مستقبل الاصولية الشيعية

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
في نهاية سبعينيات القرن الماضي برزت في العالم الاسلامي اصوليتان متناقضتان احدهما اصولية شيعية والاخرى سنية، واسباب بروزهما مختلفة، فالاصولية الشيعية جاءت وعلت بعد انتصار ثورة الخميني ضد شاه ايران، اما الاصولية السنية فبرزت مع الجهاد الافغاني ضد الاتحاد السوفييتي انذاك.
ولان قيامة هتين الاصوليتين قد بدأ بوقت متقارب بينهما الا ان اسباب انتشارهما واستمراريتهما وموتهما كانتا وستكون مختلفة. وبدون تفسيرات جانبية كانت الاصولية السنية قد نمت واستمرت ثم ارتبط مستقبلها بشكل مباشر بنتيجة الحرب على الارهاب، اما الاصولية الشيعية فدوامها واستمرارها ومستقبلها فسيرتبط بما بعد الحرب على الاصولية السنية.
  ارتبطت الاصولية الشيعية سياسيا وفكريا بالحكومة في ايران التي تقوم على اساس ولاية الفقيه والتي تنطق بها مرجعية قم ولاتنكرها المرجعية الدينية العليا في النجف في سرها، لان الاساس لقيام الدولة عند الشيعة عموما في ايران والعراق وغيرهما هو الاساس نفسه الذي تقوم عليه المرجعية الدينية نفسها، اذ انها قائمة على اساس ولاية الفقيه وعلى اساس مصادرة حريات الناس في اختيارهم لمرجعهم ولفكرهم الديني.
الفكر الأصولي عند الشيعة فكر قديم مرتبط ببداية الفكر الشيعي نفسه، وهذا الفكر يرى ضرورة العمل بالطرق الاجتهادية والاتكال على علم أصول الفقه لاستباط الحكم الشرعي. بينما الفكر المنافس الاخر في الفكر الشيعي هو الاخباري او الأخباريون، وهم فرقة من الفقهاء الإمامية الذين يعتبرون أخبار وأحاديث أئمة الشيعة كمصدر وحيد للفقه واستنباط الحكم الشرعي. ظهرت هذه الفرقة في القرن الحادي عشر، وكانت لا تجوّز استخدام الطرق الاجتهادية وعلم أصول الفقه. وانتشر الأخباريون الشيعة في القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر الهجري في مدن ايران والعراق وفي البحرين والهند أيضاً. وأمّا في الوقت الحاضر، فمستقرهم الوحيد الذي له أثر منهم بشكل جليّ هو بعض مناطق محافظة خوزستان الإيرانية بالأخص مدينتي خرمشهر وآبادان.
الصّراع وقع بين الأخباريين والأصوليين الإمامية حتى قبل القرن الحادي عشر الهجري لكن كان بشكل غير رسمي ومعلن، لكن اشتدّ الصّراع في القرن المذكور، وساد المصطلحين الأخباري والأصولي وقامت الفرقتين بالوقوف علناً أمام الآخر.
في الوقت الحالي يسيطر الفكر الأصولي على الحوزات العلمية الشيعية ولا نرى اي تأثير للفكر الأخباري ولا نشاطاً ملحوظاً له إلا بشكل مشتت. بعد ان خرج الأصوليين من عزلتهم وتمكّنوا من الأخباريين واستلموا الحكم والحوزات والعتبات في العراق وايران وبقية مناطق نفوذ الشيعة في مناطق الصدع السني الشيعي.
عمد فقهاء الشيعة الكبار عبر المراحل المختلفة وخاصة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين إلى تطوير أفكارهم الأصولية وتعميقها، وفي الوقت نفسه قاموا بتشذيب وتنقيح هذا العلم من الأمور الزائدة. وبرز اهم قائد لهذه المدرسة الأصولية وهو السيد محمد باقر الصدر. فالمدارس الفقهية الأصولية تنسب إلى الزمان أو المكان أو الشخصيات العلمية.
المدرسة الأصولية ورواج ذلك النمط الفكري في الأصول، وتاثير المكان والزمان بشكل مباشر في ظهور هذه المدرسة، جعل تأثير الزمان والمكان يؤثرون في ظهور الشخصيات العلمية البارزة، وإن وجود هؤلاء العلماء وظهور أصحاب المدارس يعني دائماً الدخول في مرحلة جديدة من مراحل الفقه أو الأصول ومن ثم الحكم؟
لكن وجود فقهاء وأصوليون من أصحاب المدارس، غير كاف لتأسيس مرحلة جديدة، أو إيجاد مناخ جديد في تاريخ ذلك العلم، وانما هنالك دور مهم يضطلع به التلاميذ بوصفهم مروِّجين للأفكار الأصولية والفقهية.
إن قصدنا من المدرسة الأصولية الشيعية اليوم هو النمط الفكري الأصولي القائم على الآراء الخاصة في ما يتعلّق بمصادر ومباني وتقسيمات علم الأصول، بمعنى أن لديهم طريقة خاصة في فهم الأحكام الشرعية، وإن علماء الشيعة يمتازون عن علماء أهل السنة في أنّ لكل مجموعة منهم مدرسة خاصة يُعرف بها.
اي ان المرجعية الاصولية الشيعية هي التي يرجع الشيعة الامامية في امور دينهم وعقائدهم سواء اكانوا في العراق او ايران او في مختلف البلاد الاسلامية الى مراجع الدين في النجف او قم، وقد تنحصر المرجعية احيانا في فقيه واحد بناء على مذهبهم من اتباع الاعلم وفي الوقت الحاضر يتبع الشيعة الاصولية في مختلف انحاء العالم المرجع الديني علي السيستاني في النجف، واكثرية الشيعة في ايران الثورة هم من اتباع علي الخامنئي.
والسيستاني يختلف عن المرجعية الحاكمة في ايران في قضايا كثيرة اهمها ان السيستاني لا يذهب الى ولاية الفقيه في العلن ولكن يؤمن بها دون التصريح عنها كما قامت عليها الثورة والحكومة في ايران. فولاية الفقيه هي العنصر الاساس الذي خوّل الخميني ان يقيم الحكم الشيعي في ايران وان كثيرا من علماء الشيعة في العراق وايران ولبنان لا يخالفون هذا المبدأ وشيعـة العـراق بالعموم من الاصوليين ويـؤمنـون بـ “ولايـة الفقيـه.
الاصوليون من الشيعة اكثر ولائهم لايران وهؤلاء يشاركون اخوانهم من شيعة ايران الافكار والاهداف والاساليب نفسها، فالاحزاب والفئات السياسية كلها اصولية، والشيعة لايعرفون احزاب وطنية قومية ويسارية اوديموقراطية، فالفكر الاصولي قد صاغ شخصية الفرد العراقي ومجتمعه، سواء في صياغة الفرد او المجتمع.
 ولذا فغالبية شيعة العراق عرب لكن ولائهم الديني اكبر من ولائهم القومي، واللغة، والآداب، والاعراق، مع انهم لا يربط شيء منهم من ذلك مع شيعة ايران. لكن الحكم في العراق، وسائر الدول التي يسيطر عليها الشيعة سيكون على غرار الحكم القائم في ايران، كحكم اصولي يكون امتدادا للحكم الاسلامي في ايران.
ولذلك ظهرت في صفوف الشيعة العراقيين اصوات تنادي بقيام دولة شيعية في العراق تشكل امتدادا لايران، وظهر تيار يدعو ايضا الى اقامة جسور مع الجانب الاميركي لوضعه في صورة الوضع الحقيقي لشيعة العراق ونياتهم، فموقف الشيعة من اميركا والغرب بوجه عام مرتبط بما يفعلوه في بلادنا فحين حرموا الشيعة من الحكم قاتلوه وان لم يعترضوا عليهم اعانوه.
وبريق الثورة الشيعية في ايران قد جعل امتداد الشيعة في العراق اوسع من غيرهم ومعنى ذلك ان الاحزاب الديمقراطية الاخرى تعطلت عن العمل، وانتشر وصعد اسلوب العنف كاسلوب يرتضيه ائمة الشيعة ويفضل اتباعه للوصول والمحافظة على الحكم.
اذ ان هذا الاسلوب قد نجح اثناء معارضة الشيعة الاصولية لشاه ايران ونجح ايضا مع الحكم السابق في العراق ويعتقدون انه سينجح في البحرين ولبنان واليمن والسعودية في سلوك معارضتهم لطريق الثورة والعنف.
وهنا ارتبطت وتعانقت واجتمعت الاهداف الاصولية الشيعية في السيطرة على مناطق الصدع للصراع السني الشيعي وبين اهداف الولايات المتحدة في القضاء على الاصولية السنية بعد سبتمبر 2001، وبدات الولايات المتحدة باستخدام واستعمال وحماية وابراز وتنمية الاصولية الشيعية بكافة صورها من اجل استخدامها واستعمالها في ” الحرب على الارهاب السني”.
اذا اخذت قوى الاصولية الشيعية في المنطقة بضرب المناطق الرخوة والمدنية التي تشكل الثقل العددي والديمغرافي والمدني للسكان السنة وسمحت لهم بالقتل والتدمير والابادة والتهجير وجرائم الحرب ضد الغالبية العظمى من المدنيين السنة.
ولان دروس وامثلة التاريخ الحديث كثيرة حين دعم وسمح الغرب للنازية كاصولية عرقية في عشرينيات القرن الماضي بالنمو والتوسع وسمح لهم بالامتداد الفكري اولا مع الفاشية ثم بالتوسع العسكري في لاتفيا وبولندا وتشوسكلفاكيا حين ذاك بدات الحرب العالمية الثانية وفقدت البشرية اكثر من خمسين مليون انسان بسبب ان الغرب سمح للنازية بالانتشار ولم يقف بوجهها منذ البداية.
واليوم وبعد محاولات الاصولية الشيعية من امتلاك السلاح النووي وبعد انتهاء الحرب على الارهاب وانتفاء استعمال الاصولية الشيعية في الحرب بالوكالة سيكون على اوربا والغرب عموما امام امتحان تاريخي جديد بالسماح لهذه الاصولية بالتمدد والاتساع كما سمحت للنازية من قبل ام الوقوف امامها مبكرا وبدء فتح صفحة من الحصار والصراع بكافة اشكاله خاصة ان الاصولية الشيعية بتاريخها الطويل تميل الى استخدام العنف بكافة صوره حتى ظهور المخلص.