مجلس النواب العراقي والمفوضية المستقلة للانتخابات…صلاحيات دستورية؟ أم صراع إرادات؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     بعد انعقاد مجلس النواب العراقي يوم الاثنين 28/5/2018  في جلسة استثنائية وبحضور 168 نائبا صوت المجلس على قرار نيابي مقدم من اللجنة القانونية يتضمن …القيام بالعد والفرز اليدوي لما لايقل عن 10% من صناديق الاقتراع في المراكز الانتخابية، وفي حال ثبوت تباين بنسبة 25% من ماتم فرزه وعده يدويا يتم اعادة العد والفرز اليدوي لجميع المحطات. و طلب القرار تزويد الكيانات السياسية فورا بنسخة الكترونية وصور ضوئية لاوراق الاقتراع ونتائج الانتخابات عبر الاقمار الصناعية والمرسلة الى السيرفر الرئيسي الى المفوضية ( تل سنتر) على مستوى المرشح في كل محطة، واعادة العد والفرز اليدوي للمحطات التي تم استبدال (اس دي رام ) في كركوك، والمحطات التي الغيت نتائجها بالمناطق المتنازع عليها، والتاكد من عملية مطابقة البيانات الالكترونية مع بيانات الصناديق.
    وبحسب خبراء في القانون، فإن هذا القرار لن يكون واجب التنفيذ، لأنه ليس من صلاحيات البرلمان، إلا في حالة إصدار قانون بدل القرار، لذلك الخطوة التي اعقبها البرلمان العراقي كانت على لسان المقرر الذي أمهل الاربعاء 30/5 مفوضية الانتخابات 48 ساعة للتجاوب مع قرار المجلس بشأن الانتخابات مؤكداً العمل على تحويل القرار إلى مقترح قانون والمضي للتصويت عليه في جلسة قادمة في حال عدم التجاوب.
      ويأتي انعقاد الجلسة الاستثنائية للبرلمان بعد أن تواترت أنباء تزوير الانتخابات من قبل الأحزاب والكيانات المشاركة في الانتخابات وبمعدلات مهولة، الأمر الذي حدى بمجلس الوزراء تشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس ديوان الرقابة المالية وعضوية كل من رئيس هيئة النزاهة ورئيس جهاز الامن الوطني ومستشارية الامن الوطني ورئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي ورئيس اللجنة الامنية العليا للانتخابات، تتولى اللجنة دراسة التقارير والمعلومات التي عرضت في الاجتماع الاستثنائي والتي تخص العملية الانتخابية ودعوات التزوير والتلاعب التي شابتها.
     بعد انعقاد البرلمان العراقي بيومين فقط وفي خطوة استباقية اعلن مجلس المفوضين في بيان له في 30/5/2018عن الغائه لعدد من المحطات الانتخابية سواء في انتخابات الداخل اوالخارج حيث بلغ مجموعها 1021محطة، وحسب التفاصيل الآتية؛ محطه في انتخابات نواب 2018
حيث تم تشكيل لجان فنيه وقانونية من موظفي المفوضيه بهذا الصدد عملت لعدة ايام وتم الغاء 102 محطة في عشر محافظات شملت بعض محطات من التصويت العام مع الخاص مع التصويت المشروط للنازحين والحركة السكانية وبشكل مختلف والتي وردت شكاوى حمراء من قبل وكلاء الاحزاب في يوم الاقتراع توزعت على المحافظات وكالاتي (اربيل 7) (الانبار51) (بغداد/الكرخ17) (صلاح الدين11) (نينوى16).
في حين لم تكتفي المفوضية بشكاوى الاحزاب فقط بل ارسلت لجان فنية متخصصة لغرض تدقيق المحطات التي يعتقد انها تم التلاعب بها حيث الغت تلك اللجان الفنية (852) محطة من اصل (2000) تم تدقيقها من قبل تلك اللجان في المكتب الوطني في بغداد وموزعه كالاتي(اربيل73) (الانبار50) (السليمانية96) (بغداد/الرصافة3) (بغداد/الكرخ3) (دهوك224) (ديالى2) (صلاح الدين36) (نينوى179) (كركوك186) وبذلك يكون عدد المحطات التي تم الغائها (954) محطة من قبل اللجان الفنيه في المفوضيه  أما ما يتعلق بالمحطات الملغاة في انتخابات الخارج فقد بلغ مجموعها(67) محطة مزعة على كل من(المانيا10) (الاردن22) (امريكا31) (السويد2) (بريطانيا1) (تركيا1).
   والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق هيئة مهنية حكومية مستقلة ومحايدة تخضع لرقابة مجلس النواب، لها المسؤولية الحصرية في تنظيم وتنفيذ والاشراف على كافة انواع الانتخابات والاستفتاءات كما تعرف نفسها هي، مع اعترافها بأنها تخضع لرقابة مجلس النواب إلا أنها تحذر من عواقب وخيمة لعمل مجلس النواب وتتهمه بمحاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات، فقد قال رئيس الدائرة الانتخابية في المفوضية رياض البدران، إن هناك خطورة لمحاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات التي أعلنتها المفوضية في وقت سابق، مضيفًا في تصريحات متلفزة أن الانقلاب على نتائج الانتخابات قد يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في البلاد، خاصة وأن القانون لا يسمح بإلغاء انتخابات الخارج الذي طالب به البرلمان، أضف إلى ذلك جل الكيانات الفائزة لها ميليشيات مسلحة وغير مستعدة للتنازل عن مكتساباتها التي حققتها حتى لو كانت بهيبة السلاح أو بالتزوير والتلاعب طالما لا نستطيع وفق المعايير الفنية إثبات ذلك وبدليل قطعي يلجم المتخرصين.
    وفي موقف لاحق يوم الخميس 31/5 أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، أنها لن تستجيب لقرار البرلمان بإلغاء جزء من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة وإجراء العد والفرز اليدوي لـ10% من صناديق الاقتراع. فقد أعلن رئيس المفوضية معن الهيتاوي، في مؤتمر صحافي ببغداد أن “قرار البرلمان العراقي …بهذا الخصوص يخالف القوانين النافذة”.ودعت المفوضية “الجميع لاحترام القانون.. كلمة القانون فوق البرلمان”.
    وبهذا الخصوص فقد تراجعت فرص تقديم الأسماء النهائية للفائزين إلى مجلس القضاء الأعلى للمصادقة عليها واعتمادها رسمياً ضمن الكتل والأحزاب الفائزة. فقرارات البرلمان المتتالية ضد مفوضية الانتخابات ونتائجها من جهة، واستمرار عمل اللجنة الوزارية الحكومية للتحقيق بتهم التلاعب بالانتخابات والتزوير من جهة أخرى، فضلاً عن إبداء المفوضية، خلال الساعات الماضية، مرونة في التجاوب مع شكاوى التزوير، عبر الإعلان عن إلغاء أصوات  1021 محطة اقتراع في العراق وخارجه، يجعل جميع المؤشرات تتجه إلى سيناريو حصول أزمة دستورية جديدة في العراق، في حال لم يُحسم الجدل بشأن قانونية قرارات البرلمان من عدمها، وكذلك انتهاء اللجان التحقيقية من تقاريرها النهائية.
  وأعقبت قرارات البرلمان تلك موجة من الجدل في العراق حول قانونيتها ومدى إمكانية تنفيذها، وعدم امتلاك البرلمان صلاحية على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق. وبدا الانقسام واضحاً بين المؤيدين والرافضين لقرارات البرلمان،  فالكتل والأحزاب انقسمت إلى قسمين بشأن قرار البرلمان، فالكتل الفائزة ترفض التلاعب بالنتائج الحالية وإعادة الفرز يدويًا، خشية من ذهاب بعض مقاعدها، أما الكتل الخاسرة فهي من تصر على إعادة الفرز يدويًا لبعض الصناديق لطمأنة الناخبين، وسعيًا منها للحصول على بعض المكتسبات.
     وفي وقت سابق شكل البرلمان العراقي لجنة تقصي الحقائق برئاسة النائب عادل نوري الناطق الرسمي باسم لجنة النزاهة في البرلمان العراقي ومجموعة من البرلمانيين يمثلون اللجنة القانونية ولجنة النزاهة ولجنة الهجرة والمهجرين، وتصادمت اللجنة بشكل كبير مع المفوضية بادئ الأمر إذ تعمدت المفوضية عدم استقبالهم وعدم التعاون معهم، الأمر الذي فاقم الأزمة في بدايتها، قال رئيس اللجنة عادل نوري؛ إن “التحقيقات مستمرة ومسألة رفع دعوى قضائية ضد أعضاء المفوضية بتهمة التزوير واردة جداً”، مبيناً أنهم قد يواجهون السجن من خلال الأدلة الدامغة على التزوير، وكذلك عدم كفاءة الأجهزة التي تم شراؤها وأنيطت بها مهمة التحقيق الإلكتروني وقراءة بيانات الناخب واختياره بالاستمارة الانتخابية.
      مع اعتبار أن سبب هذه المشاكل موروثة من الدورة السابقة للبرلمان فقد تم توقيع العقد لشراء هذه الأجهزة المتهمة بكفائتها من عهد نوري المالكي والمفوضية السابقة التي أثبتت التحقيقات فسادها، وقد حوسبت المفوضية السابقة على يد البرلمان الحالي ومع ذلك لم يختبر البرلمان بالمستوى المطلوب كفاءة هذه الأجهزة من الناحية الفنية، بل أمضى عملها وصادق على قانونها، ليس ذلك فحسب بل تتحمل الكتل السياسية المتنفذة تشكيل المفوضية الجديدة وفق قياس الأحزاب والكتل الحاكمة، أي أن تدوير آليات تكوين المفوضية الجديدة تم بذات السياق الذي تشكلت فيه المفوضية الأولى، الفارق هو من يخدم من؟ ليس إلا وكانت النتائج حسب المراد.
     المسألة الأكثر إيلاما يتمثل بقرار البرلمان الذي إن تحول إلى قانون يكون سبة في السياسة العراقية حين اشترط لإعادة العد والفرز اليدوي في جميع المحطات الانتخابية هو تباين 25% من العد والفرز ل10% من المحطات، وكأنما البرلمان الآخر يسلم بشرعنة التزوير ويقبل ما دون هذه النسبة المعيبة التي تمسخ البرلمان والعملية السياسية بشكل كبير، فلو قسنا هذه الانتخابات بأي انتخابات للدول المتقدمة نراها تستطيع من خلال التصويت الإلكتروني أن تضمن نسبة تطابق 100% ، ويحضرني في انتخابات محلية في إحدى المدن التركية أثبتت الكيانات نسبة اختلاف لا تتجاوز 1 % تم اعادة الفرز وتغيرت النتيجة لصالح مرشح المعارضة باختلاف مجموعة أصوات لا تتجاوز العشرة فقط، والكلام عن ربع الأصوات يمثل التخلف الكبير الذي ابتليت بها الساحة السياسية العراقية التي تشرعن التزوير والتلاعب بطريقة غير مباشرة ومن أعلى سلطة تشريعية رقابية.