الثمن… من قادسية الحرب العراقية الايرانية

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
في 17 أيلول 1980، أعلن الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين من طرف واحد إلغاء اتفاقية الجزائر التي كان وقعها بنفسه مع شاه ايران في 6 آذار 1975. واعلن أن شط العرب، الذي يربط البصرة وعبادان بالخليج العربي، يجب أن يعود إلى السيطرة العربية. وفي 22 أيلول 1980 اجتاحت القوات العراقية إيران، وتحول هذا النزاع إلى حرب مكشوفة. ومما لاشك فيه أن من الأسباب الحقيقية لهذه الحرب انها لم تقتصر على النزاع الحدودي بينهما، وانما يعود الى الخلاف العربي العجمي التاريخي لهذين البلدين.
بعد قيام ثورة خميني في ايران 1979 وحينما تم احتجاز الرهائن الأميركيين من قبل الاصوليين الشيعة، شجعت بغداد عزلة إيران السياسية خاصة بعدما أنهك النظام الايراني في صراع داخلي بين اجنحته الدينية والليبرالية المعارضة للشاه على السلطة، وكانت بغداد تأمل بالتوصل من ذلك إلى تفكيك النظام الشيعي الاصولي الاثني عشري بسرعة.
في 22 أيلول 1980، دخلت القوات العراقية إيران واحتلت خلال أيام مدينة قصر شيرين الحدودية، ومهران وبستان بطريقة سريعة. وتوقعت بغداد ان هذه الحرب الخاطفة ستضطر الايرانيين الى قبول السلام والرضوخ لشروطها، لكن الايرانيون حولوا هذه الحرب إلى حرب استنزاف دامت سنوات طويلة.
في البداية كلف احتلال مدينة المحمرة شهرا من المعارك العنيفة، وراوحت القوات العراقية على أبواب عبادان والاهواز وديزفول. ورغم التفوق العسكري للجيش العراقي وعامل المفاجأة، لكن تقدمه كان بطيئا. ولم يحصل ما كانت تراهن عليه بغداد من وقوف سكان الجنوب الايراني من الشيعة العرب معها.
في تشرين الثاني 1980، أي بعد شهرين من بداية القتال، باتت الجبهة شبه مستقرة، فعامل المناخ وإعادة التنظيم السريع للقوات الإيرانية اغلقت الطريق أمام تقدم العراقيين الذين لم يكونوا مستعدين لمعارك دموية طويلة، وخلال عشرة أشهر تقريبا، لم يشن أي هجوم لأي من الطرفين المتحاربين.
لكن بدأت الهجمات المضادة من جانب إيران، ففي أيلول 1981، فقد العراق بالتدريج المواقع التي كان يحتلها، وفي 27 أيلول فك الحصار عن عبادان، بعد أن دام سنة كاملة وفي 29 تشرين الثاني حررت مدينة بستان، وقطع الطريق الإستراتيجي الذي كان يستخدم في تموين القواعد العراقية في الحويزة، وقسمت الجبهة من قصر شيرين إلى المحمرة الى قسمين وبذلك سهلت للقوات الايرانية المناورة والتحكم.
وفي 22 آذار 1982، وفي منطقة ديزفول حققت إيران نصرا عسكريا كبيرا على العراق. واستعادت 2000 كم من الأراضي، وأسرت مئات الجنود من الالوية العراقية، وفي 24 أيار 1982 استعادت ايران مدينة المحمرة. وباتت إيران تملك المبادرة بالنسبة للأعمال العسكرية.
لكن في حزيران 1982، وتحت هذه الظروف الصعبة بالنسبة للعراق، استطاعت بغداد ان تفتح جبهة جديدة في جنوب لبنان حيث بدأ الغزو الاسرائيلي للجنوب ليقطع العراق بذلك الحلف السوري الايراني ويقلل من الضغط الايراني على الجبهة العراقية، وتذرع الرئيس صدام حسين بغزو إسرائيل للبنان فأعلن من جانب واحد عن وقف للنار على جميع قطاعات الجبهة، وشدد على التضامن بين الشعوب الإسلامية بمواجهة عدوان الدولة العبرية.
خلال هتين السنتين الأوليين من الحرب من 22 أيلول 1980 حتى 22 أيلول 1982، قدرت الخسائر الإيرانية الاقتصادية العامة الناجمة عن الحرب ، بـاكثر من 120 ملياردولار وكان حجم الأضرار التي منيت بها إيران هائلا، فقد أصيبت المرافئ التجارية المهمة كالمحمرة وعبادان بدمار شبه كامل ومنيت مدن الأهواز وديزفول وبستان ويزد وكرمانشاه، بأضرار جسيمة، وتدمرت الصناعة النفطية، وتوقف كل نشاط صناعي ايراني في تلك المناطق بشكل تام. حيث تضررت مصفاة عبادان، وهي اكبر مصفاة في إيران، وكانت تسد القسم الأكبر من الحاجات الداخلية. اما مصافي الأهواز وبختاران وطهران، فقد أصيبت أيضا بسبب الغارت العراقية، واضطرت ايران للاستيراد من ايطاليا وسنغافورة واليمن الجنوبية لتلبية حاجتها إلى المنتجات النفطية.
كما تسببت الحرب بنزوح الملايين من المهجرين إلى مناطق داخل ايران، وسكن هؤلاء في الخيم والمساجد والأبنية العامة ورغم الحرب فقد ازدادت البطالة بين السكان القادرين على العمل.
في حين، كان الثمن الاقتصادي في العراق اكبر، فمنذ الأيام الأولى للحرب، قصفت ايران الموانئ والمنشآت النفطية في البصرة والفاو وقطع التصدير النفطي من الخليج العربي. كما أن سوريا حليف ايران قطعت خط تصدير النفط الى بانياس، وطرابلس ولم يبق سوى خط الانابيب التركي.
وأدى هبوط الصادرات النفطية إلى هبوط موارد الدولة، لكن العراق تحاشى أن يشعر السكان بثقل الحرب، وجرى اتباع سياسة ادارة للموارد بصورة رائعة، واعتمد العراق على المساعدات من البلدان العربية المعتدلة، كالكويت والسعودية، واضطر لطلب مساعدة مالية ايضا من البلدان الغربية، كفرنسا وبريطانيا وايطاليا واليابان.
ولكي نفهم واقعنا اليوم بشكل افضل، كان من اهم نتائج هذه الحرب الخطيرة انها انتجت الفكر الاصولي الشيعي بهذه الصورة التي عليها اليوم. فقد أدت الحرب إلى صعود النزعة المحافظة والرديكالية الرجعية والاصولية الشيعية في ايران، حيث بدأت بأسلمة المجتمع، وتمكنت المؤسسة الدينية في طهران من تشديد سيطرتها على مؤسسات الدولة وعلى حراس الثورة، وباتوا هؤلاء يشكلون سلطة سياسية وعسكرية مستقلة حقيقية.
ولعب النظام على العواطف الدينية والقومية، فبدأ النظام الايراني ببث مبادئ جديدة كالاستشهاد في سبيل السلطة، وبالمناسبة فان اولى العمليات الانتحارية في منطقتنا كانت بواسطة هذه الاصولية الشيعية، حيث قامت السلطات الشيعية بكل وقاحة وتعصب حث الشباب الفقراء على الموت في القتال كصورة من صور العدالة الإلهية. بينما كان الهدف الحقيقي من ذلك تعزيز سلطة رجال الدين الاصوليين، والاستفادة بشكل واسع من هذه الوحدة المذهبية المقدسة.
في العراق كان الامر مختلفا، فقد ازداد حضور حزب البعث، وعززت سلطة الرئيس العراقي، وتعزز موقع صدام حسين داخل دولة بيروقراطية مركزية بدرجة عالية، وتقاربت بغداد من دول الخليج المحافظة.
لقد كشفت هذه الحرب المدى الذي وصل اليه تطرف رجال الدين الإيرانيين، والخطر الذي تمثله جمهورية آيات الله، وثمن النصر الذي يمكن ان يدفع اذا انتصر الخميني، وعدم الاستقرار الذي ستحدثه اذرع حكومة طهران كالدعوة، والمجاهدين، وأمل بعد ذلك على الاستقرار في منطقتنا. وهذه هي اهم نتائج ودروس الحرب التي نعيشها اليوم.
… يتبع