 2010 بدلًا من الفائز الأول، إياد علاوي، جزءًا من تنسيق مع الإيرانيين لمنح رجلهم المالكي ولاية ثانية مقابل تسهيل عملية انسحاب القوات.وخلال ولاية أوباما الثانية وتحديدًا منذ العام 2013، بدأت مفاوضات سرية بين إيران والولايات المتحدة في سلطنة عُمان أسست لاحقًا للاتفاق النووي الإيراني، لكن تلك المباحثات شهدت أيضًا تقاربًا أميركيًّا-إيرانيًّا ضمن “صفقة شاملة تعطي لإيران أدوارًا إقليمية معتَرَفًا بها دوليًّا في مناطق شديدة الحساسية لأمن الدول الخليجية. وتبدأ المرحلة الرابعة ببروز تنظيم الدولة، وسيطرته على مساحات شاسعة في العراق وسوريا، وفي هذه المرحلة اضطرت إدارة أوباما بعد أسابيع من سقوط الموصل إلى العودة عسكريًّا للمنطقة لمواجهة التنظيم، وهنا كان لابد أن تنسق عسكريًّا واستخباريًّا مع إيران وامتداداتها في العراق، سواء شمل الأمر المستوى العسكري ممثلًا بالجيش وبالميليشيات، أو بالمستوى السياسي.

 

سنوات المواجهة بين الاولايات المتحدة الأمريكية وإيران

في الواقع الدولي لم يكن تأزم العلاقة بين أمريكا وإيران وليد تناول ترامب للسلطة في الولايات المتحدة الأمريكية وجعل تمزيق الاتفاق النووي واحدة من وعوده الانتخابية، بل أنالرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة في المدة من 2001 إلى 2009 جورج دبليو بوش، كان عهده هو العصر الذهبي لتحجيم دور إيران في المنطقة والفرصة التي لن تعوض بعد تقديم إيران تنازلات ورغبتها في التفاوض حول طبيعة علاقتها بأمريكا، لكن تعالي الجمهوريين والإدارة الأمريكية عن التفاوض مع إيران، واعتبار أن القوى الأمريكية قادرة على الحد من أي قوى صاعدة كان السبب وراء توسيع إيران نفوذها بعد تلك المدة (2).

ترامب وإيران

أعلن ترامب في 13 أكتوبر 2017 استراتيجية جديدة في التعامل مع إيران وتتضمن الاستراتيجية الجديدة، حسب بيان للبيت الأبيض، سبعة عناصر أساسية هي (3):
– تحييد التأثير “المزعزع للاستقرار للحكومة الإيرانية وكذلك تقييد عدوانيتها، ولا سيما دعمها للإرهاب والمسلحين”.
– إعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـ “مصد ضد التخريب الإيراني واستعادة أكبر لاستقرار توازن القوى في المنطقة”.
– حرمان النظام الإيراني، ولاسيما الحرس الثوري، من تمويل “أنشطته الخبيثة” ومعارضة أنشطة الحرس الثوري “الذي يبدد ثروة الشعب الإيراني”.
– مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
– حشد المجتمع الدولي لإدانة “الانتهاكات الجسيمة للحرس الثوري” لحقوق الإنسان و”احتجازه لمواطنين أمريكيين وغيرهم من الأجانب بتهم زائفة”.
– حرمان النظام الإيراني من المسارات المؤدية إلى سلاح نووي.

أشكال المواجهة الأمريكية للإيران

أولا؛ إعادة فرض العقوبات

في 8/5/2018 أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، انسحاب الولايات المتحدة رسميا من الاتفاق النووي مع إيران. ووقع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض مرسوما يقضي بإعادة فرض العقوبات التي رفعت عن إيران بموجب الاتفاق النووي(4)، ونشرت وسائل الاعلام الامريكية في وقت سابق تحليلا ذكرت فيه أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايراني يعني أن ترامب سيطلب من الكونغرس استئناف العقوبات الاقتصادية ضد إيران، ومن شبه المؤكد أن هذه العقوبات ستقضي على التعامل التجاري للشركات مع إيران(5).
والانسحاب من الاتفاق النووي سيؤثر بشكل سلبي على أسواق النفط العالمية، كما وسيؤدي إلى عرقلة العديد من الصفقات التجارية مع عدد من الشركات الأجنبية ومن بينها الأميركية، والبالغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات.ولن تكون “عودة” العقوبات المفروضة على إيران فورية، فهناك فترة مهلة تمتد لأكثر من 6 شهور مما قد يتيح الوقت الكافي للتفاوض على اتفاق جديد، إما باستبدال أو استكمال الاتفاق الذي تم التوقيع عليه خلال فترة رئاسة باراك أوباما في عام 2015.ويحظر قرار ترامب إبرام أي عقود جديدة على الفور، ويحدد مهلة 90 يوما و180 يوما، للشركات التي لديها التزامات تجارية إيرانية قائمة(6).

 

 

الموقف الأوربي من الانسحاب

نطالع في صحيفة الغارديان مقالا تحليليا لباتريك وينتور بعنوان “هل الاتحاد الأوروبي في أزمة بشأن تحدي الولايات المتحدة أم لا؟وقال كاتب المقال إن قادة الاتحاد الأوروبي عازمين على محاولة إنقاد الاتفاق النووي الموقع مع إيران حتى ولو أدى ذلك إلى صدام مع الولايات المتحدة.
ونقل كاتب المقال عن طوني بلينكين، نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق في عهد الرئيس السابق باراك أوباما قوله إن “قدرة أوروبا على إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران تعتمد بشكل كبير على قدرتها على جني الفوائد الاقتصادية حتى من دون الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن هذا الأمر “سيتضح مع مرور الوقت”، مضيفاً أنه سيعتمد على رد فعل الشركات على الوضع الجديد وكيف ستحاول أمريكا معاقبة الشركات التي تتعامل مع “إيران”.وختم بالقول إن “القادة الأوروبيين أمام مفترق طرق، إما المخاطرة بحدوث اضطراب في منطقة الشرق الأوسط أو تحدي أقرب حلفائهم بشأن سياسته الخارجية(7).
ويقول الباحث عبدالرحمن الراشد (8) ؛جاء خطاب وزير خارجية أميركا، مايك بومبيو، أمس ليضع نهاية للمساومات. رسمياً، واشنطن بدأت الحرب على نظام إيران، بسلاح العقوبات الاقتصادية تهديد لوجود النظام كله وليس فقط التضييق عليه.
“توتال” الفرنسية تركت حقول الغاز في الخليج وغادرت. وكذلك أبلغ رئيس ANI الإيطالية إدارة الشركة بأنهم أغلقوا مكاتبهم في طهران، وتوقفوا عن البحث عن النفط والغاز. «إيرباص» وقعت على بيع إيران مائة طائرة ولم يصل إلى مطار طهران سوى ثلاث طائرات فقط من الصفقة التاريخية، الشركة أعلنت إلغاءها. وشركة نرويجية للطاقة الشمسية غادرت الأسبوع الماضي، وقد بقي في عقدها أربع سنوات. وكذلك هربت شركات كبرى أخرى، مثل «سيمنز» الألمانية، و«دانيللي» للصلب الإيطالية، وشركة «ميرسي» للشحن البحري. عشرات الشركات الأوروبية رفضت الإغراءات الإيرانية بالبقاء خشية من إدارة دونالد ترمب، بأن من لم يتوقف عن التعامل مع إيران خلال الـ180 يوماً المقبلة سيحظر عليه التعامل مع السوق الأميركية.
لماذا تخاف شركات أوروبية وعملاقة؟ ببساطة، جميعها لها مصالح أعظم مع الولايات المتحدة، وحتى تلك التي لا تهمها السوق الأميركية فإن حرمان إيران من التعامل بالدولار سيعرضها للإفلاس.
لذا فإن التعويل على الاتحاد الأوربي في انقاذ الاتفاق النووي بدون الولايات المتحدة الأمريكية غير مجدي لما تقدم من أسباب أضف إلى ذلك أن أغلب الشركات الأوربية العملاقة تحكمها رؤوس أموال أمريكية، لاتوجد فرصة حقيقية أمام الاتحاد الأوربي إلا إلجاء إيران إلى اتفاق جديد وفق الشروط الأمريكية.

 

 

شروط وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية

وضع وزير الخارجية الأمريكي(9) “مايك بومبيو” 12 مطلباً من إيران من بينها الانسحاب من سوريا، مهدداً بعقوبات بحقها قد تكون الأقسى في التاريخ، جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقده في معهد “هيريتيج” الأمريكي بالعاصمة واشنطن، ضمن أول خطاب لوزير الخارجية الجديد، عرض فيه خارطة طريق واستراتيجية بلاده تجاه إيران، وذكر “بومبيو” أن إيران دخلت الاتفاق النووي بسوء نية، واستغلته لتحاول السيطرة على الشرق الأوسط، كما أن الاتفاق النووي سمح لإيران بتعزيز مواردها المالية لزعزعة استقرار المنطقة.
وأشار “بومبيو” إلى أن إيران تهدد استقرار كل من سوريا والعراق والسعودية وإسرائيل، عبر دعمها لميليشيات حزب الله والحوثي والميليشيات العراقية.وبلغ عدد الشروط الأمريكية 12 شرطاً وهي:
  • الانسحاب من سوريا وسحب مليشيات الحرس الثوري الإيراني
  • الكشف عن كل التفاصيل المرتبطة ببرنامج طهران النووي والسماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش المستمر.
  • التوقف عن تخصيب اليورانيوم، وغلق المفاعل الذي يعمل بالماء الثقيل
  • منح الوكالة الدولية نفاذاً شاملاً لكل المحطات النووية الإيرانية
  • وضع حد لانتشار الصواريخ البالستية والصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوساً نووية
  • إطلاق سراح الأمريكيين وكل المواطنين الحاملين لجنسيات من دول حليفة لواشنطن المحتجزين في إيران
  • وضع حد لدعم “المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط”
  • وضع حد لدعم حركة طالبان والقاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى.
  • وضع حد لدعم فيلق القدس في الحرس الثوري.
  • وضع حد لتصرفات طهران تجاه إسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط.
  • نزع سلاح المليشيات الشيعية في العراق.
  • وضع حد لدعم ميليشيات جماعة الحوثي في اليمن.
وهدّد “بومبيو” إيران في حال عدم حدوث تغير ملموس في السياسة الإيرانية، بتطبيق العقوبات المالية السابقة وفرض عقوبات جديدة ستكون الأقوى من نوعها في التاريخ، وستعمل بلاده على دعوة حلفائها للانضمام إليها في إدانة تصرفات النظام الإيراني، والعمل مع هؤلاء الحلفاء من أجل وضع حد لتصرفات إيران.
إن عودة العقوبات المفروضة على إيران مرة أخرى سينقسم على دفعتين: الدفعة الأولى من العقوبات ستعود بعد 90 يومًا من توقيع ترامب على قرار الانسحاب من الاتفاق، أي في السادس من أب 2018؛ بينما الدفعة الثانية والأخيرة من العقوبات تعود مرة أخرى على إيران بعد 180 يومًا من توقيع ترامب على قرار الانسحاب، أي بحلول 4 (تشرين الثاني) 2018.(10)

 

 

ثانيا؛ استهداف أذرع إيران في المنطقة

في تقرير لموقع المونتور جاء فيه(11) «إنّ معركة التصنيف الإرهابيّ التي تريد واشنطن خوضها ضدّ بعض فصائل الحشد الشعبيّ، ستفتح جبهة جديدة في الصراع داخل الأراضي العراقيّة، إن لم يكن ذلك أمنيًّا وعسكريًّا، فسيكون سياسيًّا، لكن هذه المرّة بمؤشّرات خطرة، منها ردّ فعل تلك الفصائل والموقف الذي يمكن أن تتّخذه من حكومة العبادي».وتم تصنيف الولايات المتحدة لحركة النجباء على أنها إرهابية على وصف المتحدّثة باسم الخارجيّة الأمريكيّة «هيذر ناويرت»،كما صنفت من قبل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ أبو مهدي المهندس بـ”الإرهابي”. وهناك ما يزيد عن سبعة شخصيات قيادية في الحشد الشعبي العراقي تم تصنيفها على أنها إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
     لم تقتصر الولايات المتحدة الأمريكية من عد العديد من الشخصيات القيادية في الحشد الشعبي في قوائم الإرهاب بل هناك مساعي حثيثة على إدراج العديد من فصائل المكونة للحشد الشعبي والتابعة لولاية الفقيه الإيرانية على أنها منظمات إرهابية، وفي وقت لاحق(12) تبنى الكونغرس الامريكي، مشروع قرار، يعد فيه “عصائب اهل الحق وحركة النجباء وحزب الله”، منظمات ارهابية، فيما احاله الى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، وأظهرت وثائق للكونغرس تناقلتها وسائل إعلام محلية، تابعتها وكالة سكاي برس تظهر تصنيف كل من “عصائب أهل الحق بزعامة، وحركة النجباء، إضافة إلى حزب الله العراقي. يذكر ان الولايات المتحدة ادخلت رجل الاعمال العراقي “اراس حبيب” في القائمة السوداء.
والتضييق على أذرع إيران العسكرية خارج حدودها(13) لم يشمل شخصيات وفصائل عراقية فحسب بل شمل أذرع إيران الأخرى وأهمها “حزب الله” اللبناني، وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في وقت سابق مكافأة مالية تصل إلى اثني عشرَ مِليون دولارٍ لمن يساعد في اعتقال اثنين من أبرز قيادات الحزب؛ الأول طلال حمية، الذي يشاع أنه رئيس ما يعرف بـ(وحدة العمليات الخارجية للحزب)، والثاني فؤاد شُكر، المعروف باسم (الحاج محسن)، وهو عضو فيما يسمى (المجلس الجهادي) للحزب، داعيةً دول العالم إلى “الانضمام إليها في معاقبة ومنع نشاطات الحزب”. وفي مؤتمر صحفي لمسؤول بالوزارة، قالت الخارجية الأمريكية إنها “رصدت نشاطاً متواصلاً لصالح” حزب الله” اللبناني في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتبنى القانون الذي وافق عليه مجلسا النواب والشيوخ في وقت سابق تصنيف الحرس الثوري وفيلق القدس كمنظمات إرهابية، وذلك بوصف فيلق القدس أنه «الذراع الأصلية للحكومة الإيرانية في تنفيذ سياساتها في دعم الإرهاب والجماعات المتمردة»، كما حمل القانون الحرس الثوري «المسؤولية عن تنفيذ برنامج النشاطات المسببة لعدم الاستقرار، ودعم إجراءات الإرهاب الدولي وبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني». ولا شك أن هذا التصنيف يمثل تحديًا رئيسيا أمام الحكومة الإيرانية التي ستجد اثنين من أهم مؤسساتها الرسمية على قائمة الإرهاب، مع ما يشكله ذلك من ارتباك في الداخل وفي علاقاتها مع العالم الخارجي (14).
ولا يقتصر الجهد الأمريكي على أذرع إيران بشكل مباشر فحسب بل يتعداها إلى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وعلى رأس الحلفاء دول مجلس التعاون الخليجي، يرى الدكتور عبد العزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث(15) أن القيادة السعودية وحلفاءها أدركوا حقيقة أساسية مضمونها أنه لا يمكن محاربة سياسة إيران التدخلية والتوسيعية المزعزعة والمهددة للأمن والاستقرار الإقليمي دون التعامل البناء والحاسم مع عملاء طهران من الميليشيات المسلحة التي تم زرعها في أرجاء العالم العربي كأداة لتنفيذ السياسة الإيرانية
وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الميليشيات هي مجرد تنظيمات إرهابية، لا تختلف في جوهرها أو مضمونها أو أسلوب عملها أو أهدافها عن أي مجموعة إرهابية أخرى، فلا يوجد أي فارق بين (حزب الله) أو عصائب أهل الحق وغيرها وتنظيم القاعدة و(داعش).

 

ثالثا؛ المواجهة العسكرية مع إيران

ى تَعامُل الولايات المتحدة مع ملف العلاقات مع إيران من منظور «إدارة الأزمة» جعل مبدأ «عدم التصادم» خيارًا مؤجلًا(16). يؤكد ذلك أن العلاقات قد مرت بمنعطفات خطيرة ووصلت الخلافات في مراحل مختلفة إلى الذروة، لكن لم تقدم الولايات المتحدة على خيار المواجهة العسكرية. ويبدو أن هناك حرصًا أميركيا على توجيه التفاعلات حول الأزمة بعيدًا عن هذا الخيار، الذي يبدو كذلك أنه ظل مطروحًا في الخطاب السياسي كنوع من التهديد والضغط على إيران من أجل تعديل سياستها، وهذا ربما أغرى إيران وأعطاها قدرًا لا بأس به من الحركة، نتيجة المخاوف الأميركية من الارتدادات المحتملة لأي تحركات مسلحة غير محسوبة، فالمصالح الأميركية في الدوائر الإقليمية حول إيران كثيفة ومتشابكة ومعقدة، وقدرة إيران على التأثير على تلك المصالح كبير، ومن ثم فبحسابات التكلفة السياسية يبقى خيار إدارة التفاعلات والضغط للوصول إلى نتائج مُرضية خيارًا كان لا غنى عنه عند التعامل مع إيران كملف ضمن ملفات عدة تؤثر على اتجاهات السياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. لكن كيف عاد هذا الخيار إلى الواجهة وبقوة بعد تولي ترمب؟لا شك أن حالة من الشك هيمنت على الإدارات الأميركية المتعاقبة، بل والرأي العام الداخلي، تجاه سلوك إيران، وهو الأمر الذي انعكس بدوره على خيارات التعامل مع إيران لعقود، لكن جاءت إدارة أوباما لتعيد تقييم علاقة الولايات المتحدة مع إيران، ولتضع حدا للتناقضات الداخلية بشأن السياسة المقترحة تجاه إيران، إذ تحول مسار العلاقة من منطق إدارة الصراع عبر آلية الضغوط والعزلة، إلى إدارة الصراع عبر آلية التفاهم والانخراط المشروط، أو ما يعرف بسياسة «حافة الهاوية». وقد كان الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة دول 5+1 ثمرة هذه السياسة، وعُد بمثابة تخط للحواجز والخبرات التاريخية المؤثرة على سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران(17) .
    يقول الباحث مكرم محمد(18) إنأخطر ما يُمكن أن يترتب على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووى الإيرانى وعودة تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيران، أن يتعرض الشرق الأوسط لحرب جديدة، يبدو أننا نشهد بداياتها الآن فى القصف الجوى الواسع لإسرائيل لأهداف حيوية إيرانية داخل سوريا، شملت البنية الأساسية للوجود العسكرى الإيرانى داخل سوريا، المتمثل فى 14 قاعدة عسكرية لإيران وأكثر من 100 ألف من القوات الإيرانية تضُم قوات الحرس الثورى الإيرانى، وقد جاء القصف الإسرائيلى الواسع رداً على صاروخ إيرانى استهدف قوات إسرائيل فى هضبة الجولان، فشل فى تحقيق أى من أهدافه.
 وطبقاً لاعتراف أفيجدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلى فقد استهدف القصف الإسرائيلى كل تجهيزات البنية الأساسية للقوات الإيرانية فى سوريا، وبالطبع بررت “إسرائيل” قصفها الجوى الواسع لأهداف إيرانية داخل سوريا بالحفاظ على أمنها، ومنع إيران من الاقتراب من حدودها، ووقف سيل الإمدادات الإيرانية إلى “حزب الله”حليف إيران وذراعها العسكرية فى الشرق الأوسط، وإن كان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو قد أضاف سبباً آخر هو أن إيران سربت لسوريا أخطر الأسلحة التى يمكن أن تدمر إسرائيل بما يعنى أن إسرائيل تخوض الحرب دفاعاً عن وجودها، والواضح بالفعل أن إيران تجنبت الرد العسكرى المباشر على “إسرائيل” قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووى رغم سقوط سبعة قتلى على الأرض السورية، ربما لأنها حرصت على ألا تُقدم للرئيس الأمريكى ذريعة لانسحابه المحتمل من الإتفاق النووى الإيرانى، أما وقد انسحبت الولايات المتحدة من الإتفاق النووى بالفعل، فربما نصبح أمام خيار إيرانى آخر بعد أن أكد نيتانياهو أنه لن يتورع عن قصف المنشآت النووية على الأرض الإيرانية.
   وتنفرد صحيفة التايمز بين الصحف البريطانية (19) بنشر مقال تحليلي على مساحة صفحتين داخليتين فيها بشأن الحرب في سوريا والأوضاع المتأزمة في الشرق الأوسط تحت عنوان “خصومات تدفع بالشرق الأوسط إلى حربه المقبلة”،ويرى المقال الذي كتبه محرر الشؤون الدبلواسية روجر بويز، أن الصراع السري بين إيران وإسرائيل بات الآن مفتوحا وعلنيا، ولا أحد يعرف أين سينتهي ما يسميه صراع “الجبابرة” في الشرق الأوسط… ويضيف أن حربا خاصة تكشفت مع ما لا يقل عن 100 ضربة على قوافل أسلحة إيرانية، لم يعلن عنها، وزرع فايروسات في أنظمة كومبيوتر البرنامج النووي الإيراني وعمليات اغتيال لعلماء ذرة، وباتت معروفة بعد رفع الستارة عن الحرب السورية.
ويذهب الكاتب حسين كركوش (20) إلى أن الحرب بدأت ويقول في مقال عنونه متى تنتهي الحرب ضد إيران،
عندما ابعد الرئيس الأميركي ترامب وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون ، المعروف بعقلانيته وتفضيله للحوار وللحلول الدبلوماسية  في حل مشاكل أميركا مع الدول الأخرى بما في ذلك إيران ، واختار مايك بومبيو ، بديلا عنه ، قال العارفون بنوايا ترامب إن هذا التعديل يعني أن ترامب سيمزق الاتفاق النووي الإيراني.
وحالما أزاح ترامب مستشار الأمن القومي ، ماكماستر ، واختار جون بولتن ، حبس العالم أنفاسه ، وقال الجميع إن ترامب لن يقف عند الخروج من الاتفاق ، بل هو الآن دخل طريق الحرب ضد الجمهورية الإسلامية ، ولن يتراجع.الأثنان ، بومبيو وبولتن ، وخصوصا بولتن ، هما جنرالان بثياب مدنية. و بتواجد الأثنين مع وزير الدفاع ، الجنرال المحترف جيمس ماتيس ، تكون إدارة ترامب قد أصبحت إدارة حرب. والحرب هي ضد إيران وليس ضد أي بلد آخر.  ترامب وأركان إدارته ليست مشكلتهم مع الاتفاق النووي ، وهم لا يريدون الخروج منه لأن بنوده سيئة. لو كان هدفهم تغيير بنود الاتفاق لفاوضوا ايران حول ذلك ، وستقبل الجمهورية الإسلامية بالتأكيد ؛ ستقبل أكثر من هذا الشرط ؛ ستقبل بفرح غامر بعد أن رأت سكين ترامب تقترب من رقبتها.
والدليل هو استمرار تمسك إيران بالاتفاق وعدم خروجها منه ، ضاربة بعرض الحائط كل التصريحات النارية السابقة لكبار المسؤولين الإيرانيين التي كانت تؤكد على أن إيران ستخرج حال خروج أميركا، وتستأنف مشروعها النووي.
والدليل الآخر هو ، الجولات المكوكية التي يقوم بها حاليا وزير الخارجية الإيراني على عواصم الدول الأوربية و روسيا والصين ، مرددا ، بإلحاح ، في كل زيارة له : سنبقى في الاتفاق إذا ضُمنت حقوقنا ، وهو يعرف جيدا أن أوربا عاجزة تماما عن منح أي ضمانات ، وروسيا والصين ينتظران بلهفة تشديد العقوبات على إيران وإبعاد الشركات الأوربية حتى تحل شركاتهم محلها، ترامب  مصمم على الإطاحة بالنظام السياسي القائم في إيران ، وقد دخل ترامب طريق اللاعودة. أما الاتفاق النووي فهو ذريعة ليس ألا. ودعوة ترامب لإيران أن تنضم لمفاوضات لصياغة اتفاق جديد بإملاءات أميركية، ليس سوى دعوة لتقديم الرقبة الإيرانية للمقصلة، هذا طلب تعجيزي.

 

 

 

 

المراجع والمصادر

 
6-                 سكاي نيوز عربية/ ماذا بعد قرار ترامب.. ومن المتضرر من استئناف عقوبات إيران؟ 9/5/2018. https://www.skynewsarabia.com/world .
7-                موقع البي بي سي العربي، التايمز: ترامب يتخذ مخاطرة كبيرة بانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران
9/5/،2018 ، http://www.bbc.com/arabic/inthepress-44049374 .
  • عبدالرحمن الراشد، الأوربيون يهربون من إيران، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 14420، 22/5/2018.
https://aawsat.com/home/article/1275871/عبد-الرحمن-الراشد/الأوروبيون-يهربون-من-إيران.
https://rasanah-iiis.org .
  • المصدر نفسه.
  • مكرم محمد أحمد، هل نشهد بدايات حرب جديدة في الشرق الأوسط، موقع الأهرام، 14/5/2018، http://www.ahram.org.eg/News/ .
  • موقع BBC العربي، في التايمز حرب مقبلة بين إيران وإسرائيل ستغير الشرق الأوسط، 21/4/2018، http://www.bbc.com/arabic/inthepress-43846562 .
  • حسين كركوش، متى ستتوقف الحرب الأمريكية ضد إيران؟ وليس متى ستبدأ؟، صدى الخليج، 27/5/2018، https://www.sada-alkhaleej.com/news/2370 .
 

 

البحث الثالث

كم تستغرق المواجهة ضد إيران ؟

شاهو القره داغي

بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” بأن سياسة إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بالارتياح تجاه إيران قد ماتت ” و الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية الإيرانية ، يبدوا أن الأبواب أصبحت مفتوحة لجميع أشكال المواجهة الأمريكية-الإيرانية و التي قد تشمل كافة المجالات و الجوانب وصولاً إلى الحل العسكري و تغيير النظام داخل إيران بالقوة .
في فترة الرئيس الأمريكي السابق” باراك أوباما ” عندما أدرك أن العقوبات و الضغط على النظام الإيراني لا يمكنه تغيير سلوك طهران ، تجنب الحرب و قرر التوجه إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حل و الاتفاقية النووية، ولكن لا يوجد ما يشير إلى أن “ترامب” سيكرر نفس السيناريو ، وخاصة مع وجود “بومبيو” وزير الخارجية و “جون بولتون” مستشار الأمن القومي المناهضين للنظام الإيراني ، و الاستراتيجية الأمريكية في الوقت الحالي هو فرض العقوبات على طهران لدفعها نحو الاستسلام و التخلي عن نفوذها في الشرق الأوسط وعدم منافسة الولايات المتحدة الأمريكية أو تشكيل الخطر على إسرائيل، وفي حال عدم حصول هذا السيناريو وهو الاستسلام الإيراني فإن الطريق يكون ممهداً للحرب وهو الخطة (C) بالنسبة للإدارة الأمريكية. (1)
وفقا لمدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق فإن بانسحاب دونالد ترامب من الصفقة النووية الإيرانية ، انتهت الولايات المتحدة من تقديم الجزر للحكومة الإيرانية و بدلاً من ذلك حان الوقت لإخراج العصا  (2) و تأديب طهران بسبب عدم الالتزام ببنود الاتفاقية النووية و وضع حد لتدخلاتها السلبية في المنطقة ، وحسب تصريحات مانينغ المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية فإن الولايات المتحدة ستقوم باتخاذ الخطوات الضرورية لمواجهة و معالجة تأثير إيران في المنطقة ” و أضاف قائلاً ” إذا كان هذا يعني مضاعفة الخطوات و الإجراءات التي سيتم اتخاذها فإنني لن اتحدث عن العمليات المستقبلية التي يمكن ان تتضمن إجراءات جديدة أيضا” ويبدوا أن عبارة “إجراءات جديدة” يشمل أي عمل قد يقوم به البنتاغون مستقبلا لردع إيران ، و نشوء الحرب يعتمد على طريقة إيران في الرد على هذه الإجراءات الأمريكية ، فالإيرانيون لن ينجحوا هذه المرة في التهرب من هذه العقوبات او تجنب المواجهة ، بل يتوجب عليهم الاختيار بين الاستسلام او مفاوضات قاسية أو المواجهة العسكرية وضرب اذرعها في المنطقة ,
يتوقع الخبير و الباحث الألماني البروفيسور جوزيف برامل أن تشن إدارة الرئيس الأمركي دونالد ترامب حرباً على إيران بمشاركة إسرائيل و دعم محتمل من السعودية، حيث يقول : ليس هناك تفسير لإعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو غير أن حرب إدارة ترامب بمشاركة إسرائيل وربما بدعم السعودية ضد إيران باتت مسألة وقت، والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير قال عندما كان وزيرا للخارجية لقد وقعنا الاتفاق النووي مع إيران لكي نمنع الحرب، والتداعيات المنطقية لانسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق هي وقوع هذه الحرب، ومجرد إبقاء إيران المجال مفتوحا لعودتها لأنشطتها النووية السابقة سيرد عليه الأميركيون بـ”الضربات الوقائية” التي خططوا لها، وهذا هو التوجه القوي لمستشار الأمن القومي الأميركي الجديد جون بولتون الذي أعلن عام 2014 أن إيقاف طموحات إيران النووية يتطلب ضربها. (3).
وعلى الرغم من عدم إعلان حرب شاملة على إيران إلى الآن ، إلا أن هناك من يرى أن الحرب قد بدأت ضد إيران فعلياً عن طريق الهجمات الإسرائيلية المتكررة ضد الأهداف الإيرانية في سوريا ، فالكاتب دان غلاسبروك :” يرى أن الحرب على إيران التي كانت تتخمر لبعض الوقت قد بدأت الآن فعليا، وعلى روسيا أن تفهم أن هذه ليست مجرد مخاوف أمنية إسرائيلية ، بل أن الهجمات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية في سوريا يهدف إلى القضاء على أي فرصة لإيران في بناء رادع في سوريا قبل أن تبدأ الحرب الشاملة ضدها .”
من الممكن تصور بداية هذه الحرب التي قد تكون مدمرة، ولكن ليس من السهولة تصور نهايتها بسبب التعقيدات الموجودة في المنطقة ، فالمواجهة القادمة لا تقتصر على دولتين فحسب ، بل يشمل الصراع كثيراً من دول المنطقة ، فالولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل و الدول العربية التي تعتبر التهديد الإيراني تهديداً وجودياً لها تقف في خندق واحد في هذه المواجهة، بينما إيران سوف تستغلنفوذها في المنطقة لتنفيذ ضربات على مصالح هذه الدول، وجدير بالذكر أن إيران عملت على التوسع والانتشار في المنطقة في سبيل تشكيل خط دفاع ضد أي هجوم مستقبلي عليها ، كما أشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سابقاً بأن سوريا و لبنان جزء من الدفاع الأمامي لإيران ، بالإضافة إلى العراق و التي من الممكن استغلال تواجد الميليشيات المحلية التابعة لإيران فيها ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية و الدول المتحالفة معها، وخاصة أن الارتباط المذهبي و العقائدي يجمع هذه الميليشيات التي انتشرت في المنطقة وجلبت معها الفوضى و الطائفية و الحروب و الفساد ، وبالتالي فمن البديهي أن تكون جزءاً من المواجهة المستقبلية مع إيران في حال إصرارها على الارتباط بنظام الولي الفقيه وعدم فك علاقتها مع طهران .

 

ميادين المواجهة
من الواضح أن هناك ضغوط دولية على إيران للخروج من سوريا، و التصريحات الروسية المتكررة حول ضرورة انسحاب كافة القوات الأجنبية من سوريا يوحي بتوجه روسي للضغط على إيران للإنسحاب من سوريا وسط الإلحاح الإسرائيلي و الزيارات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتناهو إلى روسيا لإقناع بوتين بضرورة التخلي عن تقديم الغطاء و التعاون مع إيران في سوريا والعمل لإبعاد النظام السوري عن طهران، ومن الواضح أن الضربات الإسرائيلية لم تواجه أي تدخل روسي أو معارضة شديدة ، وفي حال تحييد سوريا عن إيران و تصفية الميليشيات الطائفية الموجودة داخل سوريا و إنهاء القواعد العسكرية التي عمل الحرس الثوري على تشييدها في سوريا خلال سنوات ، فإن هذا يعني حرمان إيران من استخدام سوريا للهجوم على إسرائيل و منعها من الاستفادة من سوريا كخط دفاع ضد إسرائيل .
اما في العراق فالانتخابات البرلمانية أدت إلى تقدم كتلة سائرون التابع للقيادي الشيعي مقتدى الصدر الذي يؤكد على وطنية القرار العراقي وعدم الخضوع للنفوذ الإيراني ورفض التدخلات الإيرانية و الوقوف ضد الميليشيات العراقية التي تذهب للقتال في سوريا ، وهذا الأمر إيجابي في حال نجاح كتلة الصدر في تشكيل حكومة قوية تضع حدا للنفوذ الإيراني يكون بالإمكان تحييد العراق عن هذه المواجهة ، ولكن المعضلة أن الكتل القريبة من إيران و التي تضم الميليشيات الطائفية التي مستعدة للذهاب للقتال في سوريا حلت في المركز الثاني و الآن هناك محاولات إيرانية حثيثة مع هذه الجهات لتشكيل حكومة تابعة للنفوذ الإيراني و بالتالي يكون العراق تهديدا حقيقياً على الولايات المتحدة الأمريكية وتواجدها داخل العراق و يصبح العراق ساحة للصراع .
أما لبنان فمن الواضح أن حزب الله سيكون مستعداً للخوض في المعركة بشكل مباشر بسبب ارتباطها المباشر مع المرشد الأعلى علي خامنئي، ولكن يُدرك قادة الحزب أن دخولهم في الحرب ضد إسرائيل فقط لأجل إيران قد يؤدي إلى نتائج مدمرة كما قال وزير المواصلات الإسرائيلي “سنقصف لبنان ونعيدها للعصر الحجري” وأيضا سيكون سببا في تراجع مؤيدي الحزب وخاصة من الطبقة التي تعتبر الحزب لبنانيا يدافع عن لبنان و ليس مستعدا لتأييد تصرفات الحزب إذا كانت لتحقيق الأهداف الإيرانية.

 

حدود مقاومة إيران
يمكن لنحو عشرين صاروخ أو طلعات جوية قاتلة أن تقضي على اقتصاد إيران في غضون ساعات ، ما يقارب 12 محطة لتوليد الكهرباء تنتج ما يقارب 60% من كهرباء إيران، و  ممكن للقنابل المدمرة أن تُخرج كل هذه المرافق عن العمل ، بالإضافة إلى استهداف ميناء خرج والذي تصدر إيران منه 90% من هيدروكربوناتها، وبعد نجاح الاستخبارات الإسرائيلية بالحصول على نصف طن من الوثائق السرية الإيرانية في عملية تضمنت 100 عميل من الموساد، فمن المؤكد أن إيران تُدرك حصول أعداءها على كل نقاط الضعف في إيران، و القدرة على استهداف هذه الأهداف و تعطيلها عن العمل .  (4).
إيران لا تملك سلاح جوي متطور مقارنة مع إسرائيل، وقد تجد صعوبة في إرسال قوات قد تكون فريسة للقوات الجوية الإسرائيلية وهي في الطريق ولذلك الحرب قد تقتصر على الضربات الصاروخية ، و هذا ما يزيد من الاعتماد الإيراني على ميليشيات حزب الله في لبنان ، بينما إسرائيل قد تلجأ لمهاجمة المطارات في لبنان و سوريا و العراق لمنع تحرك القوات و المعدات العسكرية الإيرانية حسب تحليل لسيناريوهات الحرب المحتملة للكاتبة هيلين فريش . (5)
في مارس 2018 طالب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المجتمع الدولي بممارسة المزيد من الضغوط الاقتصادية و السياسية على إيران من أجل تجنب حرب محتملة بين إيران و السعودية في المستقبل القريب ” وأضاف” إذا لم ننجح في ذلك فمن المحتمل أن ندخل في حرب ضد إيران في غضون 10 -15 سنة ” (6) . وبعد فرض العقوبات الأمريكية على إيران و تراجع سعر العملة الإيرانية و زيادة المشاكل الاجتماعية داخل المجتمع الإيراني فإن الوقت قد يكون مناسباً للمواجهة و ضرب إيران بسبب وجود سخط شعبي على الأوضاع السياسية و الاقتصادية التي يمر بها البلاد في ظل تدخل المرشد و الحرس الثوري في كافة مرافق البلاد ، لأن العقوبات العسكرية قد لا تؤدي إلى نتائج مرضية و لا يكون رادعا للتوسع الإيراني الخارجي ، ولكن في حال وجود تهديد جدي على النظام الإيراني قد يتراجع ويقرر التسليم بدل المواجهة ورغم صعوبة حدوث هذا السيناريو إلا أنه وارد بسبب إدراك طهران بأن الهجوم عليهاسيكون مدمراً ومُكلفاًوسط فقدانه التأييد الشعبي للدخول في هكذا حروب.
الخاتمة
في حال قررت طهران المواجهة و عدم الاستسلام فإنها سوف تكون الخاسر الأول في المعركة ، لأن موازين القوة بينها وبين الطرف المقابل غير متكافئة ، و قد يكون بإمكانها تعكير الأمن والاستقرار و إطلاق الصواريخ على دول المنطقة وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ولكن السلاح الجوي الأمريكي و الإسرائيلي أقوى و يمكنها تدمير كافة الأهداف العسكرية في إيران خلال فترة وجيزة ، وبمجرد انهيار النظام الإيراني في الداخل سيضعف الأذرع الخارجية للنظام، وسيحاول المكونات و القوميات الموجودة في إيران استغلال الاحداث و القيام بثورات ضد النظام وتنظيف مناطقهم و استغلال ضعف الدولة في هذه الحالة ، وفي حال تحقيق هذا السيناريو فإن المواجهة لن تطول بغض النظر عن الخسائر التي تلحق بالأطراف كافة.

 

 
 
1 – https://www.thenation.com/article/why-abandoning-the-iran-nuke-deal-is-likely-to-lead-to-war/
2-http://nationalinterest.org/blog/the-buzz/america-about-go-war-against-iran-25965
3-http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2018/5/25/%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B3%D8%A3%D9%84%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%AA
4- https://finance.townhall.com/columnists/davidpgoldman/2018/05/09/an-israeliran-war-is-unlikely–for-the-time-being-n2479004
5 https://www.skynewsarabia.com/world/1045876-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%95%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D9%94%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%AA

 

البحث الثالث

مستقبل المواجهة

 الدكتور مهند يوسف

تشكل الطائفية ولا سيما الشيعية منها سمة بارزة من سمات المشهد في الشرق الأوسط. فالحروب الأهلية الدامية في العراق وسوريا واليمن ادت إلى المنافسة الإقليمية بين إيران والمملكة العربية السعودية.
يرتبط تاثير صعود التيار الشيعي الشعبي بحركة الانفلات والفوضى وإظهار الهوية الشيعية دون الهوية الوطنية نتيجة للتعبئة الطائفية وفق مشاعر المظلومية. ويرتبط هذا الموضوع بمسالة تسليح الاقليات في الشرق الاوسط لموازنة قوة الاغلبية والاكثرية السنية المنتشرة على مساحة هذه المنطقة.
ان استعمال الاقليات من قبل الغرب ياتي في مراحل عدة: تبدأ من مرحلة الإسراف في التمايز الاجتماعي من خلال مجموعة من السلوكيات ينتقل فيها طوائف المجتمع من التعايش إلى التجنب.
فنرى مثلا ان الاقليات الشيعية في اقليم الشرق الاوسط بعد ان كانت متعايشة مع الاغلبية السنية، بدات هذه الطائفة الشيعية تتجنب في البداية من التعامل مع الاغلبية السنية حتى تصل إلى مرحلة جديدة وهي التمييز عن باقي فئات الشعب المختلفة، والذي ادى ذلك الى خلق سلوكيات عدوانية للطائفة الشيعية.
فالتمايز وعدم التعايش ومن ثم التمييز سيخلق اقتصاد مواز لاقتصاد الدولة وبالتالي ستنشط عمليات التهريب والتهرب والتجارة السوداء لمختلف السلع والبضائع المسموحة والممنوعة بموجب القانون.
ان عملية ربط المنظومات الحاكمة بالطائفة والطائفية واثارة قضية الأكثرية المطلقة والاقلية المحرومة، وقضية المظلومية والثأر، مثل قبر فاطمة بالبقيع مثلا وغيرها من المفردات التي كانت تعتبر المحرك السياسي للأوساط الجماهيرية الشيعية منذ زمن العثمانيين واستمرت هذه الرسائل تتدفق بوتيرة عالية في مواسم الحج المختلفة لتحقيق الزخم الجماهيري المطلوب أو من اجل تحويل الجماهير الى الصراعات الداخلية .
فالمناسبات التحشيدية الشيعية كمقتل الحسين والتطبير ومراسيم وفاة الائمة الاثني عشر مثلا وهي أجندة دورية يتم فيها تعميق المسائل الخلافية بالعديد من الأشكال الجماهيرية والممارسات الجماعية، وهي تمثل عنصر استفزاز وتحدي، إضافة إلى ما يرافقها من طقوس، ومن دون نقد أو توجيه أو إصلاح من اجل رفع عنصر الاستفزاز.
ثم ياتي استنساخ نموذج حزب الله في لبنان في البلدان مثل اليمن والعراق وسوريا ليكون هو الحامي للطائفة دون الدولة والحكومة.
ويصعب قياس الطائفية أو فصلها عن العوامل الأخرى التي يمكن أن تتفاعل معها لكنها بالتاكيد ليست دائمة ومستقرة. اذ انها ستنتهي يوما ما وقريبا لان عوامل بقائها ضعيفة او معدومة وعوامل ظهورها ونمائها انتهت اسبابها وبالتالي لابد من تحظير الاحتمالات والصور المستقبلية لمصير الاقلية الشيعية وبرنامجها في ولاية الفقيه .
لقد وضعنا تصورات مستقبلية حول البديل عن ولاية الفقيه في ايران ترتكز على الافتراضات والدوافع التي نعتبرها مهمة بالنسبة لكيفية تطوّر الضربة الامريكية القادمة لايران او نتيجة الحركة الشعبية الايرانية المستمرة من ستة اشهر واستندنا في عملية وضع هذه التصورات إلى هذه الافتراضات والعوامل التي هي في اغلبها عوامل اجتماعية وثقافية ودون البحث في العوامل العسكرية .
حيث ترتكز هذه الفرضيات على معايير تحرص على أن يكون كل افتراض معقولاً ومتميزا ومدعوما بقيود واقعية، فتصنيف هذه الافتراضات تاتي ضمن مسائل الديموغرافية والهوية والسياق السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط .
أن التوزّع العالمي للمسلمين سيستمر في إظهار هيمنة السنّة وانهم يشكلون اغلبية العالم الاسلامي، فهم يتفوقون عددًا على الشيعة بمعدّل 5 مقابل 1. لكن النسبة بين السنة والشيعة على طول الصدع الطائفي الذي يشمل شبه الجزيرة العربية وإيران والشام هو أقرب إلى 1 مقابل 1.
لكن هذا التوازن الطائفي المتساوي تقريبًا بين السنّة والشيعة على طول هذا الصدع الطائفي لن يشهد تعديلًا أو أن “ينقلب” التوازن الطائفي في بلدان محددة يمر فيها هذا الصدع في المستقبل القريب ولن يشهد أي بلد تغيرًا في الطائفة المهيمنة. لكن العوامل التي ستؤثرّ على هذا التوازن هي تدفقات اللاجئين والتشرّيد الداخلي واختلاف معدّل المواليد بين السنة والشيعة أيضًا.
وسيوازن سكان الشرق الأوسط بين هويات متعدّدة تتغيّر أهميتها مع مرور الوقت ووفقًا للظروف، وسيحاول المستفيدون من الفتنة الطائفية حشد المجتمعات المحلية حول الطائفة والتنافس مع الآخرين الذين سيسعون لحشد الجماهير حول هويات واهتمامات أخرى وستشكّل نوعية الحوكمة عاملًا رئيسيًا في قوّة الوطنية كهوية.
وسيحفل الشرق الأوسط بالصراعات الطائفية التي سيسعى المستفيدون من الفتنة إلى استغلالها وسيمرّ الصدع الشيعي السني في دول ضعيفة تفتقر إلى الشرعية الواسعة النطاق والقدرة على التحكم بأراضيها .

 

 

  • الهوية في الشرق الأوسط ستواصل تغيّرها مع مرور الوقت وفقًا للظروف.

اظهرت نتائج الانتخابات العراقية ان عدد السنة العرب في العراق اصبحث بمرتبة الاقلية الثالثة بعد الاكراد. اما في لبنان، فيُعتقد أن الشيعة اصبحوا يشكّلون أغلبية بسيطة بالمقارنة مع السنّة والمسيحيين الموارنة ولكن لم يُجرَ أي إحصاء رسمي للسكان منذ عام 1932.
وفي ظلّ ظروف عادية، نتوقّع أن تترسّخ الأغلبية الشيعية المفترضة على مدى العقد القادم إذ شهدت هذه الطائفة تاريخيًا أعلى في معدّلات المواليد بين طوائف لبنان المختلفة .
ولكن استقبال لبنان لعدد كبير جدًا من اللاجئين السوريين يقضي على أي تأثير للاختلافات في معدّلات المواليد؛ ففي غضون سنوات قليلة بات هؤلاء المهاجرون يشكّلون ربع إجمالي سكان لبنان تقريبًا بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 2016 .
ولا تتوفّر معلومات موثوقة حول توزّع الهويات الطائفية للاجئين ولكن يُعتقد أن أغلبيتهم من السنّة وقد يتوافق ذلك مع التوازن الديموغرافي العام في سوريا والتمثيل غير المتناسب لهذه الطائفة في المعارضة. ومن الممكن أن يؤدّي هذا التدفّق إلى تشكّل أغلبية سنية في لبنان.
وكما ذكرنا فهناك سيطرة واضحة للسنّة في العالم الإسلامي ولكنهم يتمتّعون بالمساواة على طول الصدع الطائفي الذي يخترق قلب الشرق الأوسط. ومع ذلك نعترف أنه في مسائل الهوية غالبًا ما يكون الإدراك بأهمية الهوية أكبر من الواقع.
وهذا يعني أنه في حين اصبح العرب السنّة يشكّلون أقلية في العراق يعتقد الكثيرون من الأفراد الذين ينتمون إلى هذه الهوية حقًا أنهم الأكثرية. وعلى نحو مماثل، في حين يتساوى الشيعة والسنّة في العدد تقريبًا على طول خط الصدع الطائفي، غالبًا ما تحشد الطائفة الشيعية أفرادها تحت راية الاستضعاف والتعرّض للاضطهاد .
بينما نجد ان النزوح الداخلي ولا سيما في سوريا والعراق واليمن يخلّف على الأرجح آثارًا مضادّة على الصعيد الطائفي. فمن ناحية قد يؤدي ترسيخ الطوائف في جيوب معينة وإلى تراجع التوترات الطائفية إذ تصبح الطوائف منفصلة عن بعضها جغرافيًا. ومن جهة أخرى فقد يؤدّي انخفاض التفاعل بين الطوائف إلى زيادة التعصب تجاه “المجموعات الأخرى”. وفي المرحلة الانتقالية عند إعادة توطين العائلات في مكان جديد تصبح بشكل خاص عرضة لأعمال العنف الطائفي .
اذن الهوية في الشرق الأوسط ستواصل تغيّرها مع مرور الوقت وفقًا للظروف. وليس من الممكن التأكيد على أن الطائفية ستزداد أو ستنخفض أو أن الوطنية ستزداد أو ستنخفض في الشرق الأوسط حتى عام 2026. وبالتالي، سيؤثر ذلك على رؤيتنا للمستقبل من خلال هذين المسارين.
ويمكننا التسليم بأن سكان الشرق الأوسط سيستمرون في تحديد انتماءاتهم على أصعدة مختلفة بما في ذلك الدين والإثنية والدولة القومية والطبقة الاجتماعية الاقتصادية والجنس. وحرصًا على ذلك، سيواصل “المستفيدون من الفتنة الطائفية ”– أي أولئك الذين يحشدون الجماهير في المجتمعات المحلية حول الطائفة – بذل الجهود ولكنهم سيجدون منافسة قوية من أولئك الذين سيحاولون حشد الناس حول محددات لهويات أخرى.
وسيحاول مع ذلك آخرون إقامة تحالفات تتجاوز الطائفية والوطنية اللتين تشكلان “أيديولوجيتين” حصريتين ودافعين محتملين للنزاع بطرق مختلفة .
أن قوة الطائفية تقترن بالظروف المرحلية وبخيارات القادة والشعوب وليس شيئًا تحدّده الثقافة سلفًا. على سبيل المثال، ستهيئ الحوكمة الرشيدة والتاريخ الوطني الطويل الشعوب لإعطاء الأولوية للهويات الوطنية في حين ستجعلهم الحوكمة السيئة والحدود المصطنعة أكثر عرضة للهويات المتنافسة ومن ضمنها الطائفية والعشائرية.
هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس مقدّرًا له أن يعاني من الطائفية بل سيقترن مستوى الطائفية في المنطقة بالعوامل التي قد يكون بعضها هيكليًا بطبيعته وبعضها الآخر ستحدده خيارات الجهات الفاعلة على الأرض .وسيبقى الشرق الأوسط حافلًا بالمظالم والصراعات العنيفة التي ستحاول الجهات الفاعلة طائفيًا استغلالها .
الشرق الأوسط سيشهد أيضًا نسبة عالية من الصراعات على مدى السنوات العشر القادمة حتى لو كان المستوى المطلق أقلّ مما كان عليه في عام 2016. والدول التي يمرّ فيها الصدع السني الشيعي ستكون ضعيفة وستفتقر للشرعية من وجهة نظر شريحة كبيرة من سكانها كما ستفتقر للقدرة على السيطرة على كامل أراضيها. ومن الممكن أن تصبح الدول الإقليمية أكثر شرعية وأكثر قوّة في إطارنا الزمني.

 

 

  • دوافع الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط .

هنالك دوافع عدة لاستمرار الصراع السني الشيعي في منطقة الشرق الاوسط في المستقبل القريب واهم تلك الدوافع هو في كيفية تحديد الجماهير ذاتيًا لانتماءاتها ولا سيّما قوة الهوية الطائفية بالمقارنة مع الهويات البديلة. وستشكّل الهويات الوطنية التي يحدّد من خلالها الأفراد انتماءهم في مجتمع معيّن .
اذ سيشعر الشيعة العراقيون بصلة مع مواطنيهم العراقيين، بغضّ النظر عن الطائفة أو العشيرة أو الطبقة الاجتماعية، أقوى من الرابط مع شيعة إيران أو لبنان.
لكن ومن جهة أخرى، ستطغى الهويات الطائفية على أنواع الهويات الذاتية الأخرى. وباستخدام المثل ذاته فيمكن ان يشعر شيعة العراق بتضامن مع أبناء طائفتهم في بلدان أخرى أكبر من تضامنهم مع سنّة العراق.
ومن الممكن أيضًا أن يحدّد العراقيون انتماءاتهم على أصعدة أخرى بناءً على صلاتهم بالأماكن المحلية أو الجماعات العشائرية أو الطبقات الاجتماعية الاقتصادية مثلًا.
الدافع الاخر طابع الخطاب الطائفي في المجتمع. حيث يدعو علماء الدين إلى التسامح وكيف يقدّر المجتمع مفاهيم التنوّع الديني. ويستطيع الزعماء الدينيون التوسّط بين الطوائف أو الأديان المختلفة. لكن من جهة أخرى، يركّز الزعماء الدينيون على ما يفرّق بين المؤمنين وغير المؤمنين.
والدافع الاهم الاخر هو الجهات الفاعلة غير الحكومية كمنظمات المجتمع المدني، والميليشيات التي يمكنها تحريك الصراع الطائفي أو إخماده وفقا لسلوكها، تمامًا مثل علماء الدين. لكن وفي ظلّ الظروف المناسبة يمكن لمنظمات المجتمع المدني بناء الجسور بين الطوائف.
فعلى سبيل المثال، يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تنظّم المظاهرات ضد الانقسامات التي تزرعها الأعمال الطائفية مثل تفجير مسجد شيعي في بلدة ذي أغلبية سنيّة. وبالعكس، قد تلعب الجهات الفاعلة غير الحكومية دور المخرّب وتعطّل المبادرات الحكومية والمجتمعية للحدّ من الطائفية. على سبيل المثال، قد تنفّذ الميليشيات الشيعية – مثل قوات الحشد الشعبي العراقية – عمليات قتل انتقامية ضد الطوائف السنية ما يؤدي إلى استمرار دورات العنف الطائفي .
والأهم من تلك الدوافع هو توجّه السياسة الخارجية للقوى الإقليمية. فقد تشكّل إيران، الدولة الاكبر سكانا على طول الصدع السني الشيعي، دافعًا للصراع الطائفي عندما تسعى ايران لبسط نفوذها من خلال حشد أبناء الطائفة التابعة لها وهم الشيعة في الدول المجاورة. وبعكس ذلك، تستطيع هذه القوة الإقليمية الحفاظ على الاستقرار عندما تحترم ايران مبدأ عدم التدخل في شؤون البلدان المجاورة أو عندما تسعى ايران لتحقيق التعاون.
من جهة اخرى، تكون العلاقة بين الرفاه الاقتصادي والانتماء الطائفي سببا في الصراع الطائفي. فعندما تكون الأقلية الطائفية ،مثل السنة في ايران، محرومة اقتصادياً وثقافيا ستعزّز التفاوتات والتنافس على الموارد الطبيعية الانقسامات الطائفية. وقد تجعل أيضًا البطالة المرتفعة في صفوف الشباب لهذه الفئة أكثر عرضة للتجنيد الطائفي. ومن جهة أخرى، يؤدّي النمو الاقتصادي وتحسين الظروف الاقتصادية إلى تخفيض الضغوطات المجتمعية التي قد تعزّز العنف الطائفي .
ان اتجاهات الصراع والذي يتمثّل في نطاق الصراع الإقليمي وحدّته وخصائصه. فمن جهة، يزيد الصراع الإقليمي والعنف من تشدّد الهويات الطائفية وينتج عنفًا إضافيًا . ومن جهة اخرى تعمل اتجاهات الصراع كظاهرة تعزّز نفسها . مما يشكّل حلّ الصراع في بلد ما سابقة وزخمًا إيجابيًا لحلّ الصراع في مكان آخر .
اما الدافع الدولي للصراع والمتمثل بالولايات المتحدة وروسيا ،اللتان تملكان النفوذ وتتدخّلان في الشؤون الإقليمية. ومن جهة، تعزل الجهات الفاعلة أو تنشط في العمل للحدّ من الصراع الطائفي. ومن جهة أخرى فهي مشاركة وتسعى عمدًا أو تساهم عن غير قصد في الصراع الطائفي.
ومن الأمثلة على هذا الدافع الذي يعمل على الحدّ من خطر الصراع الطائفي حث الولايات المتحدة للحكومة العراقية ذات الأكثرية الشيعية على السعي لتحقيق المصالحة السياسية مع الطائفة السنية. ومن الأمثلة على عمل هذا الدافع في الاتجاه المضاد قرار روسيا المحتمل أن السبيل الوحيد لحماية مصالحها في سوريا يكمن في العمل الوثيق مع الطائفة العلوية لبسط نفوذها .
ان الدوافع تلك تعمل بطرق متعددة. فقد تعمل أحياناً بشكل مستقلّ عن بعضها البعض أو قد يتمتّع أحدها بقوة ليطغى على تأثيرات العوامل الأخرى. على سبيل المثال، قد تكون عدوى العنف قوية جدًا لدرجة أن البلد قد يستسلم للعنف الممتدّ من الدولة المجاورة حتى لو ترافق ذلك مع دوافع تحدّ من خطر الصراع الطائفي.
وفي أحيان أخرى، قد تتفاعل الدوافع مع بعضها بطرق تؤمّن تعزيزًا متبادلاً. على سبيل المثال، قد يعزّز تحسين الحوكمة والأداء الاقتصادي القوي الحس الوطني لدى سكان الدولة ويرسّخ بالتالي الهوية الوطنية بدلاً من الهوية الطائفية.
وفي النهاية، قد تلغي الدوافع بعضها بعضًا أو تتسبب بمشكلة عندما يشير دافع أو أكثر باتجاه صراع أقل طائفية في حين تشير دوافع أخرى باتجاه صراع أكثر طائفية. على سبيل المثال، قد تعطي القوتان الأهم من خارج المنطقة، الولايات المتحدة وروسيا، الأولوية للاستقرار الإقليمي في الوقت الذي تسعى فيه القوتان الأهم في المنطقة، إيران والمملكة العربية السعودية إلى زيادة نفوذهما من خلال أنشطة مزعزعة للاستقرار .
  • الاحتمالات المستقبلية البديلة عن ولاية الفقيه.

 

معسكر شيعي ايراني مترسّخ وسط الفوضى السنية

يتحرّك المعسكران السني والشيعي في اتجاهين معاكسين. من جهة، يحشد معسكر شيعي أصغر حجمًا ولكن
أكثر اتحادًا من الأتباع لمواصلة ما يصوّره قادته على أنه إعادة توازن تاريخي متأخر للقوى الطائفية في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، يحدّ الاقتتال الداخلي وتضارب المصالح داخل المعسكر السني من فعاليته ويمّكن الجهات الفاعلة الشيعية من السيطرة شيئًا فشيئًا على مناطق نفوذه .
وبالرغم من التأخير الكبير في إدراك المنافع الاقتصادية ، يبدأ الإيرانيون باعطاء وعود اقتصادية وضمان مشاريع استثمارية ضخمة متعددة من جانب شركات أوروبية .
حيث بدأت بزيادة إنتاج النفط ونمو قطاع التكنولوجيا وبإنعاش خزينة الحكومة الايرانية ما يمنح بالتالي طهران جيوباً عميقة لدعم حلفائها وشركائها في المنطقة. مثل بنك ملّت للإستثمار هو شركة خاصّة تمّ تأسيسه من قبل بنك ملّت بموجب منظمة العقود والممتلكات، مكتب الشركة العام للتسجيل التابع لبنك ملّت في طهران. وتبلغ قيمة رأسماله اليوم 2500 مليار ريال. ويقوم بتمويل أكثر من ۲ مليار دولار من الصكوك وغيرها من صكوك الديون بما في ذلك الإكتتاب وصناعة السوق للزبائن. ويعدّ التمويل وحدة العمل الأساسية في بنك ملّت للإستثمار، بما في ذلك تمويل الديون والأسهم وخدمات تمويل المشاريع.
وايضا يتمتع حزب الله، الذي يدعمه أداؤه في الحملات الخارجية، وبشعبية واسعة في الداخل وبعمليات كبيرة لغسل الاموال وتجارة المخدرات والسلاح وايضا يحافظ على تمثيل قوي في البرلمان اللبناني.
وايضا دعم حيدر العبادي صاحب الأغلبية القوية وذلك بفضل نجاحاته في استعادة شمال العراق من الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش. كما أسهمت نجاحاته في مكافحة الفساد السياسي والحفاظ على اتفاق تقاسم السلطة مع الأكراد وإعادة بناء المناطق التي مزّقتها الحروب في تعزيز السلطة المركزية في بغداد، وإن كانت الأحزاب الشيعية تسيطر على الحكومة .
وأيضًا هناك عوامل متعددة مستقبلية على العلاقات بين إيران والعراق. فقد تؤدي وفاة السيستاني دون أن يخلفه زعيم روحي يتمتّع بمكانته إلى تقليص المنافسة على المكانة الدينية بين النجف وقم. واذا اختير محمود الهاشمي الشاهرودي مرشدًا أعلى في إيران بعد وفاة علي خامنئي فانه سيستغل جنسيته المزدوجة الإيرانية العراقية لبناء العلاقات افضل مع العراق حيث يتمتّع بشعبية واسعة بين العراقيين الشيعة.
هذه الوحدة النسبية للجهات الفاعلة الشيعية وثرواتها الوافرة مع الفوضى في المعسكر السني. ستؤدي الى ان المملكة العربية السعودية ستنهي عملياتها العسكرية في اليمن وسترغمها التوترات داخل المملكة على إعادة الانتشار للقضاء على التهديد في الداخل. وسيضعف القلق من انزلاق اليمن في محور النفوذ الإيراني تماسك مجلس التعاون الخليجي مع إشارات من الإمارات العربية المتحدة بأن اللوم يقع على عاتق الرياض.
وسيستعيد الرئيس السوري بشار الأسد السيطرة على المدن السورية الكبرى الرئيسية كافة بالرغم من بعض الجيوب المعارضة الصغيرة. وفي حين تحافظ سوريا على علاقات جيدة مع روسيا وإيران تعتبرها فعّالة لهزيمة تنظيم داعش والمتمردين، لم يوطّد الانتصار المشترك في سوريا العلاقات الروسية الإيرانية.
والنتيجة النهائية هي أن الجهات الفاعلة الشيعية تبحث عن الفرص لتوسيع نفوذها في حين تقف الجهات الفاعلة السنية موقف الدفاع. وستعزّز الديناميكية نفسها إذ تدرك الجماهير الشيعية أن مكاسبها ممكنة بفضل وحدتها ويزيد ذلك من التزامها بهذا المبدأ. وفي المقابل، يؤدي تراجع المعسكر السني إلى المزيد من الاتهامات المتبادلة والخلافات على مستوى القيادة وبالتالي تعميق الشقاق.
وبالتالي نعود الى مقولتنا ان الامم حينما تدافع عن نفسها وقت الخطر تخسر …. وان الامم التي تستفيد من الصراعات التي من حولها وتديرها وتسيطر عليها تبقى وتنتصر .

 

بروز النزعة المحلية للفرس

اذا تراجع تاثير جمهورية ايران الإسلامية بسبب اما بسبب الضربات الامريكية او الحصار الدولي الطويل او استمرار الاحتجاجات الايرانية الداخلية فالهوية الفارسية كواحدة من الهويات المهيمنة في الشرق الأوسط ستبرز بشكل كبير. وسيساعد على ذلك معاناة الحكومة الايرانية في مختلف أنحاء المنطقة وتراجعها في الأداء وظهور النزعات الاستبدادية المتزايدة.
وستبرز في أعقاب ذلك ظاهرة نسميها “النزعة المحلية” حيث ستطالب فيها المجتمعات المحلية الايرانية بدور أكبر في شؤونها وبتقديم الخدمات الرئيسية.
إن النزعة المحلية هي الردّ على الإخفاقات للأحزاب الإسلامية بشكل خاص. فحماس مثلا وبعد عجزها لأشهر عن تأمين الكهرباء أو المياه لغزة، فقد فقدت سيطرتها على قطاع غزة لصالح مجموعة تكنوقراطية تعد بتحسين تقديم الخدمات.
ايضا فقد بلغت الخيبة العامة من التحولات التي بدأها الربيع العربي ذروتها. فالأحزاب الإسلامية تخسر أعضاءها ودعمها في مختلف أنحاء المنطقة عندما فشلت هذه المجموعات مرارًا وتكرارًا في تقديم إطار عمل لحوكمة الدولة الفعالة ويلقي عدد متزايد من الناس اللوم عليها لمسؤوليتها عن تمكين المتطرفين الإسلاميين المتشددين . والامر سيان بالنسبة لايران.
ومن أجل ملء الفراغ، ستبرز “النزعة المحلية الفارسية” كدافع مهيمن للهوية الذاتية. إنها بشكل عام ردة فعل على بروز التشدّد الديني وغياب التنوّع المحلّي الذي ستشهده ايران.
وبالتالي ستنهار سلطة طهران لبناء معسكر شيعي متماسك إذ ترى الأقليات الشيعية في الدول الأخرى نفسها متمايزة عن القيادة الإيرانية ومستقلة عنها.
وبالضد قد تشهد المناطق ذات الأغلبية السنيّة بداية عودة متواضعة للصوفية كدليل على تقبّل التغيير المحلي في الأعراف وإعادة التركيز على القضايا المحلية  أكثر أهمية من الطائفية في دفع الأجندات السياسية وحشد السكان.
حتى اليوم تعطي طهران قدرًا أكبر من الاستقلالية للمجالس المحلية والسلطات الإقليمية وتحقق توازناً أفضل لهذه الضغوطات المحلية. وهذا ما يفسر تفوق الإقبال على الانتخابات المحلية اكثر من الإقبال على الانتخابات الوطنية . وهذا ما يعطي تصنيفات الأفضلية ، للهيئات المحلية التي تتمتع بشعبية أكبر من القادة الوطنيين.
لكن احيانا لا تطرح النزعة المحلية نفسها دائمًا بطرق إيجابية. فأحياناً تستعيض عن “الأيديولوجيات” السابقة كالإسلامية بهويات حصرية ستؤدي إلى تجديد التركيز على القومية الفارسية كهيكلية تنظيمية للمجتمع المحلي. وهذه النزعة المحلية ستحدّ بوضوح من تأثير الطائفية لكن ستقلّل من قدرة المستفيدين من الفتن الطائفية على حشد الجماهير بناءً على أسس واسعة مثل الانتماء الديني.

حافة الهاوية وصراع إقليمي

تصعيد الصراع الطائفي يتجّه نحو صراع إقليمي يضع السعودية وإيران في مواجهة عسكرية مباشرة قبل أن يتراجع في نهاية المطاف. يدفع الخوف من العواقب إلى بذل جهود لاحتواء مناطق الاضطرابات الحرجة قبل أن تتصعّد إلى هذا المستوى.
لقد بلغ الاستثمار السعودي والإيراني في الصراع بالوكالة تحت عنوان الطائفية ذروة جديدة. ويظهر هذا التنافس بشكل خاص في سوريا واليمن حيث يواصل الطرفان تأجيج الصراع عن طريق شركائهما المختلفين . وتخلّت الولايات المتحدة إلى حدّ كبير عن جهودها الرامية إلى إيجاد حلّ للصراع واختارت بدلاً من ذلك السماح للجهات المتحاربة بإرهاق بعضها البعض.
وبعدما ضمنت روسيا منفذها البحري على البحر المتوسط عبر طرطوس وصبّت تركيزها على أوروبا وتركت الصراعات في المنطقة للمشاركين فيها .
طهران والرياض اذا ارادا تأجيج حدة الصراع عبر تمويل الأقليات الطائفية في كل من البلدين فستعيد إيران تأسيس حزب الله السعودي في المنطقة الشرقية وستموّل السعودية القوميين البلوش السنّة في جنوب شرق إيران. ولا تحصر هاتان المجموعتان نفسيهما في المناطق الحدودية بل ستشنان بنجاح سلسلة من الهجمات الإرهابية في عاصمتيهما التمثيليتين.
وستردّ السعودية وإيران بوضع عدائي للقوات جوًا وبحرًا في الخليج العربي. وفي ظلّ التوترات المتصاعدة ستُغرق مقاتلة سعودية عن طريق الخطأ سفينة تجارية إيرانية كبيرة وستردّ إيران بإسقاط الطائرة. وبدلاً من أن تؤدّي هذه المواجهة القصيرة للقوتين إلى التصعيد ستدفع الصدمة الجانبين إلى وقف مؤقت للعمليات. وسيمتدّ هذا التوقف المؤقت ليصبح انفراجًا غير مستقر حيث ستسعى السعودية وإيران إلى تهدئة التوترات بدلاً من المخاطرة بصراع مباشر طويل الأمد .
وفي الوقت الذي يبحث فيه كل طرف عن سبل للتخفيف من حدّة التوترّ ستضيّق الرياض وطهران الخناق على الذين يدفعون باتجاه تنفيذ أجندات طائفية خوفاً من التسبب بأحداث لا تستطيع القوتان الإقليميتان التحكّم بها. وسيبدأ البلاط الملكي السعودي بهدوء بإقالة علماء الدين الذين يلهبون الشارع في حين ستُنشر قوات الباسيج الإيرانية لتفريق التظاهرات ضد رموز المملكة العربية السعودية.

الصراع الإثني والنزوح يؤديان إلى الفصل الذاتي

لا يكمن التأثير الصافي على الطائفية في الحدّ من التوترات بل إن العملية المعتمدة للوصول إلى هذه الغاية تضع الطوائف في خطر فعلي وترتكز على الفصل وليس التقبّل .ففي الحملة الدولية على داعش، شنّ التحالف الشيعي الدولي حملة دامية ومنفّرة في طريقه نحو الانتصار وأظهرت نتائجه فعالية عملية التطهير التي استهدف بها الاغلبية السنية .
وظهرت هذه الانقسامات بوضوح في العراق حيث قضت تقريبًا عمليات القتل الإثنية والنزوح الداخلي على المجتمعات المحلية المتعددة الطوائف التي كانت موجودة سابقًا الى جانب الاغلبية السنية. وأصبحت الموصل مثلًا من مدينة سنيّة بأكملها تقريبًا الى مدينة مختلطة ذات قوة شيعية متحكمة فيها. كذلك ردّت جماعات الميليشيات الشيعية بشنّ عمليات انتقامية ضدّ السكان من السنّة ما دفعهم إلى الخروج من شمال ووسط العراق في ما وصفته الأمم المتحدة بالتطهير العرقي .
كذلك التحالف العربي بقيادة السعودية لم يحل دون سيطرة الحوثيين على الحكم في صنعاء في نهاية المطاف، وايضا لم تتصدَّ الحكومة المركزية الجديدة الضعيفة لسيطرة الحوثيين على الشمال وما زالت القوات الحوثية تبسط سيطرتها على مدينة الحُديّدة الساحلية. ويرى الطرفان أنه من المفيد الحفاظ على وهم انتهاء الحرب بالرغم من غياب حلّ سلمي رسمي ولا يبدو أن هذا التقسيم الفعلي لليمن سيتغيّر في المستقبل القريب .
وفي سوريا، أسفرت عملية السلام عن “مناطق سيطرة” معترف بها ومقسمة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام والمعارضة وبعد الإعلان عن المناطق ركزت موجة من النزوح الداخلي السكان الأكراد في منطقة سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي كما تجمعت الأقليات بما في ذلك العلويون والمسيحيون والدروز في منطقة سيطرة النظام أما العرب السنّة فقد تركزوا في منطقة سيطرة المعارضة. وتشكّل المدن المختلطة والمناطق الحدودية حيث تتلاصق مناطق السيطرة مواقع إراقة دماء إثنية طائفية خاصة.
وحتى في الدول الصغيرة جدًا غير القابلة للتقسيم يفصل السنّة والشيعة أنفسهم ضمن أحياء ولا سيّما في المنامة ومدينة الكويت المقسّمتين إلى أحياء سنيّة بالكامل وأحياء شيعية بالكامل بشكلٍ واضحٍ.
اما ايران فاستمرار الثورة ضد حكم الملالي في طهران في اقليم الاحواز وايضا البلوش قفي الشرق والاكراد في الغرب والتركمان في الشمال سيؤدي ذلك الى انفصال فعلي بين الاجزاء الايرانية وستؤثر على العلاقات الطائفية الايرانية بشكل شامل. اذ ان قلة التفاعل بين الطوائف وحدوث الصراعات يوميًا سيرسّخ الفصل بين الطوائف وسينذر بصراع يتفاقم ببطء ويتّجه نحو الانفجار في ايران .
وتوقعاتنا هذه على خلاف تام بما توقعه برنارد لويس حول إيران، فرغم ما بها من اختلافات إثنية ومذهبية، فإن لويس يرى أن ايران ليست من الدول المرشحة للتفتت في المستقبل القريب. والسبب أن إيران دولة قديمة، تتمتع منذ قرون، بل ألفيات، بوجود سيادي وشعور قوي بالهوية الثقافية.
ويقول لويس إن المنطقة الشرق أوسطية، ستشهد حروباً حول قضيتين أساسيتين في المستقبل القريب، هما النفط والماء.
فمع اقتراب انتهاء المخزون النفطي الإيراني، من المتوقع أن تحاول الدولة الفارسية أن تتوسع لتسيطر على مصادر الحقول النفطية القريبة منها، والتي تقع في يد جيرانها من العرب. كما أن فكرة انتهاء مخزون النفط في المنطقة الشرق أوسطية، تنبئ بتغير كبير في أهمية المنطقة على الصعيد العالمي. فستصبح الصراعات في المنطقة عندئذ هامشية في أجندات الدول الكبرى، وسسينظر العالم إلى صراعات الشرق الأوسط واضطراباته بالتجرد واللامبالاة القاسية اللذين ينظر بهما اليوم إلى الحروب الأهلية في الصومال وليبريا.
أما مشكلة المياه العذبة، فيتوقع لويس أن تثير الكثير من الاضطرابات في المنطقة، ولكنه يرى أنه من الممكن أن تحدث تسوية عادلة، وتعاون بين عدد من الدول.

 

 

 

 

المراجع

 

 
Armanio, Febe, Islam: Sunnis and Shiites, Washington, D.C.: Congressional Research Service, February 23, 2004.
Central Intelligence Agency, World Factbook, individual country entities, undated. As of March 2017
Chamie, Joseph, Religion and Fertility: Arab Christian- Muslim Differentials, Melbourne: Cambridge University Press, 1981.
Dobbins, James, Philip Gordon, and Jeffrey Martini, A Peace Plan for Syria III: Agreed Zones of Control, Decentralization, and International Administration,
Santa Monica, Calif.: RAND Corporation, PE-233-RC, 2017. As of April 14, 2017:
Izady, Michael, “Gulf 2000 Project,” New York:  Columbia University, School of International and Public Affairs,  2013. As of April 13, 2017:  ولد Bernard Lewis