المعارضة النيابية في العراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   يعد دور المعارضة النيابية في النظم الديمقراطية العريقة فعالا ومهما من أجل تصويب عمل الأحزاب الحاكمة، لا بل من الضرورة بمكان وجود أحزاب حاكمة وأخرى معارضة في النظم البرلمانية وحتى الرئاسية الديمقراطية، وهذا ما تعارف عليه لدى جل النظم الديمقراطية كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربي وغيرها في بقية دول العالم، حتى لا تكاد تجد نظاما ديمقراطيا حقيقيا يخلو منها، أما في العراق الديمقراطي-كما يسمونه- بعد الاحتلال فلا وجود لمفهوم المعارضة البرلمانية، و لا يزال مفهوم المعارضة ينصرف إلى معناه قبل سقوط النظام، ولم يشهد البرلمان العراقي في دوراته الثلاث وجود معارضة برلمانية حقيقية، و أضحى عرفا في العراق بعد الاحتلال أن تتشارك جميع الأحزاب والكيانات الفائزة الحكومة مهما قل أو كثر نصيبها، وهذا ما يسمونه بالديمقراطية التوافقية وفقا للاستحقاق الانتخابي.
      الاستحقاق الانتخابي لا يخول الكيانات الفائزة والمشكلة للكتلة الأكبر تجاوز الآخرين وتشكيل الحكومة بمعزل عنها وإن تهيأ لها ذلك دستوريا،وهذا جرى مجرى العرف في الساحة السياسية بعد الاحتلال، وما ذاك إلا لإشاعة نظام المحاصصة السياسية في توزيع المناصب بعد 2003، فإن جميع الكتل البرلمانية تشارك في الحكومة، ولم تعلن أي كتلة رغبتها أن تكون ضمن المعارضة البرلمانية، ففي العمل السياسي في العراق أثبتت التجربة أن الانضمام للحكومة أفضل من معارضتها، لكون مفهوم المعارضة في العراق لا يزال تحت تأثير الأنظمة الشمولية التي رانت على العراق عقودا من الزمن، وورثها عنهم قليلي الخبرة والدراية الذين حكموا العراق  بعد الاحتلال وليومنا هذا.
        النظام السياسي في العراق برلماني نيابي ديمقراطي، والبرلمان بحسب الدستور أعلى سلطة سياسية في البلاد، فالبرلمان هو الذي يختار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ويعين القضاة وقادة الجيش والشرطة ورؤساء الهيئات المستقلة ويحاسب جميع المسؤولين وفق الدستور، أما واقع الحال وعلى وجه الحقيقة والصواب ينتهي دور البرلمان فعليا عند الانتهاء من توزيع المناصب السيادية، وتشكيل الحكومة والرئاسات الثلاث وغيرها، وما ذاك إلا لغياب أهم دور يقوم به البرلمان وهو التشريع والرقابة، في التشريع يعمل على الإملاءات التي تقوم بها الأحزاب المتنفذة فيشرع لها ما تحتاجه وما يسهم في تكريس رؤيتها وسلطتها، أما الرقابة فتكون فاقدة لحيوتها الحقيقية لكنها أيضا خاضة للقوى المتنفذة، مع اعتبار وجود خلل كبير جدا إذ لم يحوي البرلمان العراقي في دوراته الثلاث أي شكل من أشكال المعارضة الحقيقية، بمعنى لاوجود في ظل حكومة المحاصصة والشراكة الوطنية والديمقراطية التوافقية لأي أحزاب معارضة لم تشارك في الحكومة، هناك نشاطات لكيانات وشخصيات لا ترضى عن الأداء الحكومي وهذه الجهات مصيرها واحد من ثلاث، أما الاغتيال، أو اتهامها بالارهاب بملفات مفبركة وملاحقتها قانونيا وبالتالي تهجيرها حتى من البلاد، أو الخضوع والخنوع ولا يبدي رأيه إلا في الهامش الخجول المتاح له، أو المقبول من قبل الآخر الحاكم المستبد، والأمثلة على ذلك كثر.
        لعل رصد الواقع السياسي الذي دمر الديمقراطية، وعطل الدستور وانتهك كل الأعراف والقوانيين والعادات الحسنة في العراق جرى على يد رئيس الوزراء نوري المالكي الذي حكم البلاد خلال (2006 – 2014) ، فالمالكي بعد أن اطمئن للجانب الأمريكي، افتتح حكمه بعد خروج الأمريكان من العراق باستهداف الأصوات الحرة المشاركة في العملية السياسية، أمثال طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الأسبق، وجم غفير من البرلمانيين أمثال عمر الكربولي وأحمد العلواني والجنابي وغيرهم، وكذلك امتدت يده إلى نائبه السابق ووزير ماليته اللاحق رافع العيساوي، وهؤلاء كلهم مصيرهم التهجير أو الاعتقال، ولم يسلم منه حتى التيار الصدري حين ناكفوه إلا أنه لم يستطع استهدافهم كما استهدف القادة السياسيين من العرب السنة، قد يكون المالكي حلقة من مشروع طائفي وبالتالي ليس أمامه سوى تنفيذ أجندة هذا المشروع، إلا إنه بالنهاية وأد مفهوم المعارضة والصوت الحر في العملية السياسية، واتبع نهج سلفه من قبل الاحتلال خطوة بخطوة.
     لم يكتفي المالكي باستهداف الشخصيات القوية المؤثرة المناكفة له أو لمشروعه بل تجاوزها إلى تكبيل البرلمان، وساعده على ذلك وجود كتلة نيابية قوية من كيانه بمساندة كتل من مشروعه، فقام بتصغير دور البرلمان وسرق صلاحياته وتجاهل قراراته في العديد من القضايا، لعل من أهم هذه القضايا التي تجاهلها هو قيام البرلمان ومن خلال العديد من الكتل النيابية توجيه العشرات من الطلبات إلى المالكي للحضور إلى البرلمان لمناقشته عن الأوضاع الأمنية والإدارية المتأزمة في البلاد طيلة مدة حكمه من غير أن يستجيب لها، يروي موظف في البرلمان أن هناك أكثر من عشر طلبات وجهها البرلمان إلى المالكي للحضور إلى البرلمان، وجميعها مستندة إلى الدستور العراقي والقوانين، ولكن الحكومة تقوم بإرسال رسائل  إلى البرلمان برفضه الحضور، وتبرر ذلك بانشغاله أو باتهام النواب بمحاولة إسقاط الحكومة، مع اعتبار أن الدستور العراقي الذي عطله المالكي يتيح للبرلمان استضافته واستجوابه.
      تؤكد الفقرة السابعة من المادة (61) من الدستور على إمكانية استدعاء رئيس الحكومة حيث جاء فيها “يستطيع عضو البرلمان أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم، ولكلٍ منهم الإجابة عن أسئلة الأعضاء، وللسائل وحده حق التعقيب على الإجابة، ويجوز لخمسةٍ وعشرين عضواً في الأقل من أعضاء البرلمان، طرح موضوع عام للمناقشة، لاستيضاح سياسة وأداء مجلس الوزراء أو إحدى الوزارات، ويقدم إلى رئيس البرلمان ويحدد رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء موعداً للحضور أمام مجلس النواب لمناقشته، وتضمن هذه المادة الدستورية أيضاً إن  لعضو البرلمان وبموافقة خمسةٍ وعشرين عضواً، توجيه استجوابٍ إلى رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم، ولا تجري المناقشة في الاستجواب إلا بعد سبعة أيام في الأقل من تقديمه، وأيضا قام المالكي بحماية الوزراء والمسؤولين وقادة الجيش من المراقبة البرلمانية، لأن حضور أي مسؤول إلى البرلمان يحتاج إلى موافقة من قبل رئيس الوزراء، وكان المالكي لا يوافق على ذلك على الرغم من أن بعض هؤلاء المسؤولين متهمين بفساد إداري ومالي.
    من خلال المورث المستبد لسياسة المالكي وعلى الرغم من كون السيد العبادي خفف بعض الشيء من هذا المورث البغيض، إلا أن القوى السياسية الفائزة جميعها تود المشاركة في تشكيل الحكومة المقبلة بعد مخرجات انتخابات 2018 البرلمانية، ولم نسمع لكتلة أو حتى برلماني واحد يتكلم عن المعارضة النيابية ودورها في العملية الديمقراطية،يقول أحد الساسة؛ إن أياً من الأطراف الحالية لا يقبل بأن يكون بدور المعارضة بالبرلمان ويعد ذلك اقصاءا له من العملية السياسية. ويضيف أنه لدينا نحو 20 كتلة فائزة بمقاعد داخل البرلمان، كلها تسعى للحصول على منصب أو تمثيل داخل الحكومة، ومسألة المحاصصة الطائفية والقومية داخل العملية السياسية تحمي مطالبهم هذه، فإن لم يشترك يعلن انه تم تهميش طائفته أو عرقه أو حزبه أو حتى مدينته التي ينتمي إليها، ولم يتكلم أحد عن المعارضة ودورها ومَن مِنَ الممكن أن يقوم بها؟ وصرح أحد قيادي تحالف النصر بالآتي؛ إن المعارضة البرلمانية الحقيقية لن تكون حاضرة في البرلمان الجديد، لأن الثقافة العراقية لا تقبل بوجود معارضة. هناك عدم انسجام في البرلمان الجديد، وقد يتفكك البرلمان بعد جلسات عدة، لأن البرلمانيين الجدد سيتفاجؤون بالضغوط السياسية التي يتعرضون لها من قبل أحزابهم، وسيدفعهم ذلك إلى الانسحاب وتشكيل كتل جديدة، وسيدخل البرلمان في فوضى تنعكس على البلاد سلبا، وهو ما يتوقعه كثير من المراقبين.
      الوحيد من الساسة والقادة في العراق الذي لوح بإمكانية قبوله خيار المعارضة هو زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي أعلن الخميس 9/8/2018 عن مهلة (15) يوما للرد على مذكرة نشرها قبل أسبوع من تصريحه هذا، وتضمنت 40 شرطا متعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة وشخصية رئيس وزرائها، وقال في بيان صحفي؛ إن السقف الزمني هو المصادقة على النتائج النهائية للعد والفرز، أو الـ15 يوما أيهما أسبق، ملوّحا بالذهاب نحو المعارضة السياسية والشعبية، على الرغم من صعوبتها ووعورة دربها، كما وصفها. وطالب الكتل السياسية بالالتحاق بكتلة المعارضة تحت مسمى “كتلة إنقاذ الوطن”. وأكد أنه لن يسمح بالتعدي على المتظاهرين أو التغاضي عن مطالبهم. والحقيقة تقال أن السيد الصدر وتياره فقط من يستطيعون إحياء المعارضة البرلمانية -إن أوفى بعهوده- وما ذاك إلا لكونه الوحيد الذي يملك تيارا تعبويا ممكن أن يملئ به الساحات والطرقات، وأن يحرج من خلاله الحكومة إن لم يسقطها، ومع اعتبار كونه الفائز الأول في الانتخابات، أضف إلى ذلك خلفية والده الذي يعد رمزا للمكون الذي يحكم اليوم، لذا ليس سهلا أن يتعامل معه كما تعامل المشروع الطائفي مع المعارضين السياسيين من قبل، ومن الصعوبة بمكان على بقية الكيانات والأحزاب تهميشه وإلغائه، وإن نفذ ما يصبو إليه فإنه قد يطيح بالحكومة بعد شهريين من تشكيلها .
     الديمقراطية في العراق ولدت شوهاء وعرجاء ولن تستوي على سوقها ما لم تكن ثقافة عامة نرضعها من الوليد حتى يشيب، ويعد موروث الحكم الشمولي المؤثر المهيمن على الثقافة العراقية السائدة العامل المساهم في غياب الوعي الديمقراطي الجمعي لدى العراقيين، لم نتعرف من قبل على المفاهيم الحقيقة التي تجعل الحرية القيمة المثلى بعد العدل في الحكم، وحين جاء الاحتلال لم نتخلص من براثن الاستبداد بل زاد قيدا إلى قيودنا، فجاءت معه الطائفية البغيضة التي أتت على الجميع في العراق الجريح، وحين غادرنا الاحتلال وأسلمنا إلى المشروع الطائفي أنشب أظفاره في الجسد العراقي وأدماه من شرقه لغربه ومن جنوبه لشماله، قد يكون صحيحا هناك من عانى أكثر من شقيقه في العراق إلا أن الحقيقة الصادمة أن العراق هوى إلى مستنقعات الطائفية والاستبداد والكره والجريمة المنظمة ولم يعد مكانا صالحا للعيش للعراقيين كافة، ما لم يتلقفنا الله برحمة من عنده تنهي لهيب هذا الحقد الدفين، ويأخذ بأيدي العراقيين إلى أمر رشد يصلح الأحوال ويبدل الأشرار بالأخيار، والله المستعان وهو ولي التوفيق في ولادة عراق جديد بفجر وليد.