الموروث الطائفي جريمة دفع العراقيون ثمنها بأرواحهم

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد

 

    في قصة ذات دلالة سمعتها من أخ لي في تركيا تعبر عن عمق المأساة العراقية ولأجيال عديدة دون أن نستشعرها، يقول الراوي أن ابنته ذات السنوات التسع تدرس في مدرسة في تركيا ولها صديقة عراقية تشاركها الصف الدراسي، وفي يوم سألت الصديقة ابنة أخي السؤال الآتي؛ هل أنت سنية أم شيعية؟ لم تجب طفلة أخي وصديقي لكونها لم تعلم دلالة هذا السؤال، مع أنها في الثالث الابتدائي ويتعين أن تفهم ما تقوله صديقتها جيدا، فاستدركت صديقتها بسؤال أكثر وضوحا من سلفه، فقالت أنتم في البيت كيف تصلون؟ ومثلت لها حالتين؛ الأولى وهي تكتف يديها، والثانية في حالة الإسبال، فأجابتها البنت في براءة تامة أنهم يصلون كما في الحالة الأولى، أي أنهم يضعون اليد اليمنى على اليد اليسرى على صدورهم، وهنا صعقتها صديقتها وهي تقول لها؛ إذا أنتم لستم مسلمين!!
      دلالة هذه الواقعة الصغيرة كبيرة وهو موروث يضرب بجذوره في أعماق التأريخ وتدلل عليه أحداث ووقائع أخرى، منها واحدة تعرض لها كاتب هذه الكلمات، ففي سبعينيات القرن الماضي كنت طالبا في المتوسطة في مدينة الديوانية التي سكنتها عائلتي مع والدي، الذي كان يعمل في المحاكم العراقية كاتبا أولا، ونقل يومها إلى الديوانية فصحبناه مع العائلة مع كوننا من أهل ديالى، وبقينا في الديونية سبع أعوام، وفي يوم في الموسم الدراسي و في درس اللغة الإنكليزية سألني الأستاذ وهو يستغرب اسمي وكنيتي وغيرها؛ هل أنت شيعي؟ يومها أسقط في يدي وتهربت منه بجواب لا علاقة له بسؤالة، فأجبت أنني لست شيوعيا… وبعدها انبرى زملائي يؤكدون كوني منهم وإليهم في نفي تهمة الاستغراب عن المذهب، على الرغم من كوني عشت في الديوانية سبع أعوام إلا أني لم أحرج في يوم من الإيام بمثل هذا السؤال وتربطني صداقات وثيقة مع اعداد كبيرة من الزملاء دامت لعشرات السنين…مع اعتبار كوني كنت أصلي الجمعة في الجامع الوحيد في المدينة الخاص بأهل السنة، يومها كان زملائي المقربين يعرفون مذهبي وخلفيتي وبقيت معهم لسبع أعوام دون أن أشعر بتمايز أو أن أقلق بسبب اختلاف مذهبي عن مذهب أحبتي وزملائي.
   من وقع هذه الحوادث ومثيلاتها، أضف إليها الكثير من الخرافات والخزعبلات التي يتناقلها بعض العراقيين جهلا أو عن قصد كانت تؤصل لفكر دخيل على العراقيين، تسرب مع تسرب تداعيات الحرب العراقية الإيرانية، وتصاعد مع دعوى مظلومية طائفة محددة، وهو تخرص لا يقوى على دليل، فحزب البعث الحاكم في نهاية القرن الماضي لم يكن حزبا مذهبيا أو طائفيا بل كان حزبا علمانيا قياداته كانت من جميع ألوان الطيف العراقي، لا بل لا أكون مجافيا للحقيقية إن قلت أن جل قيادة الحزب في ديالى وبغداد كانت من مذهب من ادعى المظلومية بعدذاك، وحين سقطت حكومة البعث انخرط جلهم في الأحزاب الجديدة الوافدة على البلد، وكذلك جل القيادات العسكرية كانت من قيادات الجيش السابق، وقد يكون هذا الأمر طبيعيا لا غضاضة به، لولا تخرص بعض أصحاب القرار الطائفي ومحاولة التصيد بحجة المظلومية وتسويقها محليا وإقليميا ودوليا.
      لعل الذي يعنينا في هذه العجالة هو كيف تم تسويق الأفكار الطائفية محليا، وكيف تناقلها جيلا كاملا ليهيء من خلالها أرضية جاهزة ما أن لاقت ظروفا مؤاتية حتى اشتعلت حربا ضروسا أتت على التعايش السلمي الذي عرفه العراقيون لعشرات السنين، من الحكم الملكي وصولا إلى الاحتلال في التأريخ العراقي المعاصر. كنت أظن أن الجهل والخرافة هي مبعث بعض الروايات الطائفية التي تسربت إلى المجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي، لكني اليوم بت واثقا أن هذه الخزعبلات والخرافات والروايات الطائفية الساقطة ليست عبثا بل هَيأ لها أجيال من الطائفيين الذين يناصبون الإسلام قبل العروبة العداء، تأكد لي أن سموما بثها الطائفيون في أصول كتب الإمامية في العراق وما كتاب الكافي عنا ببعيد، وهو يحوي على العديد منها لا سبيل لعرضها لكون البعض منها ينافي الذوق السوي فضلا عن الدين الرشيد، مع اعتبار أن جمهورا غير قليل من أهلنا الإمامية في العراق لا يقولون بهذه الروايات بل يكذبونها ولا يعتدون بها، لذا هنا نحن في هذه العجالة لا نتكلم عن مذهب إسلامي محدد بل نتكلم عن تيار طائفي بغيض يسمم ما تناقله أعلام المذهب بمرويات دخيلة لا علاقة لها بالإسلام ولا حتى بالمذهب، روجوا لها عن قصد لا عن جهل ليحصدوا نتاجه التراكمي تيارا طائفيا مقيتا في العراق.
     إن العديد من الأفكار الهدمية التي تنال من المنظومة الفكرية الإسلامية الرصينة، ومن التوجه العروبي الأصيل لا تتناسب مع أخلاقيات الشعب العراقي، فضلا عن منظمومته الفقهية لمختلف المذاهب الإسلامية فيه، لذا حين نتحث عن مفردات… تكفير أهل السنة، ومناصبة أهل البيت العداء، وتكفير الصحابة، والطعن واللعن في السلف الصالح، وتناقل مرويات كسر ضلع الزهرة، وخيانة الأمانة، ونجاسة المخالفين، وكفر من لا يقول بالإمامة…وغيرها كثير تدنى للمصطلحات الشعبية حتى بات الجهال يعتقدون أن من يخالف مذهبهم لهم ذيول …وغيرها من الخرافات التي لا تستقيم مع الفكر السوي والعقل السليم.
    أضف إلى ذلك تداعيات الحرب العراقية الإيرانية على الساحة العراقية وما صاحبها من فشل للمشروع الإيراني وتوابعه في العراق من قلع النظام الحاكم يومها_بصرف النظر عن رأينا فيه_ كي لا يفهم من كلامنا هذا تمجيد لطاغية على حساب آخر، فالفشل الذي مني به المشروع الطائفي إبان الحرب له إرهاصاته، ومن السنن الاجتماعية أن النعرات والعصبيات لا تنتشر إلا بين الشعوب المأزومة المهزومة ثقافيًا، فانتشار الطائفية يعتمد على استفزاز مشاعر التقوقع الساذجة لدى البشر، وتوعز هذه المشاعر لأسباب طبيعية في هؤلاء المستهدفين بالطائفية، لا تتوفر لدى غيرهم من الشعوب، ولذلك فإن المرجون للأفكار الطائفية يعمدون إلى تضخيم الأنا لدى الشعوب المستهدفة منهم من خلال الأكاذيب والأساطير والأوهام على حساب منظومتهم الاجتماعية التعايشية منذ القدم.
   وهذا الوهم الجماعي المعقد المسمى بالطائفية وتداعياته العنيفة، عميق الأثر في العقل الجمعي للأمة الإسلامية عامة وفي الشعب العراقي خاصة، ضرره جسيم عليها، إذ يغذي لدى الشعوب المغلوبة مشاعر فخر كاذبة، وعندما تصطدم هذه المشاعر بالواقع المرير، يمسي أمام المواطن خيارين مريرين، إما أن يدخل في مواجهة مع عقله متحملًا قسوة الاعتراف بأنه خدع وغرر به، وهو ما يحتاج إلى شجاعة كبيرة للاعتراف بهذا أمام النفس للرجوع إلى طريق الحق، وأن يبتعد عن التأثير الطائفي المقيت، وأكثر الناس لا يملكون مثل هذه الشجاعة. أو أن يخدع نفسه بإنكار الواقع والركون لهذه الأكاذيب، ثم يمضي في غيه، ويتحول إلى مروج لهذه الأوهام، لذا فوهم الطائفية ذاتي الدفع والانتشار، وهو الذي مكن من النفس الطائفي في جسد الشعب العراقي الذي لم يكن معنيا به من قبل، وأصبح بعد الاحتلال أسير لإرهاصاته على الواقع العراقي، فترجمه فعلا قبيحا على الأرض، وهو لا يمت إلى العراقيين ببنت صلة من قبل.
       الدعوة الطائفية مقيتة، وتداعياتها على الساحة العراقية كارثية، ومن ثمة فإن الدعوة إليها والترويج لها كارثي لا يمت للإسلام والمسلمين بمختلف مذاهبهم ببنت صلة، ولعل البعض يتوهم بأن مذهبا من المذاهب يروج لها في مغالطة كبيرة، نذكره بخطاب ممثل المرجعية الدينية وخارطة عمل الحكومة التي حددتها المرجعية أعلى سقف فقهي للأشقاء الإمامية في 27/7/2018 الذي أكد فيه أن لا يلتفت الساسة إلى المذهب والحزب في اختيار الكفوء، وأن يضعون الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو ما يوجب على أبناء الكيانات الداعية للإصلاح في العراق بعد انتخابات 2018، أن تكون في مواجهة الطائفية المقيتة، بصورها المتعددة،  فهي أولوية على قائمة الكيانات الفائزة إن كانت تروم الإصلاح، وبعد ذلك تعمد إلى مناقشة أصول الفشل الذريع الذي منيت به الحكومات المتعاقبة التي اتسمت بالطائفية وتحركت وفق منظومتها المقيتة مناقشة علمية منهجية موضوعية، بحيث يتم فضحها أمام هؤلاء الذين يدلس عليهم بها، ومحاصرة دعاتها ببيان إفلاسهم وخبل ما يدعون إليه. فإن لم تكن هذه القضية على قائمة أولويات تيار الإصلاح في العراق، فسوف يكون الثمن باهضا من دمائنا وأموالنا، وقيمنا وأعرافنا، ما لم نضطلع بواجب المواجهة لهذه التيارات الدخيلة.