الأزمة الخليجية والتركية-الأميركية وجهان لعملة واحدة

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
ربما تتشابه أزمة قطر و أزمة تركيا، في السياقات و الدلالات و الإنعكاسات، ممّا يجعلهما وجهان لإزمة إقليمية ودولية واحدة.
فسياق الأزمتين، كانت بعد قمتين، الأولى بعد قمة الرياض التي جمعت ترمب و ملوك وأمراء دول مجلس التعاون الخليجي وزعماء دول منظمة المؤتمر الاسلامي (عدا إيران) في مايو ٢٠١٧، و الثانية جاءت بعد قمة هلسنكي التي جمعت ترمب و بوتين تموز ٢٠١٨.
و كما جاءت أزمة قطر في سياق مواجهة عوامل الإرهاب الإقليمية الدينية السنية و الشيعية المسلحة العابرة للحدود، كانت أزمة تركيا في سياق عقوبات ترمب الدولية ضد إيران.
اي إن الأزمتين جاء سياقهما بعد قمتين حضرهما ترمب الذي يحث  الخطى  خطوة بعد آخرى، لإزاحة ولاية الفقيه دوليا و إقليميا و محليا.
فقد كانت قمة ترمب مع بوتين، تستهدف عزل سوريا عن إيران ، فيما إستهدفت قمة ترمب مع ملوك وأمراء دول مجلس التعاون  وزعماء منظمة المؤتمر الاسلامي، عزل إيران خليجياً و إسلامياً.
و في ظل أجندة ترمب و السعودية لمواجهة إيران، بدت قطر و تركيا و كأنهما تغردان خارج سرب المنظومة الدولية و الإقليمية.
فقطر مُدانة خليجياً و (أميركيا) بالوقوف مع عوامل (الإرهاب) اللادولتية الدينية المسلحة و غير المسلحة السنية و الشيعية، كما إن تركيا (مُدانة) أميركياً أيضاً في التقارب مع إيران.
و إن كان هدف معاقبة قطر خليجياً و تركية أميركياً، هو لإبعاد قطر و تركيا عن إيران، لكن الأزمتين أدت و قد تؤدي لإقتراب البلدين أكثر من إيران.
لكنّنا نجد أن من وقفت معه قطر من عوامل اللادولة الدينية قد خسر معركته، منذ القاعدة في ١١-٩ الى الحوثي ٢٠١٤، و قد تكون إيران آخر الخاسرين الذين وقفت معهم قطر، و هذا  في نهاية المطاف هدف خليجي و أميركي.
كما إن وقوف تركيا مع إيران في أزمة البلدين مع أميركا، قد يجعل تعامل تركيا مع إيران اليوم، يشبه ربما تعامل إيران و تركيا مع العراق في أزمة حصاره في التسعينيات.
 و إن كان هذا في إطار سياقات الأزمتين، ففي دلالات  الأزمتين نجد، إن قطر  و السعودية أعضاء في مجلس التعاون الخليجي، و تركيا و أميركا أعضاء في حلف الناتو، و مع ذلك إنفجرت الأزمتين واحدة بعد الأخرى.
و إنفجار هاتين الأزمتين دليل على وجود أزمة في المنظومة الخليجية و المنظومة الإقليمية و المنظومة الدولية أيضاً.
و هكذا هو عالم السياسة، فهو عالم أزمات بلاحدود، و خيارات بلا قيود، و قرارات بلا يقين، لأنه عالم أطراف متنافسة بقيمها و مصالحها و أهدافها اولاً؛
و هو عالم حرب من أجل المصالح، و عالم حل لتضارب المصالح هذا، بتسويات سياسية وخيارات تعد ركنه الركين ثانياً.
ومن أزمات عالم السياسة غير المستقر، أزمات غير عاقلة، تدفع أطراف الصراع لخيارات عاقلة تُعلقن المشهد السياسي،  و منها أزمات غير متوقعة، تدفع أطراف الصراع للبحث عن صيغ تعاون جديدة.
و قد تابعنا خيارات أطراف الأزمة الخليجية العاقلة، كيف عقلنت المشهد الخليجي، فلم تخرج قطر من مجلس التعاون، و لم يتفكك مجلس التعاون، و لم يكن صراع الطرفين صفرياً.
 و قد يكون حال الأزمة التركية الأميركية، فبخيارات الطرفين العاقلة، لن تخرج تركيا من الناتو، و لن يتفكك الناتو و لن يكون صراع الطرفين صفرياً.
ولن يكون صفريا يعني إن لعبة الصراع لن تؤدي الى خسارة طرف و ربح طرف (‏zero sum game)، بل لعبة ‏ (non zero sum game)، يربح فيها الطرفين (win win).
و هكذا وجدنا إن قطر  و الدول الخليجية المقاطعة لها، قد ربحوا بعد مرور أكثر من ١٥ شهر على بداية الأزمة، و هكذا قد نجد تركيا و أميركا بعد حين.
و أميركا التي تعد حليفة الطرفين، تُدير صراع قطر والدول المقاطعة لها، و هذا قد يمنع تحول صراع الطرفين الى صراع خاسر و رابح، و قد تمنع روسيا و الصين و أوروبا صراع تركيا و أميركا الى صراع خاسر و رابح.
كما إن إنقسام مجلس التعاون الخليجي الى ثلاثة أقسام، قد يمنع هو الآخر تحول صراع قطر و السعودية الى صراع صفري.
فهُناك السعودية و البحرين و الإمارات  في جانب، و عمان و الكويت في جانب، و قطر في الجانب الثالث.
و مثل هذا تجدهأ ايضاً بين تركيا و أميركا، فأعضاء الناتو، ليست كلها مع هذا الطرف دون الآخر، إضافة لموقف روسيا و الصين المساند لتركيا في أزمتها.
و أما في إطار الإنعكاسات، فإن أزمة تركيا كما هي أزمة قطر ، هي أزمات غير متوقعة، و هذا من شأنه أن يؤدي الى منظومات إقليمية و دولية جديدة.
لكن ظهور منظومة إقليمية و دولية جديدة، لا يعني بحال خروج قطر عن مجلس التعاون او تفككه، و لا خروج تركيا من الناتو، و لا تفككه.
و وزير خارجية روسيا الذي زار تركيا بعد إنفجار أزمتها مع تركيا، قد قال في مؤتمره الصحفي مع نظيره التركي: سوف نتخذ خطوات لتعزيز ⁧‫الشراكة الإستراتيجية‬⁩ و إننا فى نقطة تحول فى العالم و نحن فى مرحلة إنتقالية.
و الأحداث الجارية الآن في الشرق الأوسط و في النظام الدولي  التي تشبه رُبما أحداث أوروبا و العالم قبل الحرب العالمية الثانية، قد تقود عاجلا او آجلاً الى منظومة أمن و تعاون إقليمي شرق أوسطي جديدة، و الى منظومة دولية ثلاثية جديدة.
 فقد إندفعت قطر بعد أزمتها، بعيداً عن دول المجلس وقريبا الى إيران و تركيا، و إندفعت تركيا قبل و بعد أزمتها مع أميركا الى روسيا و الصين و إيران.
و إندفاع قطر الى جانب إيران و تركيا من جهة، و وقوف روسيا و الصين و أوروبا بين أميركا و إيران من جهة أخرى، قد يفتح الباب لمنظومة أمن إقليمية جديدة و أخرى دولية، خاصة بعد إنسحاب ترمب من التفاق النووي.
فتماهل إدارة اوباما و إنفتاحها على إيران بتوقيع إتفاق لوزان ٢٠١٥، قد فتح الباب أمام تمدد ولاية الفقيه، كما فتح تماهل تشمبرلن الباب أمام تمدد هتلر  وصولاً لإتفاق ميونيخ ١٩٣٩.
و كما فتحت الحرب العالمية الثانية الباب أمام منظومة أوروبية و منظومة دولية جديدة، فقد تفتح أجواء الشرق الأوسط و المنظومة الدولية اليوم، الباب أمام منظومة إقليمية و دولية جديدة.
و اذا قيل لماذا يتم إستهداف قطر و تركيا دون غيرهما بأزمات غير عاقلة و غير متوقعة، أقول ربما يكون سبب هذا الإستهداف أن سياسة البلدين تتناغم مع النظرية الليبرالية أكثر من النظرية الواقعية للنظام الدولي.
فقطر و تركيا و الإتحاد الأوروبي أقرب لإدارة اوباما الديموقراطية منها لإدارة ترمب الجمهوري، كما إن السعوديين جمهوريون، و الجمهوريون واقعيون.
و حاصل ضرب صراع النظريتين الواقعية و الليبرالية في الشرق الأوسط اليوم، قد يشبه حاصل ضرب صراع النظريتين في أوروبا و النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
فقد كانت نتيجة ذلك الصراع في أوروبا ظهور منظومة الناتو و الإتحاد الأوروبي، مع منظومة دولية ثُنائية القطبية.
و نحن ننتظر ظهور منظومة ناتو شرق أوسطية قد يُعلن عنها قريبا، و إتحاد شرق أوسطي على نمط الإتحاد الأوروبي، و أخرى دولية ثلاثية القطبية و لو بعد حين.
و إن كانت هذه هي سياقات ودلالات  وإنعكاسات الازمتين محليا وإقليميا ودوليا، فهذا قد يعني إنهما وجهان لإزمة منظومة الشرق الأوسط، وأزمة النظام الدولي أيضا.