فوارق جوهرية في عراق ٢٠١٨

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
بعد تحرير العراق من داعش 2017، تسبب إنتهاء داعش و إنسحاب ترمب من النووي، الذي تزامن مع خامس إنتخابات برلمانية منذ 2003، بعدة فوارق جوهرية عن عراق ما قبل 2018.
فوارق جو هرية في  مشهد العراق الأمني و السياسي، كما في المشهد الإقليمي و الدولي، رُبما لم تحصل مُنذ إعلان الحرب على الإرهاب في عام٢٠٠٢.
و اذا كانت السنوات من٢٠٠٢-٢٠١٨ هي سنوات مواجهة دولية و إقليمية للمشروع الجهادي السني،  الذي حملته القاعدة ثم داعش، فإن عام ٢٠١٨ قد يفتتح  سنوات مواجهة دولية و إقليمية للمشروع الجهادي الشيعي الذي حملته ولاية الفقيه.
من هنا دخل العراق عام 2018 مرحلة،  قد  تكون فاصلة بين عراقين، عراق مرتبط بمحور إيران الإقليمي، و عراق مرتبط بالتحالف الدولي ضد داعش، و هذا قد يكون هو الفارق الجوهري الأول.
 و إعلان العبادي إلتزامه بعقوبات ترمب ضد إيران، رُبما يُشكِّل  مفترق طرق، بين عراق كان ساحة إيرانية تُحارب فيها دفاعاً عن نظامها، الى ساحة لمواجهة إيرانية أميركية مُحتملة.
ذلك إن موقف العبادي من عقوبات ترمب ضد إيران كان ملفتاً للنظر و غير مُنسجم مع سلوكه السياسي منذ توليه منصبه آب 2014.
فالعبادي كان مُتناغماً مع سلسلة التداعيات السياسية التي إنطلقت بعد نهاية داعش و لم تزل مستمرة.
فقد عُرف عن العبادي الحذر و عدم التماس المباشر مع قضايا أكثر ضرورة، مثل قضايا الفساد، و عودة النازحين السنة إلى مناطقهم، و مصير آلاف المختطفين منهم على يد الميليشيات.
كما إن العبادي قد غض الطرف عن إدارة إيران المباشرة للمشاورات السياسية بين القوى العراقية الشيعية، بعد الإنتخابات البرلمانية الأخيرة،و هي مثال صارخ على إنتهاك جوهر السيادة.
و السؤال الجوهري هنا هو : هل إن موقف العبادي من عقوبات ترمب ضد إيران، يُعد فارقاً جوهرياً ليس بعد إنتخابات ٢٠١٨ فحسب، بل في مسار الحكم الذي كان يجري ضمن محور إيران؟
و الجواب قد يكون نعم، فقد هبت ضده عاصفة غضب إيراني، تمثلت بمواقف سياسية و إعلامية إيرانية و عراقية، كان منها ما نشرهُ موقع خبر أونلاين المُقرب من رئيس البرلمان الإيراني،علي لاريجاني.
فقد قال موقع خبر أونلاين، أن العبادي قضى على حظوظه للبقاء في منصب رئيس الوزراء، بعد أن تجاهل المصالح المشتركة مع إيران و جميع مساعيه لتشكيل الحكومة على و شك الإنهيار بسبب موقفه من إيران.
و ربما يكون عدم تشكيل حكومة عراقية او لبنانية، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر، قد يًعد من الدلائل المبكرة، لتوازن قوة  إقليمي جديد كان مختلاً لصالح إيران منذ ٢٠٠٣ .
كما إن إنتفاضة شيعة العراق في تموز 2018، التي تناغم معها العبادي بعيداً عن توظيف او سحق إيران لها ، كانت من بواكير  شعور الناس بانكسار إيراني محتمل، وهي إنتفاضة الشيعة قد تشبه نظيرتها التي حدثت ضد نظام صدام اثر انكسار العراق بعد غزو  الكويت.
فمن تحرير الكويت من العراق عام ١٩٩١، الى تحرير العراق من داعش في عام ٢٠١٧، يخطو العراق بشق الأنفس في طريق عراق جديد، بعد إنكسار نظام صدام في الكويت من العراق، الى إنكسار إيراني  بعد غزوها سوريا .
و هذا شأن الفواصل التأريخية في حياة الشعوب و الدول والجماعات و الأفراد،   فهي فواصل زمانها مفتوح، اذ تنقلها من نظام و منظومة و ثقافة، الى نظام و منظومة و ثقافة.
فواصل تأريخية يسود فيها الخوف و الأمل و العنف و السياسة،  و تنكسر فيها موازين القوة لصالح هذا الطرف او ذاك، حتى تستقر بتسويات تأريخية.
و اذا كان إنطلاق الصفحة الثانية من معركة التحالف الدولي، قد تمثل مرحلة إفتتاح الفوارق الجوهرية في العراق و المنطقة، فان الفارق الجوهري الآخر ، قد يكون في دخول العراق  إنتهاء إحتكار البيت الشيعي للسلطة في العراق.
 فمُنذ أول إنتخابات برلمانية 2005 و بغض النظر عن نتائج الإنتخابات، إحتكر البيت الشيعي السلطة في العراق ، و قد إصبح إحتكار البيت الشيعي للسلطة او يكاد جزءاً من الماضي.
فقد تقدمت قوائم سائرون و الفتح على قوائم النصر و القانون التي تمثل حزب الدعوة، الذي إحتكر منصب رئيس الوزراء منذ ٢٠٠٥ و حتى ٢٠١٨.
و أدت هذه النتائج الى زيادة الإنقسام بين أطراف البيت الشيعي الذي دخل الإنتخابات بخمسة قوائم، هي سائرون و النصر و الفتح و القانون و تيار الحكمة.
و هذا  الفارق يحدُث لأول مرة، مُنذ أن دخل الشيعة أول إنتخابات في كانون ثاني ٢٠٠٥ بقائمة واحدة ١٦٩، و كانون أول ٢٠٠٥ بواحدة ايضا هي القائمة ٥٥٥، و دخل إنتخابات ٢٠١٠ بقائمتين هي القانون و الأحرار،  ودخل إنتخابات ٢٠١٤ بثلاث قوائم القانون و المواطن و الأحرار.
و يمكن القول إن إرتباط الوسط الشيعي بعوامل الأرهاب، من فصائل مرتبطة بالحرس الثوري، قد يمثل ملامح فارق جوهري آخر  في عراق ٢٠١٨، و هذا قد  يشبه إرتباط الوسط السُني بعوامل إرهاب القاعدة بعد 2003.
و إرتباط الوسط الشيعي بعوامل الإرهاب، قد يؤدي الى إحتمال دخول الوسط الشيعي في المسار الذي مضى به السُنة بعد عام 2003، الذي أدى بهم الى صراع بينهم و بين الحكومة من جهة، و بينهم و بين التحالف الدولي من جهة أخرى.
و خروج الصراع بين النجف و قم الى السطح، هو فارق مهم، فمواقف الطرفين من إنتفاضة الشارع الشيعي تُشير  لذلك، فقد دعمت مرجعية السيستاني المُحتجين، داعية اياهم الى الغضب المحمود و أخذ حقوقهم بالقوة ، بل و الى تطوير أساليب تظاهراتهم إن لم تستجب لهم الحكومة القادمة.
و في الوقت الذي تناغم فيه الصدر و العبادي و السيستاني مع إنتفاضة الشارع الشيعي كل بطريقته، فإن تحالف الفتح و المالكي، كانوا أقرب للتذمر منهم للتناغم مع حراك الشارع الشيعي.
و وقوف حشد النجف الى جانب العبادي بخلاف حشد خامنئي، الذي قرر الإنسحاب من المحافظات السُنية، دون التنسيق مع القيادة العامة للقوات المُسلحة و قيادة العمليات المشتركة.
و هو الذي أدى الى رفض العبادي قرار أبو مهدي المُهندس، الذي جاء في خضم الصراع على تشكيل الكتلة الأكبر من جهة، و إعادة لُحمة البيت الشيعي من جهة ثانية، و الصراع بين عهدين، عهد إيران و إحتكار البيت الشيعي للسلطة، و عهد التحرر منه.
و تفكك البيت و الحشد الشيعي و عدم قُدرة أطرافه على إعادة لُحمته، قد يدفع بالعراق لدخول سيناريو فوضى جديد، بتكرار سيناريو سامراء او الموصل او اليمن، و قد بدت مؤشرات ذلك واضحة في إنسحاب الحشد و خطاب البغدادي .
فقد سنت إيران سنة سيئة، و هي أن “المارد يخرج من القُمقُم و يحطم الزُجاجة”، كلما تعرضت، كما يقول إبراهيم الجعفري، تجرُبتها او نظامها او محورها، لتهديد، و هذا ما حصل في تفجيرات سامراء ٢٠٠٦، و في سقوط الموصل و صنعاء في ٢٠١٤.
فقد دعا قيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، الى إستبدال النظام البرلماني في العراق بآخر رئاسي، مُحذرا من عودة داعش لمُدن العرب السُنة بعد إنسحاب الحشد، و من تحول العراق الى أفغانستان ثانية.
و أفغانستان ثانية التي يقصِدُها الخزعلي، قد تعني تكرار سيناريو سامراء ٢٠٠٦ او الموصل ٢٠١٤ او اليمن ٢٠١٤، في ظل التحديات التي توجه إيران و المليشيات الموالية لها في العراق.
و خطاب البغدادي و إنسحاب الحشد من مُدن السُنة، قد تُشكل وجهان لعملة تكرار سيناريوهات فوضى تعقب أي فراغ سياسي و أمني في العراق و المنطقة، الا اذا قمعها التحالف الدولي، مُستعينا بحلفاء محليين موثوقيين.
و قد تُعدّ ورقة المبادئ الكوردية السُنية التي أعلنوها فارقاً جوهرياً آخر في ظل الإنقسام الشيعي ، و هما وجهان لعملة إصلاح مُحتمل لمسار العملية السياسية  التي إنطلقت بتحالف كوردي شيعي و صراع سُني سُني، و إنتهت الى تقارُب سُني كوردي و صراع شيعي شيعي.
و هما وجهان عراقيان جديدان يُمهدان اليوم لخارطة سياسية عراقية جديدة، وعهد جديد بخروج العراق من عهد البيت الشيعي  الى عهد إنتقالي بين عهدين، حتى يخطو العراق خطوته الثانية في طريق العراق الجديد، بمنع ظهور داعش و خروج مليشيات إيران من سوريا.