سيناريوهات الكتلة الاكبر

المقدمة

الفصل الاول

تداعيات الانتخابات والاحتجاجات

على تشكيل الكتلة الاكبر

عمر عبد الستار
الفصل الثاني

سيناريو تصريف الاعمال

سيناريو شراكة سياسية

عبد الناصر المهداوي
الفصل الثالث

سيناريو الاغلبية الوطنية

سيناريو حكومة انقاذ

مهند العلام
الفصل الرابع

سيناريو بيت شيعي

سيناريو حكومة موسعة

استاذ شاهو القرداغي
خاتمة

المقدمة

فوارق جوهرية
تسبب انتهاء داعش تموز 2017، وانسحاب ترمب من النووي 8 ايار 2018، وانتفاضة الجمهور الشيعي ضد طبقته السياسية في 9 تموز 2018، ودخول حزمة عقوبات ترمب الاولى ضد ايران7 اب 2018 ، واعلان العباي التزامه بها، في  خارطة سياسية جديدة عطلت تشكيل الكتلة الاكبر، بعد خامس  انتخابات برلمانية جرت منذ 2005.
وقد مثلت هذه العوامل في فواراق جوهرية في عراق 2018، لم تكن موجودة في السنوات السابقة، وبها دخل عراق 2018  ربما مرحلة قد  تكون فاصلة بين عراقين، عراق مرتبط بمحور ايران الاقليمي، وعراق مرتبط بالتحالف الدولي ضد داعش.
كما ان العراق قد انتقل او يكاد  ايضا من مرحلة احتكار البيت الشيعي للسلطة في العراق منذ اول انتخابات برلمانية 2005 بغض النظر عن نتائج الانتخابات، الى عراق قد اصبح احتكار البيت الشيعي للسلطة اويكاد جزءا من الماضي، خاصة بعد ان افرزت الانتخابات كتلتيبن شيعين عجزتا عن الاندماج حتى كتابة هذه الورقة.
وقد يعد ارتباط الوسط الشيعي بعوامل الارهاب، من فوراق عراق 2018، الذي قد يشبه ارتباط الوسط السني به بعد 2003، وهذا قد يؤشرهذا الى احتمال دخول الوسط الشيعي في المسار الذي مضى به السنة بعد 2003، والذي ادى بهم الى صراع  سني سني من جهة، وصراع بينهم وبين الحكومة من جهة ثانية، وبينهم وبين التحالف الدولي من جهة اخرى.
وهذا قد يعني ان العراق  قد دخل في خارطة سياسية جديدة، تمثلت في تقارب سني كوردي  وصراع شيعي شيعي، قد يفتتح عصر معادلة سياسية جديدة لم تكن  موجودة في سنوات سابقة، اذ قامت على صراع سني سني وتحالف كوردي شيعي، مما قد يؤهل الكورد والسنة ان يكونوا رمانة ميزان البرلمان  والحكومة القادمة.
وقد مثل خروج الصراع بين النجف وقم الى السطح فارقا جوهريا اخر، فمواقف الطرفين من انتفاضة الشارع الشيعي تشير الى تباعد مواقف الطرفين، ووقوف حشد النجف الى جانب العبادي بخلاف حشد المهندس، الذي قرر الانسحاب من المحافظات السنية، دون التنسيق مع القيادة العامة للقوات السلحة وقياد العمليات المشتركة، قد يعني احتمال نشوب صراع مسلح بين الحشدين.
والفارق الجوهري السادس قد يتجسد في انكسار ايراني محتمل في العراق والمنطقة، تزامن مع   انتخابات 2018 التي تزامت مع انسحاب ترمب من الاتفاق النووي، وهو انكسار سبقته انتفاضة شيعة العراق في تموز 2018، التي قد تشبه انتفاضته اثر انكسار العراق بعد غزو  الكويت.
وهذا قد يعني ان شيعة العراق الذين انتفضوا في 1991، بعد انكسار العراق اثر غزو الكويت، وطالبوا بحاكم جعفري، ينتفضون  اليوم على ابواب انكسار ايراني محتمل  بعد غزو سوريا، ضد الحاكم الجعفري الذي دفعوا ثمنا باهظا  لاجله قبل 28 سنة، بعد ان حكمهم 16 سنة بعد 2003.
والفارق الجوهري السابع، قد يتمثل في ان تفكك البيت الشيعي وعدم قدرة اطرافه على اعادة لحمته قد يدفع بالعراق لدخول سيناريو فوضى جديد، بتكرار سيناريو سامرا او الموصل او اليمن، وفق معادلة ابيراهيم الجعفري الذي يقول ان التجربة حين تهدد، فان المارد يخرج من القمقم ويحطم الزجاجة، وقد بدت مؤشرات ذلك واضحة في  خلاف الحشد والعبادي ثم انسحاب الحشد وخطاب البغدادي.
وقد ناقشت هذه الورقة تداعيات هذه الفوراق الجوهرية على  تشكيل الكتلة الاكبر في فصلها الاول، ثم تحدثت عن سيناريو تصريف الاعمال او سيناريو شراكة السياسية  في الفصل الثاني، وتحدث الفصل الثالث عن سيناريو الاغلبية الوطنية وسيناريو حكومة انقاذ، وقد ختم الفصل الرابع الورقة  بالحديث عن سيناريو عودة البيت الشيعي او سيناريو حكومة موسعة.
 
 

الفصل الاول

تداعيات الانتخابات والاحتجاجات

على تشكيل الكتلة الاكبر

 
د. عمر عبد الستار محمود
شهدت الفترة من اعلان النتائج الاولية للانتخابات الذي جاء بعد اسبوع من يوم الانتخابات، الى الاعلان النهائي الذي جاء بعد ٩٠ يوما، سلسلة من التداعيات السياسية المشهودة التي نحاول ان نجملها في النقاط التالية.
١- خسارة حزب الدعوة
فقد تقدمت قوائم سائرون والفتح على قوائم النصر والقانون التي تمثل حزب الدعوة، الذي احتكر منصب رئيس الوزراء منذ ٢٠٠٥ وحتى ٢٠١٨.وادت هذه النتائج الى زيادة الانقسام بين اطراف البيت الشيعي الذي دخل الانتخابات بخمسة قوائم، هي ساؤرون والنصر والفتح والقانون وتيار الحكمة”1″.
وهذا يحدث لاول مرة، منذ ان دخل الشيعة اول انتخابات في كانون ثاني ٢٠٠٥ بقائمة واحدة١٦٩، وكانون اول٢٠٠٥ بواحدة ايضا هي القائمة٥٥٥، ودخل انتخابات ٢٠١٠ بقائمتين هي القانون والاحرار، ودخل انتخابات ٢٠١٤ بثلاث قوائم القانون والمواطن والاحرار.
وفي الوقت الذي سيطرت فيه اطراف البيت الشيعي على السلطة في العراق، بغض النظر عن نتائج الانتخابات منذ اول حتى خامس انتخابات برلمانية، بدت تداعيات انتخابات ٢٠١٨ وكأنها تتجه لاحداث فارق جوهري، ليس في مسالة ارتباط العراق بمحور ايران او التحالف الدولي فحسب، بل في انتهاء عصر احتكار البيت الشيعي للسلطة في العراق ايضا.
فالكتلتين الشيعيتين البارزتين، كتلة النصر وسائرون والحكمة ومعهم الوطنية، وكتلة الفتح والمالكي، تتنافسان اليوم على التحالف مع الكورد ومحور السنة، وكل منهما يقدم للكورد والسنة، تنازات وضمانات لاجل الانضمام لهذه الكتلة الشيعية او تلك.
وبسبب تنافس الكتلتين  الشيعيتين على الكتلة الاكبر الذي يجري في ظل صراع اميركي ايراني متصاعد، دخل العراق تموز 2018 بحكومة تصريف اعمال دون برلمان جديد او حكومة، حيث تؤيد اميركا العبادي، فيما تصر ايران على كتلة الفتح والمالكي، وقد يؤدي هذا الصراع الى استمرار حكومة تصريف الاعمال، لحين نضوج مستجدات الصراع الاميركي الايراني”2″.
٢- حراك الشارع الشيعي
دخل العراق مع بداية تموز ٢٠١٨ في عهد حكومة تصريف اعمال، فانطلق الحراك الشيعي في التاسع من تموز، من البصرة الى بغداد مارا بكل محافظات الفرات الاوسط والجنوب، دافعا بهادي العامري الى الاعتذار من المتظاهرين وانه قد استلم رسالتهم بمقاطعة الانتخابات وبانتفاضتهم في الشارع، وهو كلام يشبه كلام حكام العرب  حين انتفضت ضدهم الجماهير ابان الربيع العربي.
والحراك الشيعي في تموز ٢٠١٨، هو الثاني من نوعه منذ انتفاضة الشيعة بعد انكسار الجيش العراقي من الكويت في ١٩٩١، وان كانت انتفاضة الشيعة بعد انكسار جيش العراق في ١٩٩١ قد دعت الى حكم شيعي حعفري، فقد دعت انتفاضة شيعة العراق بعد انكسار داعش، الى ازاحة الطبقة السياسية الدينية الشيعية عن السلطة.
وقد تكون الأسباب التي دعت شيعة العراق للإنتفاض في المرتين متشابه، و إن كانت الأولى ضد نظام قومي و الثانية ضد نظام ديني، وقد فصلت بينهما ٢٨ سنة.فهُناك فراغ أمني و سياسي صاحب إنكسار صدام بعد غزوه الكويت و مثله يصاحب اليوم إنكسار إيران و إنسحابها المحتمل بعد غزوها عواصم العرب،و في المرتين حصلت فجوة بين شيعة العراق و نظام صدام ١٩٩١ و بينهم و بين نظام ولاية الفقيه ٢٠١٨”3″.
و كما قمع صدام بعنف إنتفاضة شيعة العراق في ١٩٩١، فلجأوا للسعودية حيث تمت رعايتهم أمميا في مخيمات رفحاء و توزعوا بعد ذلك على الدول لاجئين، قد تقمع إيران إنتفاضة شيعة العراق اليوم.ولكن فرصة إيران التي إقتنصتها بعد إنتفاضة شيعة العراق في 1991، قد تتكرر بصيغة قنبلة بشرية تضرب محافظات العرب السنة الشبه خالية من السكان، بعد اي اضطراب امني في محافظات الفرت الاوسط والجنوب، وهذا قد يشكل تحديا وفرصة في عراق 2018 ومابعده.
وفي الوقت الذي تناغم فيه الصدر والعبادي مع انتفاضة الشارع الشيعي كل بطريقته، فان تحالف الفتح والمالكي، كانوا اقرب للتذمر منهم للتناغم مع حراك الشارع الشيعي، فقد دعمت مرجعية السيستاني المحتجين، داعية اياهم الى الغضب المحمود واخذ حقوقهم بالقوة ، بل والى تطوير اساليب تظاهراتهم ان لم تستحب لهم الحكومة القادمة، وهذا قد يعني ان اي حكومة قادمة ستكون تحت ضغط شارع منتفض وخارطة سياسية جديدة محليا واقليميا ودوليا.
٣- موقف العبادي من عقوبات ترمب
بعد القسوة التي تعرض لها الشارع الشيعي من قوات بدر والعصائب، ومقتل العشرات واعتقال المئات، دخلت حزمة عقوبات ترمب الاولى في السابع من اب٢٠١٨، فاعلن العبادي التزامه بها، وواجه اعلان العبادي، الذي تزامن اعلانه مع مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات، ردا عنيفا من اغلب الفعاليات السياسية الشيعية والسنية، التي اتهمته بعدم الوفاء لايران، وعدت موقفه بمثابة القشة التي قصمت فرص نيله ولاية ثانية.
ذلك ان موقف العبادي من عقوبات ترمب ضد ايران كان ملفتا للنظر وغير منسجم مع سلوكه السياسي منذ توليه منصبه اب 2014، لكنه كان متناغما مع سلسلة التداعيات السياسية التي انطلقت بعد نهايةوداعش ولم تزل مستمرة.فقد عرف عن العبادي الحذر وعدم التماس المباشر مع قضايا أكثر ضرورة، مثل قضايا الفساد، وعودة النازحين السنة إلى مناطقهم، ومصير آلاف المختطفين منهم على يد الميليشيات، و غض الطرف عن إدارة إيرانية مباشرة للمشاورات السياسية بين القوى العراقية الشيعية، بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي انتهكت جوهر السيادة”4″.
والسؤال الجوهري هنا هو : هل ان موقف العبادي (المتهم بمجاملة الإيرانيين و حلفائهم في العراق من الميليشيات والأحزاب المتنفذة) من عقوبات ترمب ضد ايران، يعد فارقا جوهريا ليس بعد انتخابات ٢٠١٨ فحسب، بل في مسار الحكم في العراق بعد ٢٠٠٣، الذي كان يجري ضمن محور ايران؟
فقد بدا ان العبادي قد وضع كل بيضه في السلة الأميركية، بعد ان وضع رؤساء الوزارة العراقية منذ ٢٠٠٥، وبضمنهم العبادي بعد ٢٠١٤، بيضهم كله في السلة الايرانية.لذلك واجه العبادي اثر ذلك غضبا إيرانيا قد ينقل الصراع الأميركي-الإيراني داخل العراق إلى مستوى جديد.
وقد تمثل الغضب الايراني من اعلان العبادي، بعاصفة مواقف سياسية واعلامية ايرانية وعراقية، كان منها مانشره موقع خبر أونلاين المقرب من رئيس البرلمان الإيراني،علي لاريجاني.فقد قال موقع خبر اون لاين، ان العبادي قضى على حظوظه للبقاء في منصب رئيس الوزراء، بعد ان تجاهل المصالح المشتركة مع إيران وجميع مساعيه لتشكيل الحكومة على وشك الانهيار بسبب موقفه من إيران.
فيما ذكرت صحيفة قدس الإيرانية المقربة من خامنئي قالت ان العبادي (قزم طوله ٩٩ سم)، أصبح رئيسًا للوزراء بإشارة واحدة من جنرال إيراني سيترك المنصب وسيواجه الإعدام وهو المصير الذي واجهه صدام وإن إيران بعد صدام ضحت بالغالي من أجل العراقيين لكن الأيام أثبتت أنهم شعب لا يعتمد عليه.
كما اصدر كل من نائبة الرئيس الإيراني، معصومة إبتكار، ونائب رئيس مجلس الشورى، محمودي صادقي، العراق بتسديد فواتير حرب الثمانينات التي قدرها المسؤول الإيراني بأكثر من تريليون دولار، أما وزير الداخلية الإيراني السابق، عبد الله رمضان زادة، فاستخدم تويتر أيضا ليدعو بلاده إلى عدم رفض تقسيم العراق .
وأصدر مجتبى الحسيني، ممثل خامنئي، في العراق، بيانا وصف فيه موقف العبادي بـاللامسؤول وأنه يعبر عن انهزامه أمام أميركا.وتمثل الغضب الايراني من موقف العبادي ايضا، برفض ايراني غير معلن لاستقبال العبادي، فبعد أن كانت نشرت أنباء عن زيارته لكل من أنقرة وطهران، قال المتحدث الرسمي الإيراني إن بلاده لا علم لها بزيارة العبادي، تلاه مباشرة إعلان عراقي عن أن رئيس الوزراء سيكتفي بزيارة العاصمة التركية فقط دون طهران “بسبب ازدحام جدول أعماله وعدم تكامل الإعداد لذلك.
وباستثناء السيستاني الذي لم يعلن موقف لحد الان، فقد رفضت الاحزاب والمليشيات  الشيعية مع الحزب الاسلامي والوقف السني ومفتى اهل السنة والجماعة في العراق، التزام العراق بالعقوبات، واعتبرت موقف العبادي غير ملزم للحكومة المقبلة ولا يمت بصلة للشعب العراقي، وهذا سيجعل الحكمة القادمة تحت ضغط الالتزام من عدمه من عقوبات ترمب.
٤- تقارب سني كوردي
تقارب مواقف الكتل الكوردية والسنية ، وسط عجز البيت الشيعي عن اعادة اللحمة بين اطرافه من جهة، وتسابق كتله  المنقسمة على نفسها لتشكيل الكتلة الاكبر، قبل دخول حزمة عقوبات ترمب الثانية في الرابع من تشرين الثاني القادم، قد يكون من اهم التداعيات السياسية في عراق 2018، والتي قد تكون حجر اساس العملية السياسية في السنوات الاربعة القادمة”5″.
 وقد تشكل  الخارطة السياسية الجديدة، فاصلة اخرى في مسار العراق الجديد الذي انطلق في 1992 ببرلمان اقليم كوردستان ووصل 2018 وهو يستعد لانتخابات 30 ايلول القادم، قبل ان يعقد برلمان العراق الاتحادي جلسته الاولى، التي قد تبقى مفتوحة الى اشعار اخر.
والسؤال كيف انقلب التحالف الكوردي الشيعي، الى تقارب سني كوردي، والصراع  السني السني الى صراع شيعي شيعي؟ ان وجود اقليم كوردستان، ورعاية ايرانية للبيت الشيعي، جعل مسار العملية السياسية يقوم على صراع سني سني جعل محافظات العرب السنة ساحة صراع بين القاعدة وجيش المهدي، وبين داعش والحشد الشعبي.
وقد حاولت إيران التأثير في نتائج الانتخابات البرلمانية بين الأعوام 2005 – 2018، مما جعل التحالف الشيعي بمسمياته المختلفة الكتلة الأكبر،منذ أول انتخابات جرت في العراق في 2005،وسيطر شيعتهاعلى مجالس النواب،لثلاث دورات متتالية،غير مكترثين لنتائج الانتخابات، وكما وضعت ايران  خطوط حمر تم تنفيذها منذ 2005-2018، تتلخص بعراق ضعيف تابع لها،من خلال بيت شيعي وحكومة شيعية موالية لها، تضمن وجود هلال ايراني اقليمي، ويمنع في هذا العراق تقارب المكونات.
وقد يكون وجود اقليم مفروض على الارض قبل 2003، وبرعاية دولية، قد مكن اقليم كوردستان من المقاومة ضد تغول بغداد المركزي، فرغم وجود التحالف الكوردي الشيعي ، فقد تميزت العلاقة  بين اربيل وبغداد بالتنافس والصراع ايضا،بين  حكومة وبرلمان كوردستان وحكومة برلمان العراق، مما جعل واقع العراق مخالفا لدستوره، وادى الى اندثار التحالف الكوردي الشيعي وذهاب اقليم كوردستان الى الاستفتاء، ودخول بغداد كركوك والمناطق المتنازع عليها في اكتوبر 2017.
اما وقد فشلت  ايران في التاثير على نتائج انتخبات 2018 كما كانت تفعل وانسحاب ترمب من النووي، فان اكثر ما يقلق العبادي،هو ألازمة بين أمريكا وإيران، التي تعد أكبر تهديد للاستقرار المتنامي في العراق، وسيطرة سليماني على مليشيات الحشد الشعبي الشيعية، وقد ارسل قائد القوات الامريكية في العراق،والسفير الامريكي،  تهديدا مباشرا لأيران وللحكومة العراقية المقبلة، فيما إذا كانت تميل لأيران،حين قال (إن قواتنا ما زالت متواجدة في العراق وعلى الحكومة العراقية القادمة ان تختار بين إيران والمجتمع الدولي).
كما ان التواجد العسكري الاميركي المتزايد، يثير قلق ايران  وحلفاءها في العراق، في الوقت الذي يرحب به الكورد والسنة ، وقد قال ضباط استخبارات اميركية لفورين بوليسي، ان هناك تبرير آخر لبقاء القوات الأمريكية في العراق بعد داعش عدا نفوذ ايران، هو المواجهة بين الحكومة العراقية المركزية والكورد، لذلك فان إيرانوحلفاءها في العراق  يواجهون اليوم تحديات غير مسبوقة،من علاقة غير مستقرة بين أربيل وبغداد، وقواعد أميركية تتزايد ومصرة على البقاء،مع نفرة شيعية من أحزابهم الدينية، وإصرار دولي على منع ظهور داعش،  وإنتفاضة وسقوط الريال، وتصعيدلإخراج إيران من سوريا.
ان  خيار التصعيد ضد إيران انطلاقاً من العراق، على نحو ما ورد في دراسة نشرها دينيس روس المساعد الخاص للرئيس السابق باراك أوباما، في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وأحد مؤسسي متحدون ضد إيران نووية، يرى أن أفضل سبل مواجهة إيران هو رفع تكاليف استمرار التعنت الإيراني وتقليص النفوذ الإيراني،عبر مسارات سياسية جديدة، تعيد لواشنطن القدرة على إدارة العملية السياسية وفق هندسة سياسية جديدة،مغايرة لما سبق أن قامت به قبيل وبعدغزوها للعراق واحتلاله، ويبدو ان خاطة العملية السياسية التي رسمتها انتخابات 2018  بتقارب كوردي سني وصراع شيعي شيعي، جاءت وفق هذا المقاس الهندسي”7″.
قد أشرفت الولايات المتحدة التنسيق مع “المعهد الأوروبي للسلام”على تنظيم مؤتمر في جنيف للبحث في ترتيبات ما بعد تنظيم “داعش” في العراق،بمشاركة الجنرال ديفيد بترايوس،رئيس المخابرات الأمريكية السابق،وأكثر الجنرالات الأمريكيين إحاطة بالشأن السُني والعراقي،وبمشاركة رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومنيك دوفيلبان،وشخصيات دولية أخرى،والهدف المعلن للمؤتمر الذي عقد يوم الأربعاء (20/2/2017) في العاصمة السويسرية،هو دراسة تطورات الأوضاع السياسة في العراق ما بعد “داعش.
ويبدو أن الخارطة الجديدة للتحالفات السياسية ستكون بداية لتنظيم قوة سياسية جديدة متماسكة، لقيادة العراق بديلة عن قوى تدين بالولاء لإيران،والتي كانت واشنطن هي من دبر لتمكينها من السلطة في العراق،لضمان اجتثاث نفوذ عراق صدام حسين،وتأمين سلطة أخرى موالية للنفوذ الأمريكي في البلاد.
5- انسحاب الحشد وخطاب البغدادي
في ظل تسابق كتل البيت الشيعي المتعثر لتشكيل الكتلة الاكبر، اصدر ابو مهدي المهندس بيانا قرر فيه انسحاب فصائل الحشد من مدن العرب السنة، ثم تبعه بعد يوم واحد خطاب مفاجئ للبغدادي، بعد ان تحدثت الانباء انه في حالة موت سريري، ثم رفض العبادي قرار ابو مهدي المهندس”7″.
وتطور الاحداث لحين نشر هذه الورقة البحثية قد يكون مفاجئا، فقد رفض  العامري، الذي بدا في مهاجمة العبادي بعد خلاف العبادي مع ابو ىمهدي المهندس، اي تدخل امريكي في تشكيل الحكومة، مهدداً باسقاط اي حكومة خلال شهرين خلاف ذلك.
ورغم نفي البرت ماكغورك، قال مكتب العامري في بيان له إن الامين العام لمنظمة بدر رئيس تحالف الفتح هادي العامري التقى، اليوم الخميس، مبعوث الرئيس الاميركي بريت ماكغورك.ونقل البيان عن العامري رفضه اي تدخل امريكي في تشكيل الحكومة، مشدداً بالقول “اذا اصريتم على تدخلكم، سنعتبر اي حكومة تشكل من قبلكم عميلة وسنسقطها خلال شهرين.وتساءل العامري في وقت سابق خلال لقائه عددا من الصحفيين “هل يحق لنا اختيار شرطي في ايران أو في تركيا أو في السعودية أو في أمريكا؟واذا كان الجواب لا، فلماذا نقبل ان يختاروا رئيس وزراء”8″؟
وأشار العامري الى أن السفير الامريكي سيليمان دوغلاس والمبعوث الامريكي بريت ماكغورك زاراه ذات مرة وقال لهما لا نسمح أن تتدخلون بالشأن السياسي العراقي ولا نقبل بفرض أسماء لرئاسة الوزراء، وإذا فرضتم أي اسم علينا فسوف اسقط حكومته خلال شهرين.
كما دعا قيس الخزعلي زعيم عصائب اهل الحق، في توقيت متزامن وفي تغريد\ة له على تويتر،الى استبدال النظام البرلماني في العراق باخر رئاسي، محذرا من عودة داعش لمدن العرب السنة بعد انسحاب الحشد، ومن تحول العراق الى افغانستان ثانية.
وافغانستان ثانية التي يقصدها الخزعلي، قد تعني تكرار سيناريو سامراء٢٠٠٦ او الموصل ٢٠١٤ او اليمن ٢٠١٤، في ظل التحديات التي توجه ايران والمليشيات الموالية لها في العراق.وقد تعودت ايران ومحورها الاقليمي ان تدافع عن نفسها حين تتهدد تجربتها كما يقول ابراهيم الجعفري، حين تتهدد التحربة يخرج المارد من القمقم ويحطم الزجاجة.
ومن المؤكد ان مسلسل تداعيات انتهاء داعش ونتائج انتخابات ايار ٢٠١٨ سسيستمر، لكن مؤكد ايضا، ان العراق لن يستقر حتى تخرج ايران من سوريا وتدخل ايران دوامة الفوضى الخلاقة، ويتمكن العبادي من تفعيل الدستور ومنع عودة داعش وتفكيك الحشد الشعبي.
وقد يمثل سلوك ايران ومحورها، تحديا خطيرا اخر امام العبادي، بعد تحدي اعلان التزامه بعقوبات ترمب ضد ايران، سواء ظل رئيس حكومة تصريف اعمال، او نال ولاية ثانية. وخطاب البغدادي وانسحاب الحشد من مدن السنة، ومحاولة العبادي اقصاء المهندس عن قيادة الحشد، قد تشكل وجهان لعملة تكرار سيناريوهات فوضى تعقب اي فراغ سياسي وامني في العراق والمنطقة.
6- انتهاء داعش ومواجهة ايران
رغم خطاب البغدادي الاخير، الذي قد يعد مؤشرا على احتمال عودة فوضى مشابه لفوضى ٢٠١٤ في العراق، الا انه يمكن اعتبار انتهاء داعش ومواجهة ايران من ابرز انجازات التحالف الدولي الذي تشكل في اب ٢٠١٤ ضمن قرار مجلس الامن ٢١٧٠ الذي صدر تحت البند السابع فحسب، ومن اهم اسباب التداعيات التي تمت الاشارة اليها انفا.
والسبب الذي جعلنا نربط التداعيات بانجازات التحالف الدولي ضد داعش، هو ان حكومة العبادي كانت حليفه المحلي في مواجهة داعش في العراق، لكنها لم تلبي كل متطلبات الحليف المحلي للتحالف الدولي، بل كانت  بعض اطرافها خصما للتحاف الدولي بسبب ارتباط ٨٠٪؜ من مليشيات الحشد الشعبي بمنظومة الحرس الثوري الايراني.
وفشل الحليف المحلي في الايفاء بمتطلبات تحالفه مع التحالف الدولي، قد يؤدي بالضرورة الى عقبات وتحديات على حكومة العبادي من جهة، وعلى اركان البيت الشيعي وعلاقتهم بالحكومة من جهة ثانية، وعلاقتهم بشارعهم من جهة ثالثة، وبايران من جهة رابعة.
وفي ظل عقوبات ترمب ضد ايران بعد انسحابه من الاتفاق النووي، لم يعد امام حكومة العبادي واطراف البيت الشيعي او اي حكومة عراقية قادمة سوى الاختيار، اما ان تكون مع ترمب ضد ايران او تكون مع ايران صد ترمب، وهذا يذكرنا بشعار بوش الابن، اما ان تكون معنا او ضدنا، بعد اعلان الحرب  العالمية على الارهاب في 2002، اثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر في 2001.
ويبدو أن صانعي السياسة في الولايات المتحدة يدركون أن هذا النوع من التوازن المربك هو أفضل ما يمكن أن يأملوا به، وأن البراغماتية التي يتمتع بها العبادي والتزامه بسياسة الأرض الوسطى تمثل الطريق الأكثر أمنا في العراق نحو الاستقرار وإعادة الدمج الإقليمي”9″.
المصادر
1-قائمتان انتخابيتان لحزب الدعوة.. هل بدأ الانقسام؟
2-القوائم الانتخابية تستأنف مباحثاتها لتشكيل الحكومة العراقية
3-شيعة العراق بين إنتفاضتين-مركز العراق الجديد
4-العراق وجدل العقوبات الأميركية على إيران
5-الكورد بين السنة والشيعة.. العراق أنموذجاً
6-الانعكاسات المحتملة للانتخابات البرلمانية (2018)
7-من بغداد الخبير الاستراتيجي أحمد الشريفي
حول خلافات العبادي والمهندس
8-العامري لماكغورك: سأسقط أي
شخص تفرضه واشنطن رئيسا للوزراء
9-كيف تعلمت واشنطن أن تحب العبادي؟
مبحث سيناريو حكومة تصريف اعمال
وحكومة شراكة وطنية
المبحث الثاني
2-1سيناريو حكومة تصريف أعمال
مفهوم حكومة تصريف الأعمال ليس بدعا في أنظمة الحكم بل تناوله الدستور العراقي في مواده الدستورية، فقد
اورد الدستور العراقي الدائم لسنة ٢٠٠٥ مفهوم حكومة تصريف الاعمال في موضعين فقط الاول في المادة (٦١/ ثامنا/ د) والثاني في المادة (٦٤) منه.
وفي المادة 61 الفقرة ثامنا؛
د ـ في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الامور اليومية لمدة لاتزيد على ثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لأحكام المادة “76” من هذا الدستور .
أما المادة (٦٤) فتنص على
اولاً ـ يحل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث اعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء و بموافقة رئيس الجمهورية، ولايجوز حل المجلس في اثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء.
ثانياً ـ يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة اقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً ويواصل تصريف الامور اليومية (1)
تعد انتخابات الدورة الرابعة للبرلمان  العراقي في مايس 2018 من أكثر الانتخابات التي شهدت تجاذبات وتناحرات وتقولات العديد منها يرتقي إلى كونها حقائق،وفي موضوع آخر سيؤثر على المشهد السياسي كثيرا، وهو أن هذه الانتخابات لا تمثل الشارع العراقي بل الوقائع والحقائق تشير إلى نسبة المشاركة بها متدنية جدا، وهو ما اعترف به الساسة والقادة الفائزون في الانتخابات كالعامري وغيره، فالمؤشرات جميعها تشير إلى مشاركة ما نسبته 4% من الشعب العراقي فقط، وبأفضل الاحتمالات تصل إلى 18% فقط لا غير أما غير ذلك فهو يجافي الحقيقة، أضف إلى ذلك أن دعاوى التزوير والاجبار وتأثير السلاح في تحديد وجهة النائب تناقل بها الركبان.
 ولضرب مثلا واحدا نقول؛ هل يعقل أن تنتخب مدينة محاصرة بسلاح الميليشيات أحد مرشحي الفصيل الذي يحكمهم وتُوصله للبرلمان ولا يوجد فيها مواطن واحد من مكون هذا المرشح فضلا عن حزبه وفصيله، أما تفاصيل الاجبار فقد شهد عليه جل سكان هذه المدينة، دع عنك هذا وانظر في المواقف الرسمية، فقد تم التصريح بإلغاء صناديق الاقتراع في بغداد الرصافة بعد الحريق المفتعل، وهي تشكل ما مقداره 10% من أصوات الناخبين على مستوى العراق، كيف سيتقبلها الخاسرون في هذه الانتخابات؟ بل كيف ستكتسب الانتخابات شرعيتها في ظل هدر 10% من أصوات الناخبين؟! وكذلك ما أوردته اللجان التحقيقية كافة من لجنة مجلس الوزراء الرفيعة المستوى إلى اللجنة النيابية برئاسة عضو البرلمان السابق عادل نوري الذي ناشد القضاة بأخذ دورهم المنشود، فقدكشف النائب عادل نوري رئيس اللجنة النيابية المكلفة في التحقيق بدعاوى تزوير الانتخابات، في مقال له يستجدي به عدل القضاة المنتدبون للوقوف موقفا يبطل هذه الانتخابات المزورة،وطلب النائب نوري من القضاة ابطال نتائجها بقوله ” ننتظر ضربتكم القاضية” بعد أن سرد المئات من الشبهات، ودلل بالحجج العقلية والنقلية على حقيقة كبيرة مؤداها أن الانتخابات كانت مزورة و لاتعبر عن إرادة الناخب العراقي، بل كشف ناشطون سياسيون من خلال الفضائيات أن نسبة التزوير قد تصل إلى 70% على وجه الحقيقة.
 وإذا اعتبارنا نسبة المشاركة المتدنية، مع نسبة التزوير المتحققة، حتى لو كان الخلاف في نسبة محددة من التزوير وهو واقع حال يقره المطلعون، أضف إلى ذلك اخضاع  المناطق التي حررت من “داعش” إلى سلاح المليشيات وفصائل الحشد الشعبي، الأمر الذي جعل هذه المناطق تعطي أصواتها بقوة السلاح، وبتواتر النقل وصريح العقل فهذه المناطق جلها من “العرب السنة” وتسببت بصعود مرشحين فصائل “العرب الشيعة” فأي منطق ممكن أن يتقبل هذا الموضوع؟ لا يتقبله إلا منطق المالكي حين حصد أصوات السجناء في عهده(2).
غير أن هذه المناشدات ذهبت أدراج الرياح حين انتهى القضاة من العد والفرز اليدوي المحدود  فقد صادقت المحكمة الاتحادية العليا، يوم الاحد 19/8/2018، على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب (3) على الرغم من كل الشبهات والتقولات التي صاحبت هذه الانتخابات ، الأمر الذي حدى بالقائمة العراقية بقيادة أياد علاوي بإلغاء نتائج الانتخابات والقيام بحكومة تصريف أعمال لحين إجراء انتخابات نزيهة(4) وذلك بعد أيام من إجراء الانتخابات التي شهدت العديد من الاتهامات بالتزوير وبيع وشراء الأصوات.
 وبعد الانتهاء من دورة البرلمان الثالثة في 30/6/ 2018 أصبحت الحكومة الحالية حكومة تصريف أعمال بالفعل من 1/7 ولغاية انعقاد البرلمان الجديد وتشكيل حكومة جديدة وهو الأمر الذي أكده خبراء القانون (5).
وبعد التظاهرات التي شهدتها محافظات الجنوب سلط الأمريكان الضوء على وجود مندسين يحاولون توظيف هذه التظاهرات لصالح أحزابهم لذا نجد الأمريكان يميلون إلى تكريس رئاسة السيد العبادي لولاية أخرى أو تمديد حكمه،
قالت مصادر مطلعة (6)؛ إن واشنطن بدأت بخلق اجواء سياسية على (مقاسات) من يدعم توجهاتها في العراق وبدأت تحذر السياسيين من (فوضى) تحدث في بغداد ومحافظات العراق الجنوبية والفرات الاوسط بسبب (المندسين) الذين حرفوا التظاهرات السلمية عن مسارها الاصلاحي، وبينت المصادر ان واشنطن تحاول في المدة المقبلة اقناع الكتل السياسية العراقية بتمديد ولاية العبادي لسنتين اضافيتين وتشكيل حكومة طوارئ يكون رئيس الوزراء (المنتهية ولايته) هو رئيسا لها ، لاسيما وان أحزابا شيعية اتهمت العبادي قبل اجراء انتخابات ايار 2018 بانه يسعى لتمديد عمل الحكومة لسنتين.
في العراق بعد الاحتلال وليومنا هذا الفواعل الإقليمية وعلى رأسها إيران، والفواعل الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية هي المؤثرات الحقيقية في المشهد السياسي، ولعل الطرفين (أمريكيا وإيران) تخادم مشرعيهما في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، غير أن الموضوع في عهد الجمهوريين وترامب يختلف كليا عن السابق، فالولايات المتحدة وترامب اليوم تمارس ضغطا حقيقيا على إيران وأذرعها في المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا، وعلى مستوى الساحة السياسية العراقية فإن التأثير الأمريكي كبير، وهذه المرة قد لا تسمح لإيران أن تتفرد في صناعة المشهد. لا بل سيكون لها الكلام الفصل في تشكيل الحكومة، فماهي خيارات واشنطن في العراق
  في مقال سابق للباحث (7) ولوضع النقاط على الحروف بشكل أكثر وضوحا فإن الكيانات الخمسة الشيعية هي المعنية بتشكيل الكتلة الأكبر، واختيار رئيس الوزراء وتوزيع الحقائب بطريقة لا تبتعد كثيرا عن سابقاتها، ومع ظاهر خلافها إلا أن توجهاتها المعلنة وغير المعلنة واحدة، فالجميع يرفض التخندق الطائفي، وحكومة أغلبية طائفية على مقاس المالكي أضحت من الماضي، والبديل عنها رفع شعاره الصدر والحكيم “حكومة أغلبية وطنية” في حين عاد المالكي والعامري يدعوان إلى حكومة شراكة وطنية، ليس تحليلا بل جميع الأخبار والتصريحات وحمى التفاوضات توحي به.
 واليوم هناك وجهتان لهذ الكتل ظاهرة العيان فالتحالف الفائز الأول “سائرون” أقرب إلى الحكيم ويتخبط ما بين العبادي والعامري، ولا يدعم مرشحا بعينه بل يدعم برنامجا محددا وتوصيفا لمن يشغل منصب رئيس الوزراء مستقبلا وفق الأربعين صفة التي يجب أن يتحلى بها، وللأمان إن وجد من الشخصيات السياسية من تنطبق عليه أربعينية الصدر لما وصل العراق إلى ما وصل إليه.
 وفي المقابل نجد تحالف الفتح ودولة القانون يسعى حثيثا لتشكيل الكتلة الأكبر ويقدم التنازلات التي قدمها المالكي من قبل للتحالف الكوردستاني، أما السنة فهم مرتهنون بإشارة منه، وموقف السيد العبادي ليس واضحا بل تناوب بين الصدر والعامري ويطمع بولاية ثانية، أو بفوضى تكرس حكمه لسنتين كما ترغب أمريكيا كما يقول البعض.
 أمام أمريكيا اليوم واحد من خيارين مهمين، الأول ستدعم العبادي بتشكيل الكتلة الأكبر مع الصدر والحكيم وتلحق بركابهم الكورد والمحور، وهذا الاحتمال الأكثر ورودا، أو ستفاقم المشهد وتخلط الأوراق لتمديد ولاية العبادي، وقد يكون الفعل الثاني صناعة إيرانية، غير أن الذي سيقطف ثمارها في النهاية أمريكيا فهي صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة.
    ففي حال أن تعود الأوضاع في العراق إلى فوضى جديدة سواء عن طريق عدم قدرة الكتل الفائزة من تشكيل الكتلة الأكبر ، أو إن استطاعت الفواعل الأقليمية والدولية من عرقلة تشكيل هذه الكتلة وبالتالي سيختل الوضع الدستوري، وسيدخل البلد في فراغ دستوري جذري حقيقي لا سبيل لتجاوزه إلا من خلال إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، وهنا بالضرورة ستكون الحكومة الحالية فاقدة الصلاحية الدستورية وتتولى شؤون البلاد كحكومة تصريف أعمال.
2-2 حكومة شراكة وطنية
 في العراق لاستحقاق الانتخابي لا يخول الكيانات الفائزة والمشكلة للكتلة الأكبر تجاوز الآخرين وتشكيل الحكومة بمعزل عنها وإن تهيأ لها ذلك دستوريا،وهذا جرى مجرى العرف في الساحة السياسية بعد الاحتلال، وما ذاك إلا لإشاعة نظام المحاصصة السياسية في توزيع المناصب بعد 2003، فإن جميع الكتل البرلمانية تشارك في الحكومة، ولم تعلن أي كتلة رغبتها أن تكون ضمن المعارضة البرلمانية، ففي العمل السياسي في العراق أثبتت التجربة أن الانضمام للحكومة أفضل من معارضتها، لكون مفهوم المعارضة في العراق لا يزال تحت تأثير الأنظمة الشمولية التي رانت على العراق عقودا من الزمن، وورثها عنهم قليلي الخبرة والدراية الذين حكموا العراق  بعد الاحتلال وليومنا هذا(8)
لذا تسعى جميع التحالفات والكيانات الفائزة لأن تكون جزءا من الكتلة الأكبر، لكونها بهذه الطريقة فقط تضمن مصالحها على المستويات كافة العليا (الوطنية) وهذه نادرة في عراق اليوم، والفئوية الضيقة سواء كانت مصالح شخصية أو حزبية أو لمكون ما على حساب المكونات الأخرى، وهذه هي التي تدفع الجميع لهذا السباق المحموم، ولا يمنع الدستور استيعاب الفائزين في تشكيل الحكومة على الرغم من التنوع الموجود، الإشكالية المهمة في الموضوع هي ضعف هذه الحكومة لكونها لا تبتعد كثيرا عن الحكومات التوافقية السابقة التي كرست الفساد وحمي الفاسدين من قبل أحزابهم.
يقول الباحث هاشم الهاشمي؛(9)الكثير يطمح أن تقوم الحكومة القادمة على مقولة الثقافات والهويات المتعددة، وفكرة الهويات المتعددة مع احترام الرموز والشعائر لكل هوية على حدة سواء كانت قومية او دينية… فحكومة متعددة الهويات ليست مرفوضة عند قوائم النصر والوطنية والحكمة والفتح وإرادة والقرار والقوائم الكردية وقوائم الكربولي، بل هي مقبولة في الأساس، أما الفروق التي يفرضها الواقع فأنها فروق سلوكية وليست عدائية، وحكومة متعددة الهويات مقبولة إجمالا عند جميع القوائم 26 الفائزة من أصل 88 قائمة.
     لمعرفة ماهية وكيفية تشكيل الكتلة الأكبر لا بد من معرفة تضاريس البرلمان الجديد في دورته الرابعة في عراق ما بعد الاحتلال(10)، فعدد مقاعد مجلس النواب الجديد هو (329) مقعدا منها: (320) مقعدا عاما و(9) مقاعد كوتا للأقليات،  الفائزون بحسب الأولية من حيث عدد المقاعد في البرلمان (مع اعتبار خلفية قياداتهم من مكون واحد) كالآتي؛ تحالف سائرون: الكلي (54) مقعدا وهي: 52 لحزب الاستقامة الوطني، مقعدان للحزب الشيوعي العراقي. تحالف الفتح: الكلي (48) مقعدا وهي: 21 مقعدا لمنظمة بدر، 15 مقعدا لـصادقون (عصائب أهل الحق)، وثلاث فصائل من الحشد أخرى بمعدل مقعدين لكل منهما، وسبعة فصائل أخرى بمعدل مقعد واحد لكل فصيل. تحالف النصر: العدد الكلي(42) مقعدا وهي: 13مقعدا لكتلة النصر والتحرير وهو أربعة تنظيمات من حزب الدعوة، 7 مقاعد لحزب الفضيلة، 5 مقاعد لحزب عطاء(فالح الفياض)، 5 مقاعد للحزب الإسلامي العراقي، وأربعة كيانت على مقعدين، وأربعة أخرى لكيانات على مقعد واحد. تحالف دولة القانون: العدد الكلي(25) مقعدا وهي: 14 مقعد لكتلة معا للقانون، من ضمنها 4 تنظيمات من حزب الدعوة، 6 مقاعد حركة البشائر، 5 حزب الدعوة تنظيم العراق. تحالف تيار الحكمة الوطني: الكلي (19) مقعدا، وهي: 18 مقعدا لتيار الحكمة الوطني، مقعد واحد لثوار الإنتفاضة الشعبانية. هذه التحالفات هي التي ستقرر من سيُكون الكتلة الأكبر.
     أما كيانات التحالف الكوردستاني فكانت كالآتي؛ قائمة الحزب الديموقراطي الكردستاني 25 مقعدا كلها للحزب الديمقراطي الكردستاني، قائمة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني(18) مقعدا جميعها للاتحاد الوطني الكردستاني، حركة التغيير الكردستانية (5) مقاعد، حزب الجيل الجديد (4) مقاعد، الاتحاد الإسلامي الكردستاني مقعدان، الجماعة الإسلامية  مقعدان. وهناك ثلاثة مقاعد عن الكوتات مدعومة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
     أما المحور الوطني فهو يتكون من تحالف الوطنية: العدد الكلي (21) مقعدا وهي: 7 مقاعد للحزب الإسلامي(عمل2+ التجمع المدني4+ حزب المسار1)، 4 مقاعد لجبهة الوفاق الوطني، 3 مقاعد لجبهة الحوار(صالح المطلك)،3 مقاعد لحزب التقدم، وأربعة كيانات على مقعد واحد لكل منهما. تحالف القرار: الكلي(15) مقعدا وهي: 5 مقاعد لحزب المشروع العربي، (خميس الخنجر).4 مقاعد لحزب للعراق متحدون أسامة النجيفي، وكيانين على مقعدين وثلاثة كيانات أخرى لكل واحد منهن مقعد واحد. تحالفات الهوية بزعامة حزب الحل: 13 مقعدا وهي: 8  مقاعد لحزب الحل ( جمال الكربولي) وكيان مقعدين وثلاثة أخرى لكل واحد منهن مقعد واحد فحسب.
      تعد أغلب التحالفات الفائزة غير متماسكة باستثناء سائرون والحكمة والكورد أما البقية ففي الإمكان رصد ازاحات غير مسبوقة تكون لصالح طرف على حساب آخر، ووفقا لمعطيات المشهد السياسي المرتقب، فالأغلب يبحث عن مصالح فئوية ضيقة ولا يعنيه تحالفه الذي دخل به مساق السباق الانتخابي بل الذي يعنيه من الذي سيحقق هذه المصالح؟ ومن ثمة فإن الانتقال إلى ركابه من السهولة بمكان، ويقينا يظهر مواقف الكيان الجديد الايجابية وسيتخرص بعيدا عن الحقيقية على الرغم من معرفتها من جل المجتمع العراقي.
في ظل النتائج المتقاربة وعدم حصول كتلة على أصوات كبيرة، هذا يعني ان الحكومة القادمة ستكون ضعيفة سيأكل من جرفها حجم التنازلات للشركاء، وكذلك سيكون رئيس الوزراء مجبر على تقديم تنازلات وقبول لشروط الآخرين، وهذا الامر مقلق في ظل التحديات التي تواجه الحكومة القادمة، من حرب على الاٍرهاب، ومكافحة الفساد، والإعمار والاستثمار، والاهم التزامات العراق تجاه صندوق النقد الدولي.
      بمعنى آخر أن حكومة الشراكة السياسية الوطنية إن قامت بالفعل فإنها ستعمد على تلبية طلبات الكتل الفائزة وفق مبدأين؛ الأول الاستحقاق الانتخابي وهذا سيكون عبر توزيع المناصب السيادية جميعها على الفائزين كل حسب عدد مقاعده وسيعمدون للطريقة القديمة باحتساب نقاط لكل منصب، والأمر الثاني سيكون الأمر برمته مرضيا للفواعل الدولية والإقليمية(أمريكيا وإيران). الإشكالية التي ستواجهها هذه الطريقة أن الحكومة المقبلة ستكون كسيحة كالحكومات السابقة وسيمضي الفساد يستشري من جديد الأمر الذي ما عاد مقبولا لا محليا ولا إقليما ولا دوليا، هذا فضلا عن الكتل الكبيرة التي أعدت برامج ومواصفات لمن يتولى المناصب الكبيرة كسائرون…وغيرهم.. هل سيتراجعون؟ أم في الإمكان تعشيق الأمر؟ وفقا لحماية الكيانات والأحزاب لمرشحيها الفاسدين ستكون المحصلة النهائية هي هي لا جديد لكون المدخلات هي هي، فكيف سيتم التغيير؟
الفصل الثالث
سيناريوهات حكومة موسعة+
سيناريو حكومة انقاذ
د. مهند يوسف
08/08/2018
فرضيات البحث
  • اعطت العملية السياسية للشيعة مالم يحلموا به من امتيازات ومناصب وسلطة وادارة للحكم المباشر بدعوى المظلومية التاريخية وحقوق المعارضة للنظام الوطني السابق. وبالتالي فهم لا يعتقدون ولا يسمحون باي شكل من الاشكال بخرق القواعد الدستورية او العملية السياسية الحالية مثل تشكيل حكومة انقاذ وطني وما الى ذلك بل حتى وان كانت ضد مذهبهم او عقيدتهم.
  • ماهي سناريوهات تشكيل الحكومة القادمة بعد انتخابات 2018؟
  • حكومة محاصصة حزبية؟
  • حكومة وحدة وطنية؟
  • حكومة إنقاذ وطني؟
  • حكومة أغلبية سياسية تمثل كل المكونات لكن ليس بالضرورة كل الكيانات السياسية؟
  • ان حكومة الانقاذ الوطني اوحكومة الوحدة الوطنية مفهومان سياسيان لا يرتبطان بالدستور، ومع ذلك فان الذي يحصل في العراق هو تشكيل حكومة حسب الاطار الدستوري، فأطراف التحالف الشيعي ستحسم الجدل على القضايا العالقة في العملية السياسية ليتجاوز اية اعاقة للاطر الدستورية المتفق عليها .
  • ان حكومة وطنية تعني ان هناك كارثة في العملية السياسية لما يترتب على الامر من تداعيات لأنه بمثابة العودة الى نقطة الصفر وافراغ العملية الدستورية من محتواها .
  • في عام 2014 عند وصول داعش الى تخوم العاصمة بغداد وتهديدها المباشر للمنطقة الخضراء، نجد ان السياسيين الشيعة بشكل خاص واغلب الاخرين لم يدعو الى تشكيل حكومة انقاذ وطني خارج اطار الدستور لخشيهم من فقدان مكانتهم في السلطة والعملية السياسية بشكل عام.
  • يسمح الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة لها بتشكيل حكومة انقاذ وطني في الدول التي تعاني من الفوضى والارباك التي لا تستطيع تشكيل حكومة لها وبالتالي تؤثر في حالة السلم للدول المجاورة خاصة والعالم بشكل عام. لكن هذا الحال لا ينطبق على العراق فالساسة والمتابعون القانونيون يعتبروه الغاءً للانتخابات والدستور.
مصطلح حكومة إنقاذ وطني..بين الدستور العراقي والفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة.
ان دستورية او عدم دستورية تشكيل حكومة “الانقاذ الوطني” تكمن في ان الدستور العراقي لم يتطرق لحكومة انقاذ وطني أو حكومة طوارئ أو أي شكل اخر باستثناء حكومة تصريف الاعمال وهي تقوم وفق حالتين  الاولى عند سحب الثقة من الحكومة وثانيا عند حل البرلمان وكل هذه الحالات لم تحدث في العراق.
فالحكومة وفقا للدستور تستمر حتى عند أوقات الحروب والطوارئ بصلاحياتها واختصاصاتها وتشكيلاتها الكاملة وبالتالي لا مجال لتشكيل هذه الحكومة تحت ظل احكام الدستور العراقي.
في حين يسمح الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة لها بتشكيل حكومة انقاذ وطني في الدول التي تعاني من الفوضى والارباك التي لا تستطيع تشكيل حكومة لها وبالتالي تؤثر في حالة السلم للدول المجاورة خاصة والعالم بشكل عام.
هذا الحال لا ينطبق على العراق فالساسة والمتابعون القانونيون يعتبروه الغاءً للانتخابات والدستور. فالعراق كونه يمتلك دستورا اقر بعد ان استفتي عليه من قبل الشعب فضلا عن وجود مجلس نيابي افرزته انتخابات شاركت فيها جميع مكونات واطياف الشعب العراقي فانه وبحسب الصيغ الدستورية لا توجد مصطلحات لحكومة انقاذ وطني او مشاركة او توافق وانما تطرح هذه المصطلحات لتدارك ازمات وطنية ولانهاء الخطورة التي تتعرض لها الدول المعنية من جرائها.
وهذا يعني ان حكومة انقاذ وطني تعني انقلابا وطنيا داخليا ابيض والغاء نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بنصوص الدستور. واخذ زمام الامور من الجهة التي تشكل الحكومة من قبل جهة ضاغطة اكبر لتشكيل الحكومة وفق معيارها الخاص.
فالذي يشكل حكومة الانقاذ الوطني هي الجهة التي تسحب البساط من تحت القوى التي كانت تريد تشكيل الحكومة، لذا فان مثل هكذا مصطلح يعني الغاء نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بما نص عليه الدستور.
ان سلطة الامم المتحدة او مجلس الامن لا تعتبر سلطة فوق سلطات الدول، والمعنى القانوني لهذا هو انه لا يحق للامم المتحدة او اية جهة اخرى فرض نوع الحكومة المراد تشكيلها في دولة من الدول.
لكن يوجد نص في ميثاق الامم المتحدة يجيز لها فرض الوصاية على الدول في حال كانت اوضاعها تهدد السلم وتفرض حالة من الخطر على العالم.
فاذا ارادت الامم المتحدة ان تتدخل فيجب عليها العودة الى مبدأ الوصاية الذي طبق بعد الحرب العالمية الثانية، اذ كانت اغلب الدول مستعمرة، ما حدا بالامم المتحدة الى ان تضعها تحت الوصاية حتى تستعيد سيادتها الكاملة وترتب اوضاعها.
والانتقال الى وصاية الامم المتحدة يتم من خلال الغاء نتائج الانتخابات ونصوص الدستور.
ان مفهوم حكومة الإنقاذ الوطني…عند بعض المحللين والسياسيين ومن فقهاء القانون يقولون أن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يسمح بتشكيل حكومة إنقاذ وطني في الدول التي تعاني من الفوضى والارباك وتلك التي لا تستطيع تشكيل حكومة، وقد تؤثر تداعياتها على حالة السلم الأهلي للدول المجاورة خاصة والعالم بشكل عام.
بينما يرى البعض أن سلطة الامم المتحدة أو مجلس الامن لا تعتبر سلطة فوق سلطات الدول، والمعنى القانوني لهذا هو أنه لا يحق للامم المتحدة أو اية جهة اخرى فرض نوع الحكومة المراد تشكيلها في دولة من الدول.
ويرى البعض الآخر أنه يوجد نص في ميثاق الامم المتحدة يجيز لها فرض الوصاية على الدول في حال كانت اوضاعها تهدد السلم وتفرض حالة من الخطر على العالم.
ويوضحون ذلك بالقول أنه اذا ارادت الامم المتحدة ان تتدخل فيجب عليها العودة الى مبدأ الوصاية الذي طبق بعد الحرب العالمية، اذ كانت اغلب الدول مستعمرة، ما حدا بالأمم المتحدة الى ان تضعها تحت الوصاية حتى تستعيد سيادتها الكاملة وترتب أوضاعها.
لذا لا يحق لدولة كانت تحتل العراق وهي الولايات المتحدة الاقدام على اقامة حكومة طواريء او انقاذ وطني لا سيما في العراق، الا عن طريق نافذة الامم المتحدة، حينذاك ننتقل الى وصاية الامم المتحدة ويتم الغاء نتائج الانتخابات ونصوص الدستور، وان حكومة الانقاذ الوطني في هذه الحالة تعني انقلاباً وطنياً على استحقاق وطني او انقلاب من جهة على جهة لتشكيل حكومة بعيدة عن الاستحقاقات البرلمانية.
حكومة انقاذ وطني ام حكومة وحدة وطنية
هنالك فرق بين مصطلحي”حكومة انقاذ وطني” و”وحدة وطنية”فالاولى تعني انقلاباً وطنياً على استحقاق وطني او انقلاب من جهة على جهة لتشكيل حكومة بعيدة عن الاستحقاقات البرلمانية، اما حكومة الوحدة الوطنية فهي حكومة تتكون من الكتل الفائزة في الانتخابات وفق الاستحقاق الانتخابي واخذ الاستحقاق الوطني بعين الاعتبار او معناها حكومة تتمثل فيها اغلب اطياف البلد.
فحكومة الوحدة الوطنية تعني تشكيل حكومة حسب الدستور ووفق ما آلت اليه الانتخابات من قبل الكتل الرئيسة الفائزة اما حكومة الانقاذ الوطني فمعناها الغاء نتائج الانتخابات والدستور وضربها عرض الحائط كما ان حكومة الانقاذ الوطني تشكل بعد فشل تشكيل الحكومة من قبل الكتل.
ورغم الاختلاف الذي حدث فيما مضى حول تحديد معنى حكومة وحدة وطنية، الا ان الساسة والمتابعين للعملية السياسية اتفقوا على ان مصطلح حكومة انقاذ وطني تعني الغاء نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بما نص عليه الدستور و بالتالي هو تجاوز على القوانين والاليات الديمقراطية.
الانقاذ الوطني هو الحل الأسوأ بالنسبة للشيعة،فحكومة الانقاذ الوطني امر يرفضه جميع الشيعة لانه يخرج عن حدود الاطر الديمقراطية التي شرعها الاحتلال سواء في استفتائه على الدستور او انتخابه لمن يمثله ويجب على الجميع احترام رأي الشارع العراقي..
وحينما يعجز الساسة في التوصل لحلول منطقية لتشكيل الحكومة رغم وجود سياسيين لهم وزنهم في اتخاذ القرار السياسي لاسيما والوضع العراقي يسير من سيئ الى اسوأ فان هذا ما يعطي مبررات لطرح ما يسمى بحكومة الانقاذ الوطني التي هي الحل الاسوأ مع تفاؤل الجميع بان يكون هذا الامر هو الحل الاخير الذي نود عدم الوصول اليه واتخاذه كمبدأ.
ان حكومة الانقاذ الوطني وآلية تشكيلها تكون من قبل شخصيات وطنية وباشراف دولي، وان طرح مسألة حكومة الانقاذ الوطني ما هي الا برهان ملموس يبرهن فشل السياسيين في قيادة البلد..
ورغم انه لاتوجد في جميع دساتير العالم مصطلحات حكومة انقاذ وطني او شراكة او توافق او حتى حكومة وحدة وطنية، ولكن توجد حكومة تتكون من رئاسات الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان.
وهذه التسميات تطرق لتدارك ازمات وطنية في دول لانتشالها من الخطر، ان مصطلح انقاذ وطني هو مصطلح غربي وليس عربيا وهو تجاوز على الدستور والقانون.
وان القصد من المصطلح من الجهة الدستورية والقانونية هو مشاركة فئات اخرى لم تحصل على نسب او مقاعد برلمانية واعطائها مزيدا من الاصوات ليتسنى لها المشاركة بفعالية في تشكيل الحكومة،
ان الغاء الانتخابات لا يجوز قانونيا وان تدخل الامم المتحدة يجب ان يقتصر على الارشاد وبيان الراي لتشكيل الحكومة لا التدخل في تشكيل نوع الحكومة، الا في حال صدور قرار طبقا لصلاحياتها وما نص عليه الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة بانه يجوز للامم المتحدة فرض وصايتها وتشكيل حكومة في حال وجود خطر يهدد السلم العالمي وحينذاك يعتبر نافذا.
وفي وضع العراق وما آلت اليه نتائج الانتخابات لا يوجد داع لتطبيق هذه الفقرة لذا فان تدخل قوات الاحتلال في تشكيل الحكومة لن يجدي نفعا
ويعتقد الكثيرون ان حكومة “انقاذ وطني “  كارثة في العملية السياسيةحيث ان مثل هذا الطرح مناورات وضغوط سياسية على الاطراف المشتركة في العملية السياسية للتعجيل بتشكيل الحكومة الوطنية .
فحكومة الانقاذ الوطني اوحكومة الوحدة الوطنية مفهومان سياسيان لا يرتبطان بالدستور ومع ذلك فان الذي سيحصل في العراق هو تشكيل حكومة حسب الاطار الدستوري، لانه لو حدث فعلا ما قيل عن حكومة وطنية فهذا يعني ان هناك كارثة في العملية السياسية لما يترتب على الامر من تداعيات لأنه بمثابة العودة الى نقطة الصفر وافراغ العملية الدستورية من محتواها .
بينما حكومة الوحدة الوطنية فهي من وجهة نظر المهتمين بعلم السياسة هي حكومة تتكون من الكتل الفائزة في الانتخابات وفق الاستحقاق الانتخابي واخذ الاستحقاق الوطني بعين الاعتبار او معناها حكومة تتمثل فيها أغلب اطياف البلد.
في جميع دساتير العالم لاتوجد مصطلحات حكومة انقاذ وطني او شراكة او توافق او حتى حكومة وحدة وطنية، ولكن توجد حكومة تتكون من رئاسات الجمهورية ورئيس الحكومة والبرلمان. وهذه التسميات تطرق لتدارك ازمات وطنية في دول لانتشالها من الخطر، فمصطلح انقاذ وطني هو مصطلح غربي وليس عربيا وهو تجاوز على الدستور والقانون.
والقصد من المصطلح من الجهة الدستورية والقانونية هو مشاركة فئات أخرى لم تحصل على نسب او مقاعد برلمانية واعطائها مزيدا من الاصوات ليتسنى لها المشاركة بفعالية في تشكيل الحكومة.
وإن الغاء الانتخابات لا يجوز قانونيا وان تدخل الامم المتحدة يجب ان يقتصر على الارشاد وبيان الرأي لتشكيل الحكومة لا التدخل في تشكيل نوع الحكومة، الا في حال صدور قرار طبقا لصلاحياتها وما نص عليه الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة بانه يجوز للامم المتحدة فرض وصايتها وتشكيل حكومة في حال وجود خطر يهدد السلم العالمي وحينذاك يعتبر نافذا.
في وضع العراق وما آلت اليه نتائج الانتخابات لا يوجد داع لتطبيق هذه الفقرة وان التدخلات الامريكية الغربية في تشكيل الحكومة لن يجدي نفعا.وأن مثل هذا الطرح مناورات وضغوط سياسية على الاطراف المشتركة في العملية السياسية للتعجيل بتشكيل الحكومة الوطنية.
موقف الاطراف المشاركة في العملية السياسية من حكومة الانقاذ الوطني
ماتزال العملية السياسية في العراق تعيش حالة من الفوضى والانقسام البرلماني وتوسيع نطاق الاعتصام في مدن الجنوب مع تعطيل عمل وزارات الدولة، يأتي هذا في الوقت الذي ستكون حكومة الانقاذ لن تحل المشكلة بل ستفتح الباب لازمات اخرى.
ونتائج الانتخابات العراقية، والتي جرت في 12 أيار 2018، ستجعل  الكتل السياسية تعتبر نتائج تلك العمليات في دائرة الشكوك والانتقادات، رغم اجراءها تحت اشراف قضاة منتدبون، الامر الذي جعل البعض يطالب بتشكيل حكومة “انقاذ وطني” بعد ظهور اختلافات في نتائج بعض الصناديق المفروزة يدويا.
ومن هؤلاء حزب الوفاق الوطني العراقي او القائمة الوطنية، الذي يتراسه اياد علاوي، الذي دعا الى تشكيل حكومة انقاذ وطني في العراق، بسبب “الاخطاء الخطيرة والملازمة للعملية السياسية طوال الفترة الماضية”. وعجز هذه العملية عن افراز مخرجات سليمة للازمات والمعضلات السياسية المتفاقمة، وان تشكيل حكومة انقاذ وطني او حكومة تصريف اعمال هي من صلاحيات المحكمة الاتحادية، وضيفتها الالتزام باعادة الانتخابات على قدر معقول من النزاهة وبما يفضي الى مراجعة شاملة لتجربة العمل السياسي السابقة، ومراعاة المعادلات الداخلية والاقليمية، وتأخذ على عاتقها اعادة العراق الى دوره المركزي كلاعب دولي فاعل، وكجزء من العالم الحر”.
لكن نتائج العد اليدوي لن تحدث تغيرات كبيرة على مستوى القوائم الانتخابية الا انها ستشكل علامة فارقة بشأن البرلمان المقبل ومدى شرعيته”، فالبرلمان المقبل سيكون منقوص العدد وقد يعقد جلساته على ان يكمل باقي اعضاءه لاحقا.
اما حزب الدعوة الحاكم فيعتقد الى ان العراق والعراقيين الذين اصبح لديهم دستور اقر عن طريق الاستفتاء الشعبي يرون انه هو الكفيل وهو الالية التي على ضوئها يتم اختيار الحكومة الجديدة، اما الذين ينادون بمسميات جديدة مثل حكومة الانقاذ الوطني وغيرها من المسميات فهؤلاء لهم دوافعهم المعروفة.
ومن هذه الدوافع هي عدم حصول البعض على الاستحقاق الانتخابي الذي يؤهلهم للمشاركة في العملية السياسية والدخول لقبة مجلس النواب فيما يرى اخرون منهم بان ما حصلوا عليه ليس هو المراد او المطلوب وكل هؤلاء يحاولون اعادة العملية السياسية الى المربع الاول.
فموقف حزب الدعوة من هذا الامر ثابت وهو يرفض اية طروحات تجانب وتخرج من الصيغ الدستورية التي اتفق عليها الجميع.. ولن يسمح بالتجاوز على المبادئ التي اقرها الدستور وفرضتها ارادة الشعب باختيار ممثليه… .
ان تفاعلات الوضع العراقي وانهياراته المتسارعة تدور على نسق التناقض والاحتراب في المواقف، حتى بين أقرب المقربين خاصةبين أطراف التحالف الشيعي، الذين يعدون أنفسهم الكتلة الأكبر، وهم أنفسهم وراء أغلب الأزمات في البلد وهم سبب تعقيداتها، بسبب ارتباطاتهم بايران التي تفرض أرادتها عليهم من جهة، وعدم وجود رؤية لائتلافاتهم السياسية لطريقة اصلاح الوضع العراقي من تدهور بسبب مصالحهم الأنانية الضيقة، ووصول الأمر بينهم الى حد رفع السلاح بوجه الآخر، إن كانت المصلحة تتطلب أن يشهر كل طرف السلاح بوجه الآخر ويعلنها حربا شعواء تريد ارغام الآخر على الاستسلام للأمر الواقع، ثم يتدخل الطرف الايراني في كل مرة لتهدئة نيران الصراعات، ويحاول قدر إمكانه ان يمسك العصا من وسطها قبل أن تنفلت الأمور الى الحرب بينهم.
ومن تعقيدات الوضع العراقي الاتهامات وحالات التزوير الواسعة التي شابت الانتخابات الأخيرة، ومن ثم إضطر البرلمان قبل ان تنتهي ولايته الى اصدار قرار بإعادة العد والفرز اليدوي وعدم اعتماد العد الالكتروني، وما تبعها بعد أيام قليلة من قضية إحراق مخازن صناديق الاقتراع وإتساع الدعوة الى الغاء الانتخابات ومطالبات بإقامة حكومة انقاذ وطني أو (حكومة طوارئ) ..
ويشير بعض المحللين السياسيين الشيعة وخبراء القانون الى أن الحال في العراق لا ينطبق عليه حالة اقامة حكومة انقاذ وطني، لكون العراق لديه دستور أقر بعد ان استفتي عليه من قبل الشعب، فضلا عن وجود برلمان أفرزته نتائج انتخابات شاركت فيها جميع مكونات واطياف الشعب العراقي، مؤكدين انه وحسب الصيغ الدستورية فإنه لا توجد مصطلحات لحكومة انقاذ وطني او مشاركة او توافق وانما تطرح هذه المصطلحات لتدارك ازمات وطنية ولانهاء الخطورة التي تتعرض لها الدول المعنية من جرائها.
ويرى آخرون أن حكومة انقاذ وطني تعني انقلابا وطنيا داخليا ابيض والغاء نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بنصوص الدستور، ومثل هكذا مصطلح يعني الغاء نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بما نص عليه الدستور.
ولا يحق لاية جهة فرض نوع الحكومة على القادة السياسيين حتى لو كانت الامم المتحدة، وانه في حال فشلت الجهود العراقية في تشكيل الحكومة .
 ان حكومة الانقاذ الوطني هي الحل الأسوأ، وهو أمر يرفضه الجميع لانه يخرج عن حدود الاطر الديمقراطية التي شرعها الشعب سواء في استفتائه على الدستور او انتخابه لمن يمثله ويجب على الجميع احترام رأي الشارع العراقي..
وإن طرح هذا الامر بعد أشهر من المفاوضات التي تلت الانتخابات يؤكد بما لا يقبل الشك فشل الساسة في التوصل لحلول منطقية لتشكيل الحكومة، وأن حكومة الانقاذ الوطني وآلية تشكيلها ستكون من قبل شخصيات وطنية وبإشراف دولي وهي برهان ملموس يبرهن فشل ساسة البلد في تجاوز الأزمة.
وهذا ما يبدو جليا في عام 2014 عند وصول داعش الى تخوم العاصمة بغداد وتهديدها المباشر للمنطقة الخضراء، نجد ان السياسيين الشيعة بشكل خاص واغلب الاخرين لم يدعو الى تشكيل حكومة انقاذ وطني خارج اطار الدستور لخشيهم من فقدان مكانهم في السلطة والعملية السياسية بشكل عام.
بوادر حكومة انقاذ وطني في العراق
العراق بحاجة الى إنقاذ. وحين نتحدث عن إنقاذ فإننا نفترض وجود خطر ما او ربما اكثر. والاخطار على العراق كثيرة منها  الحرب الاهلية التي تعني حرق العراق ونهايته عبر تقسيمه. اما الخطر الاخر فهو تعطيل العملية السياسية بما في ذلك تجميد الدستور عمليا وإلغاء نتائج الانتخابات فعليا.
اليوم في العراق لا توجد امكانية القيام بانقلاب عسكري يتولى قادته إعلان الاحكام العرفية وتعليق الدستور وتشكيل حكومة إنقاذ وطني. وبسبب العجز عن القيام بهذا يقدم البعض مقترحات مشابهة له. وليس هناك من ذلك افضل من تشكيل حكومة يحمل اسمها الإنقاذ تعلق الدستور وتلغي نتائج الانتخابات.
لكن الإنقاذ يتمثل في تعزيز مشروع الدولة المدنية الديمقراطية الدستورية وآليتها الانتخابية وتشكيل حكومة على أساس نتائج الانتخابات تقوم بإنقاذ العراق حقاً.
وتقول بعض التحليلات السياسية ان عملية إعادة الفرز الجزئية للانتخابات الحالية يمكن أن تفتح الطريق لإقرار النتائج بشكل نهائي والمرور إلى عملية تشكيل حكومة جديدة، وهي عملية لا تخص الداخل العراقي وحده، بل تهم أيضا أطرافا إقليمية ودولية، دأبت منذ سنة 2003 على التدخل في تحديد شكل الحكومات العراقية، ومن مصلحتها في الفترة الراهنة لملمة قضية الانتخابات سريعا وتجاوزها ضمانا لاستقرار الوضع العراقي على الشكل الذي يخدم مصالحها.
ان أخطر ما تتعرض له العملية السياسية الموصوفة بالديمقراطية ان تضيع في دهاليز الجدل الذي يحار بين هذه المصطلحات التي تخرج وتتغير مع كل انتخابات تشريعية. ولا قيمة للجدل اذا لم ينطلق من الواقع المعاش والمشاكل الملموسة والضرورات العملية.
واليوم يبدو أن الفجوة الكبيرة، بين الطبقة السياسية والمواطن قد كبرت؛ وأصبحت تتسع كلما تقدم بنا الوقت، ويبدو أن الجِراح التي أثخنتها الحروب المتتالية والأزمات، لا يمكن مداواتها في ظل الأوضاع الآنية؛ ففي تعدد الأحزاب وتسلط المراهقين السياسيين إزدادت معاناة المواطن، ولم يتحقق حلم التغيير بل إزداد الطين بلّة؛ وأصبح الإعلام المعارض لتسلم الشيعة مقاليد الحكم، يروّج أخباراً ربما كاد المواطن يصدقها؛ بسبب فقدان الثقة وخيبة الأمل التي أطاحت بحلم القضاء على الديكتاتورية.
ان حكومة الانقاذ الوطني وحكومة الوحدة الوطنية مفهومان سياسيان لا يرتبطان بالدستور، ومع ذلك فان الذي سيحصل في العراق هو تشكيل حكومة حسب الاطار الدستوري، فأطراف التحالف الشيعي ستحسم الجدل على القضايا العالقة في العملية السياسية ليتجاوز اية اعاقة للاطر الدستورية المتفق عليها .
اذ ان حكومة وطنية تعني ان هناك كارثة في العملية السياسية لما يترتب على الامر من تداعيات لأنه بمثابة العودة الى نقطة الصفر وافراغ العملية الدستورية من محتواها .
إن إقامة حكومة انقاذ وطني، أو حكومة طواريء، تأتي بعد استنفاذ كل وسائل وأساليب الحلول والتدخلات الدولية والاقليمية، في العراق، وبعد ان تستشعر الدول الكبرى ومنها الولايات المتحدة ومجلس الأمن ان العراق مقبل على مرحلة حرب أهلية أو تفاقم لاوضاعه السياسية ويهدد وحدة البلاد وسيادته الاقليمية، عندها يكون إقامة حكومة انقاذ وطني او طوارئ واردة، وهو ما يميل اليه أغلب قادة العملية السياسية وجمهور كثير من العراقيين وهم الناقمون على سياسات الجهات السياسية المتصارعة التي لاتعرف كيف تدير أزمة وتنهي تعقيداتها بأكثر الطرق عقلانية وأقلها خسائر.
ان الكتل الكبيرة تتمترس خلف المقاعد الكبيرة التي حصلت عليها لتعد نفسها أنها (الوصية) على الآخرين وهي من تفرض رؤيتها عليهم، وان تلك الجهات هي من تروج للحرب الأهلية وهي من تضع الرأي العام العراقي في مأزق اليأس من الخلاص من الوضع الراهن وتداعياته الخطيرة.
ان الحكومة الحالية بإمكانها ان تمدد سلطاتها لأشهر بدون أن يكون هناك (فراغ دستوري) وهي تبقى تتمتع بكل الصلاحيات مادامت قضية الانتخابات لم تحسم، وان الجدل هو بشأن بعض نتائج الانتخابات، وما رافقها من عمليات تزوير، يمكن حلها، ولو لم تكن هناك انتخابات لكان الأمر قد تحول الى (حكومة تصريف أعمال)، لكن الحالة العراقية الان لن تدخل في مرحلة فراغ دستوري كما يؤكد فقهاء القانون.
 وان بإمكان الكتل الكبيرة ان تتوافق مع الرغبة الشعبية والاقليمية الساعية الى حل الأزمة بأقل الخسائر عبر تفاهمات لحلحلة الأزمة، وإشراك الجميع في الحكومة، أي حكومة ممثلة لجميع الاطياف الوطنية ومن يريد ان يكون في صف المعارضة فيمكنه اللجوء الى هذا الخيار، ويبقى قوة ضاغطة على الحكومة تصحح مساراتها، وقد تحين لها الفرصة لاسقاطها ان لم تتوفر للحكومة سبل النجاح وعبور الأزمات.
فتعقيدات الوضع العراقي حيرت ليس المتابعين للشأن السياسي العراقي ورجال القانون، بل أربكت حتى خبراء الاستراتيجية الأمريكية أنفسهم ،الذين تروادهم كثير من الشكوك وعلامات الريبة والقلق من تراكمات الوضع العراقي، وهم وإن كانوا ينظرون الى إن الحالة العراقية برمتها مسيطر عليها الى حد ما، الا انهم لايستبعدون أن يواجه العراقيون المخاوف من أن تخرج الأمور في بلدهم عن السيطرة.
موقف الولايات المتحدة من حكومة الانقاذ الوطني
تبذل كل من الولايات المتحدة واطراف اقليمية جهودا حثيثة لكي لاتخرج الأمور عن السيطرة في العراق، وبخاصة أن الولايات المتحدة امام مواجهة ازمات أخرى استجدت وهي ايران وقضية الوضع السوري والعلاقة مع كوريا الشمالية، وليس لديها الوقت للانشغال بأزمات أخرى في العراق، ولهذا فهي تبقى داعمة للتوجهات التي تدخل فيها الكتل السياسية العراقية كبيرها وصغيرها في تحالفات وتفاهمات وتوافقات، وتنهي تلك ألازمة في بضعة شهور قادمة، دون اللجوء الى خيار حكومة الطواريء او حكومة إنقاذ وطني.
الإدارة الاميركية دأبت على حث القادة العراقيين على تشكيل حكومة توحد العراقيين جميعاً وبأسرع وقت ممكن لكنها لم تطالب العراق بتشكيل حكومة انقاذ وطني، لكن واشنطن وضعت سيناريو جديدا يتضمن تقديم حكومة انقاذ وطني يترأسها العبادي كحل بديل في حال فشلت الانتخابات في تفادي ازمتها الحالية.
 حيث ان الادارة الامريكية بدأت تشعر بهاجس الخطر المحدق بالعراق وهي تحاول ان لاينطلق التغيير من الداخل ويختلف على قواعد اللعبة التي وضعتها. فواشنطن تحاول من خلال تقديم حكومة انقاذ تسويقها للشعب العراقي والقوى السياسية بهدف انضاجها وتمريرها في البرلمان. وستتكون هذه الحكومة من عشرة وزراء هم الذين سيكونون حكومة الانقاذ ويكونون مقبولين من قبل السفارة الامريكية في بغداد.
ومنذ إن تسلم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكم، ورسائل الغزل تتواصل بين المعارضين لسياسة الأحزاب الشيعية وبين الإدارة الأمريكية الجديدة، حيث أشاد ترامب بدور صدام حسين بقمع الإسلاميين اثناء فترة حكمة، خصوصا أن ترامب كان قد أعلن اكثر من مرة أثناء حملته الإنتخابية عن اعتراضه على طريقة إسقاط نظام صدام، وما آلت إليه الأمور بعد عام 2003 ِ ومنذ ذلك الحين دأب المحسوبين على نظام البعث بإستعراض خدماتهم، للتعاون مع الأمريكان لكن يبدو أن موضوع إعادة هؤلاء للحكم مرة ثانية يتعلق بموقف الأمريكان نفسهم، وقناعتهم لإعادة عقارب الساعة إلى وراء، وتحقيق حلم العودة.
إن الرفض الشيعي للتواجد الأمريكي في العراق، ربما سيؤدي لتفاقم الخلافات بينهم وبين الإدارة الأمريكية التي أعلنت إنها ستجاهد للاستيلاء على نفط العراق الذي حررته من طاغية دمر العراق طوال فترة حكمه، وفي المقابل لم يتلق الأمريكان سوى رسائل إطمئنان وعدم ممانعة لتواجد قوات أمريكية صديقة، من جهات محسوبة على السنة وتميل لإعادة البعثيون لسدة الحكم، والذين عبروا بدورهم عن جاهزيتهم لأي دور في المستقبل خصوصاً انهم لم يدينوا اي تواجد أمريكي جديد في قاعدة عين الأسد وبلد والقيارة وغيرها.
في الآونة الأخيرة إنتشرت، بعدة وسائل إعلام امريكية وعبر صفحات التواصل الإجتماعي قوائماً تحوي أسماء، يدعي ناشريها بأنها أسماء لمجلس حكم جديد أو حكومة إنقاذ وطني كما يسمونها، والحقيقة، إن هذه الأسماء هي لأساتذة مختصين ساهموا بدراسة مستقبل العراق تحت اشراف مركز اطلانتك وهو مركز للبحوث والدراسات الإستراتيجية في واشنطن.
وهذه الدراسة موجودة على موقع المركز وليس لها اي علاقة بمشروع لحكم جديد في العراق، وكانت تحت إشراف السفير الأمريكي السابق ريان كروكر وشملت عدداً كبيراً من الشخصيات والمؤسسات، بما فيها مراكزا للدراسات الإستراتيجية العراقية، وربما تكون هذه القوائم جسّ نبض الشارع العراقي، لدراسة تقبل أو عدم تقبل تغيير النظام الحالي.
سيناريو البيت الشيعي لتشكيل الحكومة العراقية
 
شاهو القره داغي
تمهيد
تزامنت الانتخابات العراقية التي أجريت في 12 مايو 2018 مع العديد من المتغيرات و الاحداث الدولية و الإقليمية و الداخلية التي تؤثر بشكل مباشر على عملية تشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي لتشكيل الحكومة العراقية القادمة و تجعل العملية أكثر تعقيداً من الدورات السابقة التي تميزت بوحدة و تماسك الأطراف الشيعية و الكردية ولكن في الوقت الحالي فالطرف الشيعي و الكردي أيضا يعاني من الانقسامات و المشاكل الداخلية .
ومن أبرز الأسباب التي تقف وراء تعقيد تشكيل الكتلة الأكبر :.
أولاً : الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران ، مع وجود نية أمريكية لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة وخاصة في العراق لأنها من المعاقل الرئيسية لحلفاء طهران من الميليشيات الطائفية و الأحزاب السياسية التي تعمل على تنفيذ السياسات الإيرانية في العراق و تُحول العراق إلى تهديد مستمر على المصالح الأمريكية و الدول المجاورة للعراق، وهذا التدهور في العلاقات الأمريكية-الإيرانية أحدث انقساماً داخل الأحزاب و الأطراف العراقية بين هذين المحورين، وهذا الأمر سيُصعب عملية تشكيل الكتلة الأكبر بسبب وجود النفوذ الميداني الإيراني و الضغط الأمريكي على القوى السياسية مما يُعقد تشكيل الكتلة الأكبر، وميدانياً يعمل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بشكل مكثف على التأثير على القوى الشيعية ، بينما يقوم مبعوث الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ماكغورك بزيارات مكوكية إلى العراق لتشكيل جبهة بعيدة عن النفوذ الإيراني . (1)
ثانياً : مقاطعة أغلبية المواطنين في العراق لعملية الانتخابات بسبب فقدان الثقة بحدوث تغيير حقيقي عن طريق الانتخابات بسبب عدم حدوث أي تغيير نتيجة الانتخابات الثلاثة السابقة ، وبعد إجراء الانتخابات ظهرت موجه من الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية التي تعتبر الحاضنة الشعبية للأحزاب الشيعية التي تحكم العراق منذ (2005) ، وهذا الحراك المستمر يؤثر بشكل كبير على الأحزاب الشيعية لتحديد سياساتها المستقبلية لأنها تخشى من انتشار وتوسع المظاهرات و تهديد العملية السياسية برمتها وهذا ما يدفعها إلى الاخذ باعتبار الاحتجاجات و زيادة السخط الشعبي ضد السياسات الحكومية للأحزاب الشيعية الحاكمة .
ثالثاً:  الكتل الفائزة في الانتخابات الأخيرة نتائج مقاعدها متقاربة جداً بخلاف نتائج الانتخابات في (2010 ) و عام (2014) ، حيث كانت هناك ثلاث كتل كبيرة فقط في انتخابات 2010 وهي ائتلاف دولة القانون و ائتلاف الوطنية و الائتلاف الوطني الموحد ، وفي عام 2014 كان الفارق بين كتلة دولة القانون (نوري المالكي) و الكتل الأخرى شاسعاً جداً بين الكتلة الأولى (دولة القانون ) و ثاني كتلة وهي الاحرار التي حصلت على 34 مقعد و الفارق بينهم كان (58) مقعداً.
بينما في الانتخابات الأخيرة حصل تحالف “السائرون ” بقيادة الصدر على (54) مقعد، وتحالف “الفتح” برئاسة هادي العامري على (48) مقعد ، و ائتلاف “النصر” برئاسة حيدر العبادي على (42) ، و “دولة القانون” برئاسة المالكي على (25) مقعد ، ثم “تيار الحكمة” برئاسة عمار الحكيم على (20) مقعد .
إعادة إحياء التحالف الشيعي
من الواضح أن هناك العديد من السيناريوهات لتشكيل الكتلة الأكبر بين الأحزاب السياسية و الكتل الفائزة في الانتخابات ، ومن ضمن هذه السيناريوهات التي يعمل طهران على تحقيقها و ظهرت عن طريق محاولات و جهود الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي يحاول جمع فرقاء الشيعة على طاولة واحدة للوصول إلى اتفاق فيما بينهم لتجنب حدوث تصادم شيعي-شيعي يؤثر سلبياً على دور الشيعة داخل الدولة و يمنح الآخرين فرصة استغلال المشاكل الشيعية الداخلية لفرض المزيد من المطالب و بالتالي سيؤدي تدريجياً إلى تراجع النفوذ الإيراني في العراق.
كشف صحية الاخبار اللبنانية في السادس عشر من أيار أن “قاسم سليماني” استهل زيارته إلى العراق بمقابلة السياسي الشيعي إبراهيم الجعفري رئيس التحالف الوطني (سابقاً) وقد طلب منه أن يعلب دور الوسيط لجمع الفرقاء الشيعة لما يتمتع به من مقبولية لديهم ، ولكن الجعفري طلب التأني لحين محرفة الاحجام الانتخابية الدقيقة لكل تحالف . (2)
وبعد تصديق نتائج الانتخابات من قبل المحكمة الاتحادية و ظهور النتائج الدقيقة لكل الكتل و الأحزاب السياسية من الواضح أن من الممكن تحقيق هذا السيناريو بسهولة ، حيث من الوارد دخول جميع الائتلافات الشيعية الخمسة الكبيرة (سائرون، الفتح ، النصر، دولة القانون ، الحكمة)  في تحالف واحد بالإضافة إلى بعض الكتل الصغيرة ليتم تشكيل كتلة قوامها (195) نائباً، و يتم تشكيل الحكومة بشكل مريح فيما بعد ، ومن خلال محاولات التفاهم بين الفتح و سائرون و جزء من النصر من جهة ، و التحالف بين سائرون و الحكمة من جهة أخرى ، وتجميد الخلاف بين سائرون و دولة القانون من جهة ثالثة، ستجد الكتل الشيعية نفسها في تحالف واحد . (3)
استثمرت طهران كثيراً في الأحزاب السياسية الشيعية في العراق ليكونوا جاهزين لمساعدة طهران عند المشاكل ويفتحوا الأبواب أمام التدخلات الإيرانية في العراق، وخلال السنوات الماضية نجحت طهران في التغلغل إلى كامل مرافق الدولة العراقية عن طريق هذه الأحزاب ، وبعد ظهور تنظيم داعش قامت طهران بإنشاء العديد من الميليشيات الطائفية التي تتلقى الدعم المادي و التوجيه من المرشد الإيراني علي خامنئي بشكل مباشر، ليكونوا بديلاً جاهزاً في حال مجيء حكومة عراقية وطنية تتعارض أهدافها مع المصالح الإيرانية في العراق، وتعمل إيران على منع حدوث صراع شيعي-شيعي داخل العراق لأن هذا السيناريو سيؤدي إلى ضعف الشيعة بشكل عام و تقوية الكرد و السنة و تشكيل خطر على إيران من الناحية الأمنية و عدم قدرة طهران على التحرك داخل العراق بسهولة ، ولذلك أرسلت إيران نجل المرشد “مجتبى خامنئي” إلى العراق لإعادة الحياة للتحالف الوطني الشيعي لتشكيل الحكومة العراقية و توحيد القوى و الأحزاب الشيعية من جديد بالتزامن مع زيارات الجنرال “قاسم سليماني” وهذا دليل على خطورة الموقف بالنسبة إلى إيران . (4)
دوافع عودة البيت الشيعي من جديد
هناك جملة من الأسباب التي قد تدفع باتجاه عودة البيت الشيعي مجدداً برعاية إيرانية :.
أولاً: بقاء التخندق الطائفي و القومي على الساحة السياسية ، حيث أن الكتل الكردية البارزة و الفائزة تعمل على تشكيل تحالف كردي كبير يتشكل من جميع الأطراف الكردية السبعة التي نجحت في الحصول على مقاعد في الانتخابات الأخيرة للذهاب إلى بغداد عن طريق كتلة واحدة و قوية و فرض شروط و مطالب قومية موحدة فيما يتعلق بكركوك و الموازنة و الحقوق القومية على الأطراف الشيعية في بغداد و اشتراط تحقيق المطالب الكردية على الكتل الأخرى للتحالف معها لتشكيل الحكومة القادمة مما قد يدفع الأطراف الشيعية أيضا للتفكير بالعودة إلى التحالف الشيعي و التخلي عن الشعارات الوطنية العابرة للطائفية و المذهبية التي كانوا يرفعونها قبل الانتخابات لكسب الأصوات .
ثانياً : إعادة الكتل السنية التي كانت تعاني من التشرذم و الانقسام للخروج برؤية واحدة مشتركة للبيت السني للتفاوض مع الكتل الشيعية الأخرى ، ورغم المحاولات العديدة للقيادات السنية بتشكيل تحالف مشترك إلا أن كثرة الرعاة و الداعمين للسنة يعرقل تحقيق هذا الهدف السني ولكنه قد يدفع الشيعة إلى العودة إلى المربع الأول .
ثالثاً :تحول أحد الكتل الشيعية الأساسية للمعارضة يعني إعاقة عمل الحكومة و المؤسسات و تحشيد المواطنين ضد الحكومة مما قد يؤدي إلى زيادة المشاكل و زعزعة الاستقرار و انهيار الحكومة بشكل سريع و العملية السياسية أيضا، وهذا الأمر يدفع طهران إلى بذل كل الجهود في سبيل لمشاركة كافة الكتل الشيعية في الحكومة و ارضائها حتى لا تعرقل الحكومة في هذه الفترة المصيرية بالنسبة لإيران لأنها بحاجة إلى العراق لتجاوز العقوبات المفروضة عليها .
رابعاً : الضغط الإيراني على الأطراف الشيعية لإحياء التحالف الشيعي من جديد ، وخاصة أن إيران لديها الأدوات و وسائل الضغط على الأطراف الشيعية و بإمكانها زعزعة الاستقرار و إحداث مشاكل أمنية في العراق في حال عدم انصياع الأطراف الشيعية للتوجيهات الإيرانية ، ومن الواضح أن الأطراف الشيعية لا تستطيع التمرد على التوجيهات الإيرانية إلا في حال تدخل أمريكي قوي إلى جانبهم مع نية حقيقية لإضعاف النفوذ الإيراني داخل العراق .
.
العراقيل أمام عودة تفعيل البيت الشيعي
أولاً : تواجد العديد من أعضاء سنة في كتلة (سائرون و الفتح و النصر) و بالتالي قد لا يكون من السهولة العودة إلى البيت الشيعي و التخندق الطائفي ما يسبب إحراجاً كبيراً لهؤلاء الأعضاء الذين انضموا لهذه الكتل بحجة انها كتل عابرة للطوائف و الايدولوجيات و أنها كتل وطنية تضع الأولوية لمصلحة العراق فقط وليس للأجندة الخارجية و في حال العودة إلى هذا المربع قد يلجأ هؤلاء الأعضاء إلى الانسحاب من هذه الكتل لأنها لم تعد وطنية و عابرة للطوائف في هذه الحالة.
ثانياً: الخشية الإقليمية من عودة التحالف بين الأحزاب الشيعية و هو أمر لا تحبذه الدول المجاورة للعراق ، لأن تجربة هذه الدول مع التحالف الشيعي ليست مشجعة للتكرار بسبب المشاكل و الأزمات التي عصفت بالعراق و هددت دول الجوار و تسببت في تدهور العلاقات الدبلوماسية و فتحت المجال أمام إيران لاستخدام العراق كجزء من سياساتها الخارجية و احتكار السوق العراقي و منع باقي الدول من بناء علاقات سليمة و ودية مع العراق.
ثالثاً : الاحتجاجات الشعبية تضمنت العديد من المطالب منها انتقاد التخندقات الطائفية و الأحزاب الدينية الشيعية التي حكمت منذ (2015) ولم تنجح في تحويل الشعارات البراقة إلى أفعال على أرض الواقع وبالتالي من الواضح أن التوجه لهذا الخيار قد يؤجج الشارع أكثر في ظل تردي الخدمات و الأوضاع الإنسانية و الصحية في الشارع العراقي  ومن الصعب أن يجازف الأحزاب الشيعية بالتوجه نحو خطوة قد تؤدي إلى انهيار العملية السياسية بسبب زيادة الاحتجاجات.
رابعاً : الانزعاج الأمريكي من النفوذ الإيراني داخل العراق، و بروز قناعة لدى الإدارة الامريكية بضرورة إرجاع العراق و محاربة الأطراف المتحالفة مع طهران ، وقد زاد التواجد العسكري الأمريكي في العراق وخاصة في مناطق الانبار و المناطق الحدودية مع سوريا، مع بناء اكبر قنصلية في العالم في أربيل وهذا يعني نية أمريكية للبقاء في العراق وعدم السماح للميليشيات الطائفية التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية إرهابية بالسيطرة على البلاد مجدداً ، وهذا قد يدفع بعض الأطراف الشيعية للابتعاد عن الأطراف القريبة من إيران لأنها لن تتحمل التعرض لعقوبات أمريكية .
سيناريو الحكومة الموسعة
أعلنت المحكمة الاتحادية يوم الأحد 19 آب  مصادقتها على النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب ، بعدما أرسلت مفوضية الانتخابات النتائج في 16 آب إلى المحكمة الاتحادية من أجل المصادقة على النتائج بعد الانتهاء من النظر في الطعون .
كان الأطراف الشيعية و الشخصيات السياسية و بعض القيادات السنية قبل الانتخابات تنتقد نموذج الحكم في العراق منذ (2003) وحتى الآن و تعتبر أن الحكومات الماضية فشلت في توفير أبسط الخدمات للمواطنين و هذا الأمر بسبب الحكومات الائتلافية التي شارك فيها الجميع و تم تقسيم الحصص بين الأطراف دون وجود معارضة فعالة تراقب أداء الحكومة و تعمل على تصحيح الأخطاء الموجودة و لذلك كانت تطرح سيناريو حكومة الأغلبية السياسية لأنها قد تكون الأنسب لهذه المرحلة .
ومن الأطراف الشيعية التي تدعوا بقوة لتشكيل حكومة أغلبية سياسية ائتلاف “دولة القانون “بقيادة نائب الرئيس العراقي نوري المالكي والتي “تدعوا للابتعاد عن نموذج الشراكة الوطنية المعتمدة منذ 2003 والتي قامت على مبدأ شراكة جميع الكتل السياسية، الشيعية و السنية و الكردية ، في الحكومة  . ” (5)
ولكن الأطراف الأخرى لا توافق على هذا المقترح لأنها ترى أن العراق يتكون من ثلاث مكونات رئيسية “الشيعة و السنة و الكورد” وفي حال تطبيق هذا النموذج من الحكومة ، فإنها تكون في مصلحة الأطراف الشيعية على حساب تهميش الأطراف السنية و الكردية و بالتالي سيحدث اختلال بين المكونات و يتسبب في تدهور الأوضاع السياسية و زعزعة الاستقرار في المرحلة القادمة مع حاجة العراق إلى الاستقرار بعد صراع مع تنظيم داعش و احتمال عدم قدرة المعارضة على محاسبة الحكومة في هذه الحالة.
ولكن يبدوا من الواضح أن هناك مطالب دولية لتحقيق حكومة موسعة تضم كافة الأطراف دون إقصاء أحد ، حيث صرح مبعوث الأمم المتحدة في العراق حول تشكيل الحكومة العراقية بأن “الأمم المتحدة تأمل في تشكيل حكومة موسعة بعيدة عن الطائفية لشعب العراق ، وطالب كوبيج السياسيين بضرورة تحقيق مطالب المواطنين و الاستعجال في تشكيل الحكومة الموسعة و مواجهة الفساد و تحقيق فرص العمل للجميع”.
من المعروف أن العديد من الدول الفدرالية لديها حكومة موسعة تعمل بموجبها على توزيع السلطات بشكل واسع بين الأطراف المشاركة في الانتخابات ، ومن إيجابيات هذه الحكومة أن الأحزاب و الكتل السياسية تشعر بأهمية وجودها في الحكومة و في عملية إصدار القرار و هذه الحكومة عامل من عوامل الاستقرار السياسي و الأمني و الاقتصادي ، ويدفع الأطراف السياسي لتحمل المسؤولية في الحكومة ، بالإضافة إلى عدم شعور الأقليات بالتهميش لأنها مشاركة في الحكومة.
ولكن في نفس الوقت تحتاج هذه الحكومة إلى وجود ثقة و علاقة ممتازة بين الأطراف السياسية المشاركة فيها لضمان نجاحها في مهامها، ولكن في العراق نرى أن هناك صراع بين الأحزاب السياسية ، مع فقدان الشفافية و حكم القانون مما قد يؤدي الى فشلها في تحقيق أهدافها ، بالإضافة إلى عدم وجود شراكة حقيقية حسب التجارب السابقة في العراق، فالطرف الشيعي دائماً يعمل على احتكار المناصب و تهميش السنة و الكرد و باقي المكونات و بالتالي يشعر هذه الأطراف بالتهميش ولذلك لا يعملون على تحقيق برامج الحكومة و نجاح خطواتها الإصلاحية بقدر ما يعملون على تحقيق مصالح خاصة مرتبطة بهم داخل الحكومة.
وفي هذا السياق كتب الباحث شون ماكغوفين في موقع ناشيونال إنترست الأمريكية : أنه منذ أن استكملت الولايات المتحدة سحب جنودها من العراق عام 2011 ، تركزت السياسة الأمريكية على الهزيمة العسكرية بتنظيم داعش مع قليل من الالتفات إلى السياسات العراقية المحلية وهذا الأمر خطأ،  لأن المالكي قام بتجيير المؤسسات الحكومية لمصلحة الغالبية الشيعية ، ويمكن ملاحظة ذلك إلى حد كبير في القوات الأمنية العراقية ، حيث كانت نسبة الشيعة في قوى الامن الداخلي 55% ، ولكن هذه النسبة ارتفعت إلى 95% في عام 2015، ثم تم استغلال تنظيم داعش في التوترات الطائفية للحصول على الدعم المحلي ، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تدعم حكومة ائتلافية في العراق الجديد تشكل فترة الاستقرار و تشارك الولايات المتحدة في بناء القيادة المستقبلية للعراق ” . (6).
في الانتخابات السابقة كانت الأطراف الشيعية موحدة في التحالف الشيعي أو منقسمة على طرفين أو ثلاثة ولكن في هذه الانتخابات هناك خمسة كتل شيعية، بينما الأطراف السنية تعمل على توحيد صفوفها للحصول على مكاسب أفضل في الحكومة القادمة، أما الأكراد يعانون لأول مرة منذ 2003 من الانقسام و التشرذم بالرغم من المحاولات المستمرة لإحياء التحالف الكردستاني وجمع الأطراف الكردية جميعها في تحالف واحد للمشاركة في مفاوضات تشكيل الحكومة ، وهذا الانقسام بين الأطراف السياسية قد يُعقد تشكيل الحكومة الائتلافية الموسعة القادمة مقارنة بالحكومات السابقة ، ولكن على الرغم من معارضة بعض الأطراف السياسية لهذا النموذج الذي أثبت فشله في السابق إلا أنها قد تكون مواقف مبنية لغرض الانتخابات وكسب الأصوات فقط ولا تتحول لموقف عملي داخل مفاوضات تشكيل الحكومة ، فالجميع يسعى للمشاركة في الحكومة و الحصول على أكبر حصة من المناصب في مؤسسات الدولة دون التفكير بإجراء تغيير حقيقي وخاصة في ظل استمرار المظاهرات المطالبة بتحسين الخدمات وتوفير مستلزمات العيش.
في حال تكرار نموذج الحكومة الموسعة و مشاركة جميع الأطراف فيها فهذا يعني تكرار النماذج السابقة و تكرار الأخطاء و استمرار الفشل بغض النظر عن الكتلة التي تختار رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء سيكون شخصية ضعيفة في غياب معارضة فعالة تستطيع مراقبة الحكومة وتكون مصدر قلق للمسؤولين و الأحزاب لتقويم سلوكهم و مراجعة افعالهم، وبالتالي سيزيد من تعقيدات المشهد ولا يلبي احتياجات المواطنين مما سيؤدي لزيادة المظاهرات و الاحتجاجات في الشوارع بسبب عدم وجود تغيير في عقلية الأحزاب السياسية و تدوير الوجوه السياسية من خلال الانتخابات و تكرار نفس الشعارات و الوعود التي تم اطلاقها سابقاً.
1-احتدام الصراع الأميركي ـ الإيراني لإخراج الكتلة الأكبر في العراق https://aawsat.com/home/article/1368111/%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%84%D8%A5%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82 )
2-السيناريوهات المحتملة ما بعد الانتخابات / مركز حمورابي للدراسات و البحوث (http://hcrsiraq.org/1957–.html )
3-مخاضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة (http://almasalah.com/ar/news/148125/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9 )
(4)https://www.lebanese-forces.com/2018/06/13/son-of-khamenei-in-iraq بعد سليماني نجل خامنئي في العراق… ومخطط إيراني جديد /
(5)https://www.eremnews.com/news/arab-world/1214637
(6)http://www.alaalem.com/?aa=news&id22=48535
 
خاتمة البحث المشترك
 
صادقت المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، وفتحت مصادقة المحكمة الاتحادية، الباب امام توقيتات دستورية ملزمة لاتعقاد مجلس النواب الجديد، وانتخاب رئيس جمهورية الذي سيكلف مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا، بعد ان اعلن رئيس الجهورية الحالي فؤاد معصوم انعقاد مجلس النواب في الثالث من ايلول2018.
وقد لا يتحقق نصاب الجلسة الاولى  ان فشل تشكيل الكتلة الاكبر، وفشلت الكتل الاسياسية في التوافق على الرئاسات الثلاث بصفقة واحدة، وان تحقق النصاب دون الكتلة الاكبر، فقد يكلف رئيس الحمهورية مرشح سائرون، باعتبارها الكتلة النيابية الاكثر عددا، الذي قد ينجح او يفشل في تشكيل حكومة جديدة، لينتقل التكليف من كتلة نيابية لاخرى.
وحتى ينجح احدهم في تشكيل حكومة جديدة، او تتشكل الكتلة الاكبر، او تتطور التداعيات الى سيناريوهات تجيب عنها الاحداث القادمة، بسبب احتدام الخلاف بين العبادي والحشد الشعبي التابع للمهندس،فان  ازمة العراق  السياسية قد تبقى مفتوحة، بانتظار حالة طوارئ او تكرار سيناريواليمن، سامراء، او الموصل.
ومهما كانت السيناريوهات فان ولادة  خارطة سياسية جديدة قد بات واقعا مفروضا لتغير معادلة القوة على الارض، بسبب عدد من الفوارق الجوهرية  التي اشارت لها الورقة، وقد يبقى العراق رهين  مشهد انتقالي وحكومة تصريف اعمال، حتى تنضج مستجدات الصراع الاميركي ضد نظام ومحموور ايران الاقليمي.