هل سيعود الإرهاب ليدمر العراق من جديد

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      تعد المجاميع المسلحة المتشددة في العالم الإسلامي المادة الدسمة التي تسيل لها لعاب الإعلام الموجه والمؤدلج، فكل جهة توظف الفعل الإرهابي لهذه الجماعات لصالح رؤيتها وما تسعى لتحقيقه على الأرض، وجل مظاهر هذه الجماعات وشعاراتها وخطاباتها وأدبياتها وهم كبير تضلل به الرأي العام. يحضرني مقال كتب في تسعينيات القرن الماضي عن إحدى هذه الجماعات المسلحة المتشددة في الشيشان إن لم تخني الذاكرة أو على الأقل إحدى دول الاتحاد السوفيتي وعلى الأغلب طاجيكستان التي عرفت شخصية سلفية جهادية تدعى ب”خطاب” وكان لحركة خطاب صولات وجولات ضد روسيا، خلاصة ما قرأته في هذا المقال اكتشاف خطير وهو أن جل من حول خطاب في مجموعته المسلحة المتشددة من قيادات ميدانية ومساعدين ومعاونيين اكتشف أنهم من الاستخبارات أو المخابرات الروسية بالدرجة الأساس وهناك جهات أخرى، ومع اعتبار أن خطاب كشخصية جهادية لاغبار عليها من حيث الولاء إلا أن جل معاركه التي خاضها هي ترتبط بمناطق تمر منها أنابيب الغاز والبترول لصالح منظومات دولية، وبعد حين اغتيل خطاب من داخل حركته.
   من هذا المثال الصارخ فإننا حين نرصد توجه التنظيم الإرهابي الأشد شراسة في الشرق الأوسط بشكل عام وفي العراق وسوريا بشكل أخص فإننا لا نبتعد كثيرا عن المثال السابق، فالعراقيون المتابعون يعون أن التنظيم الإرهابي “داعش” ومن قبله القاعدة قد يكون على رأسها شخصية جهادية مؤدلجة صادقة وكذا الحال في صفوف ابنائها بشكل عام، إلا أن مفاصل التنظيم وقوامه يعود بالولاء إلى جهات استخباراتية دولية، لا نقول على سبيل الاختراق فهذا واجب هذه الأجهزة سواء كانت محلية أو أقليمية أو دولية للقيام بضربات استباقية تجهض الفعل الإرهابي على الأرض، وإنما على سبيل الفعل والتأسيس، في العراق المتابعون المختصون يعلمون أن معسكرات التدريب للعرب والمسلمين التي أقيمت في العراق زمن صدام  للتصدي للغزو الأمريكي يومذاك كان على رأسها مجموعة من ضباط الاستخبارت والمخابرات التابعة للدولة العراقية يوذاك، وبعد الاحتلال من المعلوم بالضرورة إن أولى المفاصل التي تستهدفها استخبارات العالم هي هذه الأجهزة سواء على مستوى التصفيات أو التجنيد والاستيعاب أو التحييد والاحتواء.
     من هذا المنطلق إذا ما أردنا تصنيف التنظيم الإرهابي الأشرس في الزمن الحاضر فإننا سنتجه لذات المعطيات، يعد التنظيم الإرهابي “داعش” شركة مساهمة للاستخبارات المحلية والإقليمية والدولية، لا تكاد تجد دولة لها نفوذ وهيمنة في الشرق الأوسط إلا ولها أسهم في “داعش” ولعلنا لا نجافي الحقيقة بمكان إذا رصدنا أربعة دول لها رصيد أكثر من غيرها في “داعش” وهي على التوالي من حيث التأثير الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، “إسرائيل” والحكومة الاتحادية، ويقينا هناك دول وكيانات لها تأثير ونفوذ غير أنها أقل من هذه الدول والحكومات. من هذه المقدمة نلج إلى جوهر الموضوع الذي يتناوله هذا المقال والذي يجيب عليه السؤال الآتي؛ هل انتهت “داعش” في العراق وسوريا؟ والذي سنركز عليه بين ثنيات السطور هو هل انتهى التنظيم الإرهابي في العراق فعلا؟؟
   يعد قوام التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا بحدود 30 ألف مقاتل(40% في العراق، 60% في سوريا) من 86 دولة، وكما تقول تقارير مختصة دولية يشكل هذا العدد ما يقرب من 8240 إرهابي من الشرق الأوسط، مع اعتبار الحرب التي تشنها دول الشرق الأوسط في العالم العربي على هؤلاء وبلا هوادة، ومن أوربا الغربية ما يقرب أو يزيد عن 5000 إرهابي، ومن بلدان المغرب العربي 8000 إرهابي، والبقية من بقية دول العالم ومن بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، مع اعتبار أن التنظيم في بداية أمرة لاقى ترحيبا محليا من قبل بعض الحواضن المتضررة من الإرهاب الطائفي الذي مارسته الحكومات في كل من العراق وسوريا، ومن جرائم الميليشيات المتجحفلة معها، لذا لم تكن مهمته وقتذاك صعبة في الحركة والتخفي حتى قبل تمكينه من أكبر المدن العراقية والسورية، وكما أشرنا من قبل لنركز على الساحة العراقية.
       تعد أعوام 2014 وما قبلها وما بعدها وصولا لعام 2017 أقسى سنين يمر بها العراق بعد أن سُلم على طبق من ذهب للتنظيم الإرهابي ما يقرب من 44% من الأراضي العراقية(محافظة الأنبار لوحدها تعدل ثلث العراق) أضف إليها الموصل وصلاح الدين وأجزاء من ديالى وكركوك. إن سبب تمكن التنظيم الإرهابي لم يكن عسكريا بالدرجة الأساس بل كان سياسيا بامتياز، في واحدة من الأخبار التي تناقلها بعض السياسيين أن القنصل الإيراني في إحدى المحافظات العراقية أخبر أحد القادة السياسيين وقبل سقوط الموصل بيد “داعش” بأشهر طويلة أنها ستسقط بيد التنظيم الإرهابي بعد ستة أشهر الأمر الذي حدث فعلا، فهل كان استشراف للمستقبل أم عن دراية بخطط التنظيم؟ هذه لا يعلمها إلا صاحب القول بعد الله تعالى. الذي يهمنا أن الخبر اليقين هو انسحاب القوات المسلحة العراقية أمام “داعش” بأمر عسكري صدر من مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية ويومها كان رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي القائد العام.
     وفي أعقاب معارك طويلة هي الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية كما يقول خبراء لم يعد “داعش” يسيطر حاليا سوى على أقل من 5% من الأراضي التي استولى عليها في العام 2014، فقد أعلن السيد العبادي نهاية التنظيم الأشرس في العراق خلال افتتاح مؤتمر الإعلام الدولي في بغداد، (السبت التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2017)  وقال؛ إن قواتنا سيطرت بشكل كامل على الحدود السورية العراقية، ومن هنا نعلن انتهاء الحرب ضد داعش. ودعا العبادي السياسيين إلى تجنب الخطاب التحريضي الطائفي لمنع عودة الإرهاب، مؤكداً أن عملية إعادة الإعمار ستشمل كل مدن العراق، قد يكون هذا الخطاب للاستهلاك العام لكون حجم الدمار الذي لحق بالمحافظات العربية السنية في العراق لا تكفي ميزانية الدولة كاملة للإعادة إعمارها فضلا عن ما يقتطعه العبادي من الموازنة العامة.
         وبعد الانتهاء من سردية التنظيم الإرهابي الأشد شراسة في التأريخ المعاصر واحتلاله لما يزيد عن 44% من الأراضي العراقية وتحرير هذه الأراضي بعد ثلاث سنوات عجاف، السؤال المهم مالذي تحقق على الأرض؟ ومن هو المستفيد الأكبر من هذا الفعل الإجرامي البغيض في العراق؟ تكمن الإجابة عبر ما تشكل واقعا على الأرض ضمن المحاور الآتية؛ هدم المحافظات العربية السنية على رؤس أبنائها، وتركيع ما بقي منهم للمشروع الطائفي الإقصائي، تأسيس الحشد الشعبي وتقنينه ورفده بأقوى الأسلحة بحيث يكون صنو الحرس الثوري الإيراني بعد حزب الله اللبناني، اتصال الهلال الشيعي من طهران مرورا ببغداد فدمشق فبيروت إلى سواحل الأبيض المتوسط، سيطرة الحشد الشعبي على المحافظات العربية السنية وبالتالي سيطرته على مخرجات الانتخابات ومفاصل الاقتصاد فيها بأبعادها كافة… النتيجة وخلافا للدستور وخلافا حتى لقانون هيئة الحشد الشعبي تشكل تحالف الفتح وفاز بالمرتبة الثانية بالانتخابات وبأصوات المحافظات العربية السنية، وفرض رؤيته على مسار العملية السياسية بالكامل عبر تحالف البناء والتفاهمات مع سائرون بمباركة الجنرال سليماني. إذن “داعش” انتهت مهمتها بنجاح ساحق بعد أن شوهت الدين الإسلامي الحنيف ومصطلح الدولة الإسلامية وشيطنة الإسلاميين من جهة، ومن جهة ثانية مكنت للمشروع الطائفي الإقصائي من رقاب العراقيين كافة.
     فهل انتهت “داعش” في العراق؟ الإجابة عن هذا السؤال المهم ذكره تقرير أمريكي في وقت سابق بعنوان “مستقبل داعش في العراق، لم يذهب داعش إلى أي مكان”، مشيرا إلى تصريحات مايكل نايتس، الخبير في شؤون العراق في معهد واشنطن للشرق الأدنى، الذي صرح بأن “داعش” في كل مكان فقدوا فيه القدرة على الحكم (أمام هجمات قوات الحلفاء)، انتقلوا على الفور إلى تنظيم متمرد (وليس كحكومة). تابع التقرير؛ فرحت الحكومة العراقية وحلفاؤها، وهم على حق، بالانتصارات ضد الجماعة في العام الماضي، كان ذلك متوقعاً من بلد يظل يعيش سنوات من الحروب، والاضطرابات، لكن، بالنسبة إلى “داعش، فإنهم يعدون فقدان المدن العراقية الرئيسية التي كانوا يسيطرون عليها معلماً واحداً من معالم كثيرة على طريق طويل لصراعهم. و أنه في المحافظات الثلاث ذات الأغلبية السنية حيث كان “داعش” ذات يوم مهيمناً (ديالى، وصلاح الدين، والأنبار)، عاد داعش الآن للقيام بهجمات متمردة قوية. نقل التقرير قول الخبير الأميركي نايتس الذي عاد من العراق أخيراً، بعد أن قابل مسؤولين وخبراء ومواطنين ؛ يقاتل داعش الآن بالصورة نفسها التي قاتل بها عام 2013، حيث لا يفعل داعش العراق الآن أكثر مما فعل قبل 5 أعوام.