جدلية الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي الجديد

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
       يعد مفهوم الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي قديما وحديثا واحدة من الإشكاليات التي رافقت العملية الديمقراطية المزعومة في عراق ما بعد الاحتلال، ولعل أول حدث خرقت به المحكمة الاتحادية الدستور والقانون كان في انتخابات 2010 حين فازت القائمة العراقية بأكبر عدد من المقاعد النيابية(91) في دورة البرلمان الثانية، الأمر الذي يؤهلها عمليا ووفق الدستور أن تشكل الحكومة شأنها شأن جميع الأحزاب والكيانات في جميع دول العالم الديمقراطي،  وحتى وفق الانتخابات البرلمانية في دورة البرلمان الأولى في عام 2005، فمن يفوز بأكبر عدد من المقاعد يحضى بصلاحية تشكيل الحكومة ويكلفه رئيس الجمهورية بذلك وفقا للصلاحيات الدستورية.
     في عراق ما بعد الاحتلال وعلى الرغم من  أن الدستور ذكر  أن الكتلة الأكبر عددا هي من تكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، والأمر جلي وواضح ولا يحتاج إلى تفسير، غير أن أصحاب النفوذ والقوة والمهيمنيين على المشهد السياسي وجهوا المحكمة الاتحادية يومها إلى تفسير غير واقعي وغير مقبول ولا مسبوق حتى خلافا للانتخابات التي قبلها،  فقد أصدرت المحكمة الاتحادية في انتخابات 2010 قرارا لفض الخلاف بشأن تعريف الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة، وذكرت في حينها أنها الكتلة التي تشكل داخل البرلمان وليس بالضرورة الفائزة في الانتخابات. واتخذت المحكمة قرارها هذا بعد حصول خلاف بين الكتلة الفائزة في انتخابات 2010 وهي ائتلاف العراقية بزعامة إياد علاوي بعد أن حصلت على 91 مقعدا، فيما حصلت قائمة دولة القانون بقيادة نوري المالكي على 89 مقعدا. وفي ذلك الوقت تمكن ائتلاف دولة القانون من تشكيل الحكومة بعد تحالفه مع قوى شيعية مختلفة وشكل التحالف الوطني الذي جمع نحو 140 نائبا في سابقة خطيرة مخالفة للدستور الصريح الواضح.
     وإذا عدنا إلى انتخابات 2005  نجد أن الائتلاف الوطني الموحد حصل -وهو القوة الشيعية الأكبر- على أغلبية الأصوات 5,021,137 ناخبًا، وفاز بـ 128 مقعدًا(باستثناء تحالف رساليون حصل على  145,028  ناخبًا.)، بينما حصلت جبهة التوافق العراقيةوالقائمة العراقية وجبهة الحوار على 85 مقعدا، بلغت الكتلة الانتخابية للكيانات الثلاثة 3,414,749 ناخبًا شكلوا 27,9% من الكتلة الانتخابية البالغة 12,239,631. أما التحالف الكوردستاني فقد بلغت نسبتهم 22% من الكتلة الانتخابية، وحصدوا 58 مقعدًا بنسبة 21% من إجمالي المقاعد، . وحصل التحالف الوطني الكردستاني على 2,642,172 صوتًا انتخابيًّا، وشكل الائتلاف الوطني الموحد الحكومة بدون أي تفسير أو اعتراض من بقية الكتل الفائزة التي لو توحدت لتجاوزت الائتلاف من حيث المقاعد.
     مع اعتبار أن الكلام لو ينحى منحى مذهبي أو طائفي لكان الواقع العراقي غير ما هو عليه اليوم، في انتخابات 2010 لو تفحصنا المشهد الانتخابي بعيدا عن التقسيمات التي وضعها الاحتلال وقسمنا المجتمع العراقي من زاوية النظر المذهبية فحسب، باعتبار أن الائتلاف الوطني جمع أصحاب المذهب الشيعي كياناته وأحزابه المتكون منها، نجد وكما يقول محللون سياسيون السبب وراء حصول 4.5 مليون صوت انتخابي من الشيعة(عرب وكورد وتركمان) على 159 مقعدًا، بينما حصل 5.5 مليون صوت انتخابي من السنة(عرب وكورد وتركمان) على 158 مقعدًا، إلى تفرق الأصوات السنية نتيجة تعدد القوائم، مع اعتبار مقاطعة نسبة كبيرة من السنة العرب الانتخابات، وتضخيم حصة الانتخابات في المحافظات الشيعية على حساب المحافظات السنية الأمر الذي يشي ابتداءا بمقدار الحيف والظلم الذي تعرض له السنة العرب في العراق بعد الاحتلال.
وتفاصيل المشاركات والنتائج الكلية في انتخابات 2010 كالآتي؛
الكتلة الانتخابية التي صوتت للأحزاب الشيعية كانوا 4,596,454 ناخبًا بما يشكل 43,8% من أصل 10,028,093 ناخبًا، وحصدت 159 مقعدًا من أصل 325، أي ما نسبته 48,9 % من مقاعد البرلمان .
الكتلة السنية العربية لمصلحة القائمة العراقية، والتوافق، ووحدة العراق، وهي تناهز 3,203,297 ناخبًا أي ما نسبته 32% تقريبًا من إجمالي الناخبين، وقد حصدوا 101 مقعد من مقاعد البرلمان البالغة 235 مقعدًا، وبنسبة 31% من إجمالي المقاعد.
الكورد في 2010 حصدوا 57 مقعدًا بما نسبته 17.5% من عدد مقاعد البرلمان، وكان وزن الكتلة الانتخابية الكردية حينها 2,372,070 ناخبًا بنسبة 23,6% من إجمالي الكتلة الانتخابية.
    الاستشهاد بعدد الناخبين من المواطنين العراقيين بحسب خلفيتهم المذهبية من البدع الوافدة على العراق ما بعد الاحتلال، ومع ذلك أردنا الخوض بهذه التفاصيل- على سبيل التجوز- لنبطل وهم وجود أغلبية لمكون مذهبي على حساب مكون لمذهب آخر، إذا ما استبعدنا تقسيم الاحتلال للمجتمع العراقي إلى مكونات ثلاث كما هو متعارف عليه اليوم، فالمجتمع العراقي قسم وفقا لقانون بريمر إلى عرب سنة وعرب شيعة وكورد كمكونات رئيسة في المجتمع العراقي، وتحددت وفقا لذلك نسب غير صحيحة ولا واقعية لكل مكون من المكونات، ومثل تبعا لها مجلس الحكم الأول في العراق بعد الاحتلال.
   والتخندق المذهبي شرعه “الائتلاف الوطني الموحد” وطوره فيما بعد إلى “التحالف الوطني” من غير أن يستحي أحد من ذكر أن جميع المنتمين من الأحزاب والكيانات لهذه التحالفات هي من المذهب الشيعي الإثنى عشري في العراق، هذا التوصيف ذكرناه بعيدا عن مفهوم الطائفية التي عمد هذا التحالف على العمل بموجبه بعد أن تمكن من زمام الأمور. ومن انتخابات 2005 مرورا بانتخابات 2010، 2014، 2018 البرلمان الذي يحوي اليوم على ما يقرب أو يزيد عن 200 مقعد من أصل 325 مقعد فقط للمكون العربي الشيعي، فانظر ما عمله المشروع الطائفي من إقصاء وتحجيم للمكونات الأخرى.
    فلماذا عمد التحالف الوطني (المسمى الجديد للائتلاف الوطني الموحد) إلى الطلب من المحكمة الاتحادية تغيير ما متعارف عليه ليقصي القائمة العراقية التي وإن عبرت بمجملها عن الكيانات والأحزاب السنية إلا أنها كانت تضم شخصيات وكيانات من الشيعة؟ ويرأسها علاوي وخلفيته شيعية وإن كان علمانيا، الجواب صريح وواضح ويكمن في عدم استقلالية القضاء وخضوع المحكمة الاتحادية إلى المشروع الطائفي الإقصائي التي أعلنت قرارها وليس تفسيرها فقط لكون القرار ملزم إلى أن الكتلة الأكبر هي التي تنعقد باجتماع الأحلاف بعد انعقاد البرلمان لجلسته الأولى وليست الكتلة التي فازت بأغلبية المقاعد كما هو متعارف عليه، وبالتالي أدخلت الانتخابات العراقية في دوامة لا أول لها ولا آخر، وفي تنافس محموم يدخل فيه الفائزون في متاهات هم في غنى عنها لو إلتزمت المحكمة الاتحادية باستقلاليتها ومهنيتها بعيدا عن التجاذبات السياسية المحمومة بعد كل دورة انتخابية.
   وفي الدورة الرابعة لمجلس النواب الذي انعقد الاثنين 3/9/2018 دخل المجلس في مخاض تحديد الكتلة الأكبر، ونشب خلاف كبير حول الموضوع، لكنه هذه المرة بين التحالفات والكتل الشيعية بعد أن تحجم دور العرب السنة والكورد، سبب الخلاف يتعلق بشأن تعريف “الكتلة النيابية الأكبر” وأدى في النتيجة إلى تأجيل جلسة مجلس النواب العراقي الأولى التي عقدت الاثنين إلى الثلاثاء 4/9، وفشل البرلمان العراقي في انتخاب رئيس له ونائبين كما نص نظامه الداخلي، في ظل تنافس الكتل السياسية التي تزعم كل منها الحصول على الأغلبية البرلمانية التي تمتلك الحق في تشكيل الحكومة الجديدة، الأمر الذي يعد مخالفة دستورية كبيرة ممكن أن تؤثر سلبا على المسار الديمقراطي في البلاد.
     وحين أعلنت عدة كتل نيابية من أبرزها سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر والنصر بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي مساء الأحد 2/9 تشكيل تحالف “الإصلاح والإعمار” وقالوا إنه سيمنحهم أغلبية في البرلمان بنحو 180 نائبا. بعدها بساعات رد تكتل منافس بقيادة رئيس تحالف الفتح هادي العامري ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي بالقول إنهما شكلا تحالفا خاصا بهما سيكون التكتل الأكبر بنحو 145 نائبا بعد أن أقنعا بعض الأعضاء بالانسحاب من التحالف المنافس، ومن الطبيعي تغيير وجهة النائب تكون بإحدى سببين إما ترغيب وشراء ذمم، وإما عن طريق الترهيب والتهديد والوعيد الأمر الذي اتقنه التحالف المسلح.
   ويتمحور الخلاف حاليا بشأن كيفية احتساب عدد أعضاء الكتلة الأكبر، فالمعسكر الأول يرى أن عدد الأعضاء يعتمد على الأسماء التي فازت في الانتخابات ضمن القائمة الانتخابية بغض النظر عن انسحاب البعض منهم لاحقا. ويصر المعسكر المنافس على ضرورة احتساب النواب الفعليين المنضوين داخل تحالف الكتلة الأكبر وأن يتم اعتماد تواقيعهم الشخصية على وثيقة تشكيل التكتل الأكبر. وخلال الساعات التي سبقت عقد جلسة البرلمان الأولى يوم 3/9 شهدت بعض التحالفات انفراطا في عقدها وخاصة “النصر” الذي انسحب منه مستشار الأمن الوطني المقال فالح الفياض وبعض من مؤيديه وانضموا الى المعسكر المنافس. كما ذكرت وسائل اعلام محلية أن ائتلاف الوطنية بقيادة إياد علاوي وتحالف القرار بزعامة نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي شهدا أيضا بعض الانسحابات باتجاه تكتل العامري-المالكي.
   وينتظر الطرفان أن ترد المحكمة الاتحادية على الاستفسار الذي أرسل لها، بالطلب من الطرفين المتنافسين إرسال قائمة بأسماء النواب المنضمين وتواقيعهم الحقيقية لحسم الخلاف. مع اعتبار أن رد المحكمة الاتحادية ربما لن ينهي الخلاف بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وفقا للمختصين في القانون الذي يرون أن المحكمة ستصدر رأيا وليس قرارا، وبالتالي فإنه لن يكون ملزما للأطراف المتخاصمة، ويشيرون إلى أن بإمكان الطرف المتضرر من رأي المحكمة الاتحادية رفع دعوى لذات المحكمة يطالب فيها بإصدار قرار بشأن الخلاف وحينها فقط يكون القرار ملزما وباتا وغير قابل للطعن.