تلوث مياه البصرة .. قنبلة جيوسياسية موقوتة

د. عمر عبد الستار
مستشار مركز العراق الجديد
طوال التاريخ كانت الحروب تقليدية، التي تخوضها الجيوش الكلاسيكية، والفتن والحروب الاهلية، معبراً لتحقيق مآرب الدول ومصالحها.
اما اليوم، فهناك انواعاً جديدة ومبتكرة من الحروب، منها الحروب الناعمة، كحروب المياه والجفاف والاوبئة والهجرات البشرية العابرة للحدود، في وقت تحتل فيه  الحدود الدولية و أمنها مكانة كبيرة في العلاقات الدولية؛
واذا تحدثنا عن تلوث مياه البصرة، فاننا نتحدث عن قنبلة  وبائية قد تنفجر في اي وقت،  محدثة تداعيات جيوسياسية وامنية غير متوقعة.
في هذا الاطار، يُعدّ أمن الصحة العامة عامل  استقرار او تهديد محلي واقليمي و دولي، ويحتاج أكثر من أيّ وقت مضى الى تعاون دولي، شانه شان اي عامل غير دولتي عابر للحدود، كـالجماعات الإرهابية و الجريمة المنظمة، والتهريب و التجارة بالمخدرات، والأسلحة ، والإتجار  البشر ، والهجرة غير النظامية.
فقد يكون تلوث المياه وارتفاع معدلات الاصابة في البصرة، من بواكير  جائحة صحية قادمة قد تجتاح محافظات الجنوب والفرات الاوسط، في ظل الفوضى الامنية والسياسية التي تجتاح العراق والتصعيد الاميركي الايراني على العراق الذي بلغ ذروته في عام ٢٠١٨.
ياتي هذا في وقت تشكو محافظات العرب السنة من فراغ سكاني (مفتعل)، وسيطرة الحشد الشعبي عليها بعد تحريرها من داعش، مما قد يؤهلها لتكون مكان جذب لهجرة بشرية شيعية قادمة من الجنوب، او من ايران اذا اضطربت فيها الاوضاع.
وان يكون للبصرة حدود مع ايران وفيها سيطرة لمليشيات ايران، مع انتفاضة شعبية منذ٩ تموز الماضي، فهذا يعني  ان العراق يواجه قنبلة وبائية موقوتة قد تنفجر في اي وقت، وتهدد الامن المحلي والاقليمي والدولي، وقد تحتاج الى  تدويل شانها شان بقية ملفات العراق الامنية والسياسية والاقتصادية.
خاصة في ظل الصمت الحكومي او الشعور الزائف بعدم وحود حاجة ماسة لاعلان حالة طوارئ صحية، وظروف قد تجبر الناس على الهجرة القسرية هربا من العيش في بيئة ملوثة  وظروف يطبعها الفقر وانعدام النظافة.
وانفجار القنبلة الوبائية والسكانية قد يكون سلاحا مزدوجا تصطاد به ايران عصفورين او اكثر بحجر واحد، اذ تقطع بذلك اي محاولة لاقامة اقليم سني من جهة، وقد تشعل من جهة اخرى، فوضى جديدة مناسبة لعودة داعش.
 وللوقاية من حصول هذه التداعيات المحتملة، فان تدويل الشان الصحي في البصرة، لا يقل اهمية عن  تدويل الملف الامني ضد داعش، وتدويل الشان الصحي في البصرة يعني دخول الشان الصحي في العراق تحت اشراف منظمة الصحة العالمية.
وتستند اللوائح الصحية الدولية المنقحة (2005) لمنظمة الصحة العالمية، إلى فكرة أنّه لا يمكن لأيّ بلد توفير الحماية التامة لمواطنيه بطريقة منعزلة أو من خلال مراقبة الحدود بشكل تقليدي.
وتلك اللوائح المنقحة الجديدة هي مجموعة من القواعد التي ينبغي للبلدان اتباعها لتقييم الطوارئ الصحية العمومية التي يمكن أن تسبّب قلقاً دولياً وإبلاغ منظمة الصحة العالمية بها.
وتضمن التعاريف الواسعة التي وُضعت لمصطلحات “المخاطر الصحية العمومية” و”المرض” و”الحدث” تغطية المخاطر الناجمة عن إطلاق العوامل البايولوجية أو الكيميائية أو مواد الإشعاع النووي بطريقة عرضية أو متعمدة.
ومنذ دخول اللوائح الصحية الدولية (2005) حيّز النفاذ قامت البلدان الأعضاء في منظمة الصحة العالمية تقريباً، والبالغ عددها 193 دولة، بإنشاء مركز الاتصال المعني بتلك اللوائح على المستوى الوطني ، إذ تم إنشاء 179 من تلك المراكز.
ومنذ إنشاء تلك المراكز تلقت المنظمة، بانتظام، إنذارات بوقوع أحداث صحية، واضطلعت بعمليات مشتركة لتقييم تلك المخاطر مع البلدان المعنية وتبادل معلومات في الوقت المناسب مع سائر الدول الأعضاء.
تقول الدكتورة مارغريت تشان، المديرة العامة السابقة لمنظمة الصحة العالمية، إنّ تحسين الأمن يستوجب تضامناً على الصعيد العالمي نظراً لمواطن الضعف التي بات يعاني منها العالم أمام هذه الأخطار.
كما ان بيل غيتس، رئيس شركة مايكروسوفت، قد حذر البشرية من نوع جديد للإرهاب، قادم بقوة فيما العالم غير مستعد لمجابهته.
وقال غيتس خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس٢٠١٧ ، إن الإرهاب البيولوجي أو الإرهاب الذي يعتمد على الانتشار الهادف للعديد من الأوبئة يمكن أن يصبح مشكلة خطيرة وهو ما يستدعي بدء العمل على معرفة كيفية مكافحته من الآن.
وأشار غيتس إلى أنه “من الصعب للغاية تقييم احتمال وقوع الإرهاب البيولوجي لكن الضرر المحتمل ضخم جدا.
وأضاف غيتس “أعتقد أن الوباء، سواء كان بشكل طبيعي أوعمدا، يسبب على الأقل 10 آلاف حالة وفاة إضافية” وأعرب عن قلقه سابقا، عبر رسالة كتبها، بشأن “كيفية منع مجموعة صغيرة من الإرهابيين من استخدام الوسائل النووية أو البيولوجية لقتل الملايين.
وقد تم، منذ عام 1967، اكتشاف ما لا يقلّ عن 39 من العوامل الممرضة الجديدة، بما في ذلك الفيروسات المسبّبة للأيدز وحمى إيبولا النزفية وحمى ماربورغ والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة وحمى ماربورغ التي ظهرت في أوغندا.
أمّا الأخطار الأخرى القائمة منذ عدة قرون، مثل الإنفلونزا الجائحة والملاريا والسل، فلا تزال تهدّد صحة الإنسان بسبب تعرّضها لمجموعة من الطفرات وزيادة مقاومتها للأدوية المضادة للجراثيم وهشاشة النُظم الصحية.
وفي هذه الخلاصة توصيات أساسية لضمان أكبر مستوى من الأمن الصحي العمومي على الصعيد العالمي:
١-التطبيق الكامل من جانب جميع البلدان للوائح الصحية الدولية والتعاون العالمي في مجال الترصد والإنذار بحدوث الفاشيات والاستجابة لمقتضياتها.
٢-تبادل المعارف والتكنولوجيات والمواد بطريقة منفتحة، بما يشمل الفيروسات وغيرها من العينات المختبرية، وذلك أمر لابد منه لبلوغ المستوى الأمثل من الصحة العمومية العالمية المأمونة.
٣-المسؤولية العالمية عن بناء القدرات في إطار البنية التحتية للصحة العمومية في جميع البلدان.
٤-التعاون عبر القطاعات داخل الحكومات.
٥-زيادة الموارد العالمية والوطنية اللازمة للتدريب والترصد وبناء القدرات المختبرية وإقامة شبكات الاستجابة وشنّ حملات الوقاية.
روبط مفيدة
-المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، قائمة الخبراء للكفاءات اللازمة للمتخصصين في علم الأوبئة العاملين في مجال رصد الأمراض السارية والاستجابة لها (بالإنكليزية).
‏EPIET – البرنامج الأوروبي للتدريب على التدخلات الوبائية (بالإنكليزية)
‏ETHREAT – برنامج التدريب الأوروبي للأخاصائيين الصحيين حول الاستجابة السريعة للمخاطر الصحية (بالإنكليزية)
‏ETIDE – برنامج التدريب الأوروبي حول طوارئ الأمراض المعدية (بالإنكليزية)
‏IHR – موقع التدريب على اللوائح الصحية الدولية (بالإنكليزية)
البرنامج الأورومتوسطي للوقاية من الكوارث الطبيعية والناتجة عن النشاط البشري والاستعداد والاستجابة لها (PPRD South)
– الدليل التشغيلي للحماية المدنية الأورومتوسطية 2011
‏TEPHINET – برامج التدريب على شبكة التدخلات الوبائية وتدخلات الصحة العمومية (بالإنكليزية)
-المفوضية الأوروبية، المديرية العامة للصحة والمستهلكين – الإرشادات التقنية بشأن التخطيط للتأهب لطوارئ الصحة العمومية
منظمة الصحة العالمية وأوروبا – تقوية الاستعداد لحالات الطوارئ في الأنظمة الصحية. النصائح والمعلومات حول تقييم قدرة النظام الصحي على إدارة الكوارث. الجزء 1.
المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) – التقرير الفني: أداة تقييم مخاطر فيروس غرب النيل