الحريات النسائية والنظام السياسي العراقي الجديد

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
النساء هن أول الضحايا لأسلمة المجتمع العراقي بعد التغيير في 2003. فقد خضعن لتقليد مستمر من الاضطهاد والتمييز الجنسي، واللامساواة في الحقوق وبقين خارج الحياة الاجتماعية، وخضعن لنظام أخلاقي الأكثر إذلالا تجلت اهم صوره في الزواج من القاصرات ومن العبودية والقهر الجنسي وزواج المتعة .
لكن دورهن اصبح اكثر فاعلية في مقدمة المواكب الحسينية والمشيات الكربلائية مرتديات العباية السوداء، كرمز للهوية المذهبية، وكوسيلة من وسائل المقاومة ضد السيطرة الثقافية الغربية والحداثة، فبعد التغيير، اصبحت العباية السوداء أداة للقمع ضد كل من يرفض لبس تلك العباية ووضع الحجاب المذهبي.
ونال حضورهن الكثيف في الشوارع والتجمعات الحاشدة إعجاب ايات الله أجمع، واصبح دورهن نشطا بصورة خاصة بعد تصريحات بعض آيات الله الكبار حول دورهن في المجتمع مادام حضورهن مقيدا بتعاليمهم وبتقاليد المجتمع الجديد، ومادمن لا يطالبن بحقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، او يردن اقامة المنظمات والرابطات والاتحادات النسائية.
ان انحطاط المناخ السياسي في العراق اليوم، والأزمة الاجتماعية التي يمر بها المجتمع العراقي وفقدان الهوية والتمرد على القيم والثوابت، اضافة الى العودة الى حكم القبيلة قبل حكم الدولة في المجتمع، كلها دفعت مشكلة النساء في العراق إلى المقامات الاخيرة من اهتمامات السياسيين والباحثين واهل الاجتماع.
فقانون الاحوال الشخصية الذي اقر في البرلمان السابق لم يعط للمراءة العراقية حقها في الاختيار او الحقوق المنصوص عليها في الدستور، على الاقل في الجوانب الشخصية كولاية زواج القاصرات وبعد قليل من الرفض والغضب النسائيين، جعل النظام الديني البرلماني العراقي يتراجع ويجبر رجال الدين على تأجيل مشروعهم مؤقتا.
كذلك وبعد ارتقاء رجال الدين داخل الدولة العراقية على حساب الليبرالية الضعيفة نرى ان هناك تغيرا حتى في الذوق الجمالي عند المراءة العراقية، ليلائم اذواق الحوزويين وما يشتهون من شهوات مكبوتة اسسست لقيم جمالية غريبة عن المجتمع المدني العراقي، فالحجاب المزركش مع الاصباغ على الوجوه وكثرة الزينة والذهب والملبس الضيق الذي يظهر ما يتمنى هؤلاء من رؤيته مع الالوان الصارخة غير المتجانسة، والتي تعبر بشكل واضح مدى الجهل وقلة الذوق وانعدام الجماليات المجتمعية المعتادة، وفي طقس متطرف في البرد والحر وبما لايناسب ما ترتديه تلك النسوة الا ما كان اتباعا لمذهبهن وجنسيتهن.
 اما العباية فعادت وبقوة كحجاب رسمي في منشآت الدولة وإدارتها، وفي الأماكن العامة، خاصة في ايام المناسبات والوفيات والزيارات والاربعينية ، وكانه تعميم صدر عن الحوزة انه يجب على كل أنثى ان تلبس بصورة متوافقة مع القواعد الشرعية المفروضة.
لقد ارتبط استعمال العباية عبر التاريخ الحديث بالاستقرار الريفي وهي علامة من علامات البيئة الريفية، واهل الحضر والمدينة لا يرتدونه الا للضرورة وكان عندهم مزركشا وذوو اللوان لانه مرتبط بوجه خاص بطبيعة وثقافة المدينة وتطور الحياة التجارية فيها، ايضا معظم النساء الفلاحات يضعن خمارا بسيطا لا يخفي الشعر كليا وليس له اي معنى ديني. ورغم ان العباية تعيق الحياة العملية للنساء الريفيات ونشاطهن، لأن أعمال الحقول، وتربية المواشي، تتطلب نوعا من حرية الجسم وأعضائه وهو ما لا يناسب وضع الحجاب باستمرار، لكن تعاليم المجتمع القبيلي الحوزوي الذكوري حول المرأة حولها إلى قيمة متصلة بمفاهيم الشرف المرتبط بالعذرية وحماية وإخفاء النساء.
وحتى اليوم لم تستطع الحركة النسائية الليبرالية في العراق العربي عدا كردستان من مقاومة هجمات رجال الدين وايات الله عليهن. فغياب منظمات مستقلة خاصة بالنساء، تدافع عن القضايا النسائية بالتحديد، كالحريات وضد العنف الجسدي والحقوق والتمثيل السياسي والمجتمعي او حتى دورهن في تمثيل الهيئات السياسية، جعل الحركات النسائية تنقسم وتتفكك.
الا من بعض الجماعات الصغيرة، المدعومة من منظمات دولية والتي هي حريصة على عدم إزعاج النظام الديني الجديد، فهذه المنظمات تبدي بعضا من تضامنها الخجول مع اي حركة احتجاج في بغداد او البصرة كما راينا، وان كانت النتيجة التصفية والاعتقال لتلك الناشطات، حيث ان الحكومة ومليشياتها تعتبر أن وجود هذه الناشطات في تلك الاحتجاجات غير ملائم في مناخ العملية السياسية التي يقودها ايات الله. والذين يعتقدون أن مشكلة النساء ذات أهمية ثانوية بالمقارنة مع التهديدات الكثيرة للسلطة الدينية، وبالتالي فان نتيجة ذلك هي  ان أي مشروع ديمقراطي في بغداد سيبدو مستحيلا.
لقد أصابت هذه المنظمات النسائية الليبرالية، التي اعتمدت بعد التغيير، إصابة محدودة على الصعيد الاجتماعي من تغيير نمط الحياة التقليدي، ومن جهة أخرى استطاعت من دمج بعض النساء في النشاط الاجتماعي، متحررة جزئيا من العوائق المذهبية التقليدية فاصبح بعض النساء يخرجن دون حجاب، ويمارسن بعض المهن واصبح بعضهن هن من يخترن ازواجهم.
إن ظهور هذه الفئة من النساء العصريات واللاتي لم يتحجبن حجابا حوزويا تقليديا  لم يكن نتيجة تطور تدريجي للمجتمع العراقي بعد التغيير، بل حدث بسبب ردة فعل تجاه الدين بشكل عام في عامة المجتمع بعد قصص ماسي الفساد والفشل والدمار التي كان ابطالها رجال الدين انفسهم خلال السنوات الماضية، وايضا ظهرت هناك طبقة اصبحت ثرية بفعل التوزيع غير العادل للثروة وبسبب اللصوصية والفساد الحكومي والشعبي، فهؤلاء ايضا اصبحوا يريدون الدفاع عن هذه البورجوازية الجديدة التي ظهرت بينهم من خلال الليبرالية والسفور، فعمدوا إلى تحرير النساء.
لكن هذا التحرير الظاهري لن يستطع أن يحرر النساء العراقيات ولن يقلب التقاليد الريفية السائدة اليوم في المدن العراقية، فالنساء العصريات المثقفات هن أقلية بطبيعة الحال وينتمين بمعظمهن للطبقة الوسطى التي تقلصت بل وانعدمت في بعض مدن العراق.
وبما ان التعليم وهو اساس التطور لكل مجتمع الا ان التعليم في العراق لم يشجع المراءة العراقية للحصول على المهنة المناسبة لها الا فيما يتعلق بالوظيفة الحكومية، ولذا لم تدمج النساء من ذوات هذه البورجوازية الصغيرة بالنشاطات المهنية كأعمال السكريتاريا، او في المصارف، او في المواصلات او كعاملات متخصصات في المكاتب او في الخدمة العامة، والتعليم، والصحة وحتى في القطاعات الصناعية. وستبقى هذه المشاركة النسائية في الحياة الاجتماعية ضعيفة في ظل حكومة يقودها ايات الله.
وستبقى نسبة كبيرة منهن خارج الحياة الاجتماعية، تعيد إنتاج التقاليد والعادات الريفية الحوزوية، وسيبقى الجهل يغذي اولادها المثل القروية والقبلية الموروثة، وستبقى المراءة العراقية غير واعية لاستغلالها ولن يشعرن بالاضطهاد الذي يمارسه عليهن رجل الدين، لكونهن فخورات بأنهن نساء مطيعات للحوزة وللامام، وهن كما يعتقدن أمهات جيدات لأولادهن، وزوجات مخلصات ومطيعات، ولا يخرجن دون حجاب.
إن حرب الاتجاهات هذه، ستضفي الحُجب القاتمة على شوارع بغداد والمدن الكبرى، في المستقبل وستقضي على الحريات النسائية، فضلا على جميع الحريات، لمدة طويلة من الزمن.