قضية ايرلندا وعدم اتفاق بريطانيا والاتحاد الاوربي


 

د. الناصر دريد

ربما لم يكن في ذهن البريطانيين عندما صوتوا عام 2016 قضية الحدود مع جمهورية ايرلندا  ( وهذا عائد كتقصير طبعا لكلا الطرفين مؤيدوا ومعارضوا البريكست على حد سواء ) وجمهورية ايرلندا  (او ايرلندا الجنوبية ) هي دولة تاسست  عام 1922 بعد استقلالها من بريطانيا فيما بقيت  ايرلندا الشمالية  جزءا من المملكة المتحدة وبعد تأسس الاتحاد الاوربي  فقد انضمت الدولتان  للاتحاد مما اتاح ولاول مرة فرصة انضمام الاثنين لوحدة كمركية واحدة  ( وكان المفترض ان يؤدي ذلك بالنهاية الى قيام دولة اوربية واحدة  ) ولكن ومع ظهور رغبة بريطانيا بالبركيست بدات مشكلة جديدة وهي مشكلة الحدود بين بريطانيا وجمهورية ايرلندا  او بالاحرى مشكلة الحدود  داخل الجزيرة الايرلندية بين شمال  وجنوب الجزيرة,( في الواقع تحتل الجمهورية معظم مساحة الجزيرة ماعدا الجزء الشمالي الذي تحت السيطرة البريطانية ) وقد اتفق قادة الاتحاد مع مسئولي بريطانيا على تجنب عودة الحدود بشكلها القديم ( قبل تشكيل الاتحاد الاوربي )  حيث ظهر للوجود الحل المعروف بالاسناد (backstop )   , فما هو ( الاسناد ) ؟… الاسناد هو ببساطة  بمثابة الحل الاخير الذي يمكن  الركون الية في حال فشلت كل  محاولات الاتفاق بين الطرفين , فهي بمثابة اتفاق يفترض ان يطبق على الحدود الايرلندية الجنوبية -البريطانية  بعد البريكسيت , ( وهي اتفاقية اساسية لان الاتحاد الاوربي  رفض  المضي قدما باتفاق  البريكست مالم توضع هذه الترتيبات  وتقر من قبل الطرفين ) , وكان الطرفان قد اقرا بضرورة ( الاسناد ) منذ نهاية عام  2017  والذي  يفترض ان يشمل التعاون الحدودي , دعم التكامل الاقتصادي للجزيرة الايرلندية  ( بجزئيها ) وحماية  اتفاق سلام الجمعة العظيمة ( ويسمى ايضا باتفاق بلفاست  والذي عقد في 1998 بين بريطانيا وجمهورية ايرلندا واحزاب ايرلندة الشمالية  والتي انهت عقود من الصراع داخل  الجزيرة وتاسس على اثرها  برلمان ايرلندا  الشمالية  لكن مشاكل كثيرة  اعاقت عمل الاتفاق حتى اضطروا لايقافه عام 2002  لكن العمل  اعيد به عام 2007 وقام  الجيش البريطاني رسميا بانهاء عملياته في الجزيرة  ,لكن الاتفاق  انهار  في بدء عام 2017 ومع ذلك فان العنف لم يعد  مرة ثانية  وما زالت كل القوى  تامل في احياء الاتفاق  ) لكن ظلت هناك خلافات قوية بين الطرفين  ( بريطانيا والاتحاد ) ومصدر الخلاف هو ان الاتحاد الاوربي اصر على لسان مفاوضه الرئيسي ميشيل بارنيه ان  ( الاسناد ) يعني بقاء ايرلندا الشمالية ضمن  نطاق الاتحاد الاوربي من حيث النظام  الكمركي والقياس اي ان الحدود ستنتقل من كونها بين بريطانيا وجمهورية  ايرلندا  لتصبح بين ايرلندا الشمالية  وبقية بريطانيا , اي انسلاخ  ايرلندا  الشمالية عمليا من بريطانيا !! وهذا ما جعل تيريزا ماي  ترفض  المقترحات الايرلندية  جملة  وتفصبلا  , واقترحت بالمقابل ان يشمل  هذا  ( الاسناد ) كل بريطانيا وليس  فقط ايرلندا الشمالية على الاقل  حتى  عام 2020 , وقد جاء ذلك في مقترحها الذي نشرته  في حزيران الماضي  ,  واجاب على ذلك بارنيه بان ما عرضته ماي ليس  ( اسناد ) بل التفاف كامل على البريكست والغاء اه !! فيما صرح  ليوفاردكار رئيس  وزراء ايرلندة الجنوبية بانه يجب ان لاتكون للاسناد مدة محددة اي ان يكون مستمرا !! لكن في الرابع عشر من الشهر الماضي صرحت ماي بانه يمكن  ( لتوصل لحل وسط حيث تقوم  ايرلندا الشمالية بتطبيق  ( بعض ) المعايير الاوربية دون قبول جميع الشروط  ( الاسناد ) على الاقل حتى عام 2020  وفي 25 نوفمبر الماضي اقر الاتحاد  الصيغة النهائية لاتفاق  البريكست التي ذكرناها في المقالة السابقة وقد علق جان كلود يونكر  ( رئيس المفوضية الاوربية  ) على الاتفاق ومحاولات مختلف القوى البريطانية  اسقاط ماي بحجة ضرورة وجود حكومة قوية  لتغير الاتفاق بانه  ( اي شخص في بريطانيا يعتقد بان الاتحاد قد يمنح شروطا  افضل لرئيسة الوزراء ماي في حال رفض الاتفاق الحالي فانه سيصاب بخيبة امل عظيمة !! ) فيما علق فارادكار بان هذا الاتفاق هو ثاني افضل خيار لبريطانيا بعد خيار الغاء البريكست والبقاء في الاتحاد !! والمشكلة الاساسية ان بريطانيا  لاتستطيع الغاء خطة او قرار  الاسناد , ليس فقط لمصلحة بريطانيا  بل وكذلك التزاما باتفاق الجمعه العظيمة والذي تعهد ان لا تقام حدود فاعلة او صلبة  ( Hard Border ) بين شمال وجنوب ايرلندا  . كل ذلك طرح خيارا صعبا امام  بريطانيا وهو طريق الخروج بلا اتفاق , فما هي عواقب  وامكانات  هذا الخيار ؟ والواقع ان الحكومة البريطانية  اتخذت فعلا قرار الاستعداد  لمغادرة الاتحاد دون اتفاق وخصصت مبلغ يعادل اكثر من 2,5 مليار دولار للوزراء استعداد لهذا الحدث المرتقب في 22 اذار  القادم  , فيما تم ارسال رسائل الى 140 الف مؤسسة مختلفة بكيفية التصرف ووضع 3500 جندي  على اهبة الاستعداد لمساعدة الوزرات والدوائر المختلفة  حتى ان زعيم الحزب اللبرالي الديمقراطي فينس كيبل  قال ( ان الامر بلغ حد الحرب النفسية الكاملة ) كما قررت الحكومة البدء بحملات توعية للجمهور بمختلف القضايا بعد البريكست من حجوزات الطيران  وحتى استعمال بطاقات الاتمان !! وقد نشرت الدايلي تلغراف  دعوة 53 من قادة الاعمال والراسماليين البريطانيين لرئيسة الوزراء بان  تقوم باستفتاء الشعب البريطاني حول الاتفاق  , فيما صرح وزير البريكست ستيفن بار كلاي بان الحكومة اتفقت بان الاستعداد والخروج بلا اتفاق هو اولوية قيد الاستعداد ضمن اعمال الحكومة  , لكن اولوية الحكومة بشكل عام  تبقى هي الوصول لاتفاق , كما انتقد عضو البرلمان الاوربي والمفاوض على بريكست غوي فيرهوفستادت الوزراء البريطانيين الذين يقومون  ( بتمجيد ) فكرة الخروج  دون اتفاق دون  ان يعبأوا بالعواقب على حد تعبيره !! فيما صرح حزب العمال بان فكرة الخروج دون اتفاق غير قابلة لتنفيذ وانه سيسعى مع بقية القوى لوقف هذا المشروع على لسان وزيرة بريكست الظل جين تشابمان واعاد كيبل عن الديمقراطيين اللبراليين انتقاده لماي قائلا انها تسعى لوقف بقية الحلول حتى تبقى في السلطة !! فماذا ستكون النتيجة بعد مائة  يوم او اقل حينما يأتي  موعد تنفيذ البريكست  ؟ هل سيكون هناك اتفاق ام خطوة نحو المجهول  ؟!!