إذكاء الوعي المجتمعي الطريق الأصوب لتكريس إصلاح الدولة والمجتمع في العراق



د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد

يعد إذكاء الوعي المجتمعي خط الشروع الأول لأي عملية إصلاحية كبيرة في أي بلد، وعليه المعول في التغيير، فما لم يكن الفعل المراد تكريسه مجتمعيا ثقافة عامة تسود في المجتمع لا يمكن لرواد الإصلاح وقادتهم التغيير نحو الأفضل، وصناعة قيمة كثقافة مجتمعية كفيلة بجعلها معيارا يقاس عليه الآخرون، ولنأخذ مثلا من بلد ما، في المجتمع التركي حين يبلغ الشاب مرحلة أداء خدمة العلم(الخدمة الإلزامية في الجيش التركي) تقام له مراسيم واحتفالات لتوجهه إلى القيام بواجبه، ويعد تأخره عن القيام بهذا الواجب نقص ومثلبة مجتمعية، يكفي أن نرصد تأثيرها حين يتقدم أي شاب لخطبة فتاة ما وهو متخلف عن هذا الواجب فإن عائلة الفتاة ترفضه، وتعد نقص أداء واجبه في خدمة العلم مثلبة كبيرة قد يعير بها فلا يمكنهم في معتقدهم الذي تكرس في العقل الباطن ائتمان ابنتهم لإنسان لم يؤتمن على بلده، وبالتالي شعوره بالنقص سيلجئه بالضرورة لأداء الواجب حتى من قبل أن يطاله القانون ويحاسبه عليها.

     تكريس قيم المجتمع على مستوى العادات والتقاليد التي تورث كابر عن كابر هو الذي يجعل هذه المجتمعات حية تتقبل الصالح من الأفعال وترفض طالحها، وغرس القيم لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة والمجتمع تكون من الطفولة حتى الكهولة، ومن رياض الأطفال وحتى أعلى الشهادات الجامعية، ولنأخذ مثالا لقيم ترتبط بمؤسساتها، فالقيمة لدى التعليم والتربية والمدارس وصولا للدراسات الأكاديمية هي المعرفة والعلم، والقيمة لدى المحاكم ودوائر القضاء هي العدل، والقيمة العليا للمستوصفات والمشافي هي الصحة، والقيمة العليا للأسرة هو الحب… وهكذا لكل مؤسسة قيمها الخاصة بها، حتى الدين القيمة العليا له الرحمة، لا بد من مخاطبة العقل الجمعي للمجتمع من خلال تكريس هذه القيم على مستوى العقل الباطن حتى تكون خبرة في اللاوعي كما يقول أهل التنمية كي تسود كثقافة مجتمعية وتفرض بصمتها على المجتمع والدولة، وينسحب هذا الكلام عن الموقف العام من الفاسدين والسراق وأهل النفاق خاصة في العملية السياسية وما يحيط بها من أعمال كالانتخابات وتشكيل البرلمانات والحكومات.

       ولتحديد مفهوم الوعي المقصود في هذا المقال لا بد من الكلام عن الوعي المادي الملموس والوعي العام الذي يتجاوز الوعي المادي إلى الانتباه إلى حقائق الأفعال والأحداث ومرادها ومآلاتها لدى صانعيها، فالوعي الحقيقي الملموس يتعامل مع استخدام الحواس الخمس لدى الإنسان في زمن واحد ويحدده العلماء بخمس فعاليات تزيد أو تنقص اثنان بحسب القدرة الشخصية، أما تراكم الخبرة والمعارف وخزين المعلومات فهي تخزن في العقل الباطن أو ما يسميه العلماء وأهل التنمية باللاوعي. والوعي العام هو المعرفة على وجه الحقيقة بما يراد بنا ويراد منا ومن بلداننا، ومعرفة ما يجري حولنا على وجه الدقة والحقيقة لا على الوجه الجزئي الذي تتعامل معه الحواس الخمس في آن واحد.

    ويقول مختصون في تعريف الوعي الاجتماعي؛ هو الإدراك الواعي لكوننا جزءًا من مجتمعٍ مترابط مع الآخرين، وهذا يعني تأثُّر الفرد بالآخرين، وتأثيرَه فيهم، وحين يصل كلُّ فرد في المجتمع إلى إدراك هذا المفهوم الكبير الواسع، يصبح أفراد المجتمع أكثرَ ترابطًا وتعاطفًا، وقيامًا بدورهم في التفكير الإيجابيِّ في مجتمعاتهم. ويعد الوعي الاجتماعي هو مقياس تطوُّر المجتمعات، لأنه يُمكِّننا من إصدار أحكامٍ على التصرُّفات والسلوكيَّات الفردية والجمعيَّة؛ فنَقبَلُها لإيجابيها، أو نرفضها لسلبيَّتها، وهذه الأحكام نابعة من مدى شعور الفرد بمسؤوليته تجاه نفسِه والآخَرين.

 ويبنى الوعي المجتمعي على الوعي الفردي، وتكمن أهمية الوعي الفردي في أنه يشكل أول سلم لحركة المجتمع نحو الحضارة، فالفرد ليس كائناً مستقلاً بذاته بل هو كائن اجتماعي يتشكل وعيه من خلال البيئة المحيطة به، البيئة التي ترتبط بمستواه الاجتماعي، وحين ينحو الأفراد إلى التعبير عن سلوكيَّاتهم في كلِّ مناحي الحياة تعبيرًا إيجابيًّا، فإنهم بهذا يكونون قد حمَلوا هَمَّ الوعي، وسعَوا إلى نشره، ونجحوا في مقاصدهم، في الحقيقة يوجد عدة مراحل ومستويات ينبغي أن يمر بها الفرد حتى يشكل وعيه وأول تلك المستويات هو الإدراك ثم الشعور، والإدراك يتشكل من خلال عدة عوامل التربية أو التنشئة، كما أن التعليم ومستوياته يلعب دوراً في تنمية الإدراك، أضف إلى ذلك الخبرات الشخصية التي تميز فرداً عن آخر.

       تعد مسألة المواطنة والوعي اليوم، كأهم منتج لقياس مستوى التحول في سلوك المواطن وتفاعله مع قضاياه الوطنية فالتحول المطلوب اليوم في خطواته الأولى من دولة مكونات إلى دولة مواطنة، فمسألة البحث في الحقوق والواجبات والمسؤوليات لم تعد مسؤولية المكونات بقدر ما هي مسؤولية مجتمعية للمواطن بمفرده كي يكون رقما في موازين التقدم والرقي الحضاري والممارسة الواعية، ولم يعد موضوعها واجب المواطن ومسؤولية الدولة، بل اتخذت واقعا جديدا يقوم على تكامل الشعور نحو إنسانية الوطن، إن فلسفة عمل النهضة منذ بداياتها قائمة على تأكيد الشراكة والتعاون والعلاقة بين الحكومة والمواطن والقيادة والشعب، واثبتت السنوات الماضية أن غياب هذه الاستراتيجية عادت على البلد بالخراب والدمار وصنعت هوة كبيرة بين الدولة والشعب، وإن كان الشعب جزء من الدولة لكنه بات منفردا عن باقي الأجزاء ليتحمل أعبائها بمفرده.

       وقبل الخوض في كون عملية الإصلاح مسؤولية الفرد والمجتمع قبل أن تكون مسؤولية الدولة، لا بد من مراجعة لتراكم الخبرات في إسهام الفرد والمجتمع من بعد الاحتلال في إصلاح منظومة المجتمع العراقي، فضعف ذاكرة الشعوب وغياب ثقافة التوثيق والتقييم والاعتبار والمحاسبة تجعلنا ندور في حلقة مفرغة، فلا أحد يتحمل مسؤولية أخطائه فضلا أن يعتذر أو يعتزل، الكل يتفنّن في التنصّل من المسؤولية وإيجاد المبرّرات والشمّاعات، ولم يهتد حزب أو كيان سياسي واحد إلى طريق النهوض، بل إن كثيرا منها في تراجع، والسبب يرتبط بغياب مشروع نهضوي وزعامات وطنية تعبّئ الشعب وتوحّده، فضعف الهوية الوطنية والحس الوطني لحساب الولاءات والنزعات والأجندات الفئوية تكرست وفق قانون بريمر ودولة المكونات من بعد الاحتلال.

     فالحل لا يكمن في تغيير الدستور والحكام، فالدستور العراقي لن يختلف كثيرا عن دساتير دول العالم التي لم تكن سيئة، بل الحل يكمن في تغيير منظومة الحكم، فكثير من الأحزاب الطائفية التي حكمت العراق بعد الاحتلال لم تكن وطنية بل انحرفت بسبب ضعف الوعي لدى المواطن واستقالته من الشأن العام وتفريطه في الحقوق وقبوله بالظلم وتحوّله من شريك في الوطن إلى رعيّة. وحتى الديمقراطية التي صاحبت الاحتلال تمخّضت عن شلل سياسي مهّد لنظام طائفي إقصائي مستبد أذاق البلاد والعباد الأمرين، وليس ذلك فحسب بل أضحى العراق من جرائها بيئة صالحة للإرهاب والإرهابين بألوانه كافة.

   وبسبب السياسات الفاشلة للأحزاب والكيانات التي حكمت العراق من بعد الاحتلال وليومنا هذا، تراجع العراق وتخلف عن بلدان العالم المتحضر وبات على شفا الهاوية، و يتمظهر هذا الخراب بصورة الفوضى التي تعم الساحة العراقية، وكما شخص متابعون؛ في نظرة سريعة يمكن أن يلقيها المراقب إلى المدن العراقية مع تباين الأشكال والصور، ليجد أنه يقف إزاء مشاهد بائسة عبثية فوضوية مثيرة للاشمئزاز، لماذا؟ الأمر غاية في اليسر والسهولة، إنك تقف حيال عقل جمعي فوضوي، ووعي ضامر، وثقافة عرجاء تمشي على ساق واحدة، مصدرها إرث فكري قمعي تراكمي يتجمع منذ عشرات العقود فوق بعضه، فهل ثمة علاج؟

    قد يكون الزمن كفيل بإظهار الحل المناسب، هكذا يقول المحللون من علماء الاجتماع والنفس والعمارة، الوعي المجتمعي أولا، وقدح الفكر، واستنهاض الثقافة المجتمعية، فيبدأ الحل من إيقاظ العقول النائمة، أو المغلفة بالبلادة والارتجال، ثم ليزجوا بالفكر والوعي نحو البلد، بتنظيم إعلامي مؤسساتي مدني علمي، يتحرك في خطط متساوقة واضحة المفاهيم والمضامين والأهداف، تطل على الناس جميعا بانتظام، تشذّب عقولهم، وتمنحهم ثقافة الجمال والتنظيم والانفتاح المحسوب، وتغرس قيم الخير والتعايش فيما بينهم، ليكون الحرص ديدنهم، يخشون على بعضهم، ويراعي الفرد الكل، ويهتم الكل بالفرد، ويأخذون من تجارب العالم أحسنها.

    ما يعوز العراقيين للنهوض من أعباء النظام الطائفي الذي تسبب بخراب البلد وتفشي الفساد، التخطيط العلمي الرصين وعلى المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، التصميم و الإرادة الحرة، نهل الوعي من منابعه الأصيلة، تكريس الثقافة المناسبة للواقع العراقي وفق منظومة قيمه، تكبير العقول وإذكاء الوعي فيها، وتنقية النفوس من درائن الطائفية والعرقية والفساد، وفي النتيجة سيتم طرد العبث والفوضى، ويعم النظام، ويرى الناس في الانفتاح المحسوب طريقا نحو الأمن والاستقرار، وتنظيم المحافظات وتجميل المدن فيها، بما ينتج عنه حالة من التناغم بين الإنسان والمكان، ولا ريب سينعكس ذلك على النظام السياسي، فيتشح الحكم بالعدل، وتتسم التنمية بالاستدامة، ويصان الإنسان وحقوقه بحكم رشيد يبنى على المواطنة والحقوق والواجبات للجميع دون تمييز على أي شكل كان.

    وعند تنزيل المعرفة المتشكلة من الوعي الجمعي الذي تبلور من خلال الوعي الفردي في الواقع العراقي إن قدر لنا نحن العراقيين فعل ذلك، لا يعني بالضرورة أن يتمكن المجتمع من الانتقال إلى مرحلة جديدة بآفاق رحبة في المدى القصير، بل إنه يحتاج إلى وقت كاف إضافة إلى تضافر عوامل أخرى تعمل على صياغته بشكل أكبر كي يتمكن من تجاوز التحديات التي يمكن أن تعيق مشروعه الحضاري، وأولى هذه التحديات الآثار الكارثية التي رافقت الاحتلال، وهيمنة النظام الطائفي التي عادت على البلد ظلما وجورا وانتهاكا لحقوق الإنسان، وكذلك الآثار الهائلة التي خلفها الإرهاب بأنواعه كافة من إرهاب الميليشيات والعصابات الخارجة على القانون إلى إرهاب التنظيم داعش.

     وكما يتضح إن كثيرًا من التجارب الحضارية التاريخية لم تحقق ثمارها مباشرة بل أخذت وقتًا طويلاً حتى تتمكن من تحقيق التغيير المنشود الذي يرتئيه المجتمع، فمعالجة الآثار الكارثية التي أودت بالعراق لا يمكن تخطيها إلا بجهد تراكمي يطول أو يقصر بحسب إذكاء الوعي العام لدى الفرد العراقي الذي يترتب عليه وعي مجتمعي عام ينشد العدل للحكم وسيلة، ويسعى للمواطنة بديلا عن المكونات، ويسعى لأن يجعل القيمة الكبرى في المجتمع هو المواطن بصرف النظر عن خلفيته الدينية والمذهبية والعرقية، فتساوي الجميع أمام الدولة في الحقوق والواجبات هو المعول عليه في إصلاح البلد.

  في عراق الرافدين بلد الحضارات ومهد الأمم والشعوب التي قادت البشرية في مراحل تأريخية عريقة نحن اليوم في حاجة إلى بناء الوعي الفردي لكونه الأساس الذي يبنى عليه الوعي المجتمعي العام، كما أنه الأساس الذي يحرك سلوك الأفراد والجماعات بشكل يمكن المجتمع من الحركة وتجاوز مرحلة الجمود والتخلف التي تعد أحد أشكال الموت الحضاري، وبتحقيق المجتمع لمبدأ الحركة فهذا يعني قدرته على مواصلة مسيرته الحضارية وتأثيره المتنوع على المستوى المجتمع وعلى مستوى المجتمعات الأخرى في دول المنطقة خاصة وعلى مستوى العالم بشكل أعم.