القادسية المتجددة… حرب الحدود العراقية الايرانية

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد


منذ القرن السادس عشر، ابتلي العراق بتوسع الإمبراطورية الفارسية الصفوية وكانت منطقة ما بين النهرين مكان النزاعات الدورية مع الدولة العثمانية، والتي كانت تحكم آنذاك العالم القديم في اسيا واوربا وحتى افريقيا.

تشكل الحدود التي تفصل العراق عن إيران من الشمال حيث سلسلة جبال زاغروس، الى الجنوب حيث شط العرب، كاقدم حدوود مرسومة بين دولتين في العالم، حيث رسمت في مثل هذا اليوم من عام 1638 في عهد السلطان مراد الرابع، والذي فتح بغداد بعد حصار دام اربعة اشهر، سطرت فيها ملاحم عجيبة، غريبة وبقيت اثارها حتى هذا اليوم، وتغير فيها شكل العراق، حين عقدت اتفاقية سربيل زهاب 1639 والتي رسمت هذه الحدوود بين العثمانيين المنتصرين وبين الصفويين المهزومين، وغالبا ما ثارت خلافات حول معاهدة سربيل زهاب، ومعاهدة أرضوم 1847، اللتين رسمتا الطرف الجنوبي للحدود العثمانية الفارسية في شط العرب، وبسبب عدم دقتهما في تحديد حقوق الملاحة وغياب تعريف واضح للحدود بينهما فيه، فقد كانت هنالك خلافات بين الدولتين ولكن لم تتطور الى اي نزاع مسلح او تغيير بالحدوود.

في القرن التاسع عشر، تصاعدت هذه الخلافات بالتدريج بسبب تدخل الدول الاستعمارية، ففي عام 1912، حدث اشتباك محدود بين الدولتين، جعلت الدولة العثمانية تحيل قضية الحدوود إلى محكمة لاهاي وجرى في عام1913 وعقد اتفاق رباعي بين الدولة العثمانية وفارس وروسيا وبريطانيا وهذا الاتفاق المعروف باسم بروتوكول اسطنبول والذي يعترف بالسيادة العثمانية على كامل شط العرب، وبعد عام، قامت لجنة مكلفة بوضع الرسم التفصيلي للحدود بين البلدين بتعيين الضفة الشرقية من شط العرب كحد فاصل، في الوقت ذاته الذي منحت فيه إيران بعض إمكانات الرسو.

بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وتقسيم الدولة العثمانية بعد معاهدة سيفر في آب 1920 وظهور دولة جديدة كانت جزءا من الدولة العثمانية واصبحت تعرف بالدولة العراقية، وهذه الدولة تمتد على مساحة 438 ألف كلم مربع، رسمت حدودها تبعا لموتمر سان ريمو النفطي نيسان 1920، اي ان اغلب حدوود العراق الحالية هي حدوود نفطية، يشترك فيها العراق مع جيرانه بحقول النفط المقسمة بينهما، وكانت تلك احد اهم العوامل التي ساعدت على عدم الاستقرار والحروب والانقلابات في تاريخ العراق المعاصر.

 في الثلاثينيات، وفي 1934 تجددت حوادث الحدود بين العراق وايران حيث قدم العراق شكوى لدى عصبة الأمم، ودفع التوتر في أوروبا وصعود النازية بريطانيا إلى اخماد هذه النزاعات بين حلفائها الشرقيين. واضطر العراق تحت ضغطها للتفاهم مع الشاه، وجرى اتفاق جديد في 4 تموز 1937، يعين بموجبها الحد المائي عند الضفة الإيرانية، وبعد أيام، وقع الشاه والعاهل الهاشمي معاهدة صداقة.

بعد سقوط الأسرة الهاشمية الملكية في 14 تموز 1958 ظهرت الخلافات الحدودية من جديد كتعبير عن الخلافات السياسية بين طهران وبغداد. لكن بعد ثورة تموز 1968 وبعد  سيطرة حزب البعث في العراق، خرج النزاع حول شط العرب من جديد. ففي نيسان1969، قام الشاه بتمزيق الاتفاقات الماضية، وأكد على سيادة إيران على نصف مياه شط العرب. وتزامن ذلك مع حرب العصابات الكردية في الشمال العراقي بتاييد من الشاه نفسه، حيث قدم دعما كثيفا للمتمردين الأكراد، بهدف حرمان العراق من الاستقرار، وحتى وصل ذلك الدعم بان قامت القوات الإيرانية، بالقتال إلى جانب البيشمركة.

في آذار 1975، وخلال اجتماع قمة لمنظمة الأوبك في الجزائر، استطاع صدام حسين، نائب الرئيس العراقي آنذاك، من توقيع اتفاقا مع الشاه يتوقف العراق بموجبه عن المطالبة بسيادته على كامل شط العرب مقابل الحدود المائية المعينة عند خط التلعة، وجرى تقاسم حقوق الملاحة، وبالمقابل وافق الشاه على وقف دعمه للأكراد وتركهم يواجهون مصيرهم . لكن في 25 أيلول 1980، وبعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية، أعلن عدنان خيرالله وزير الدفاع العراقي بتمزيق اتفاقية الجزائر من جديد.

بعد ثورة خميني وحتى اليوم اصبحت للحدوود بين البلدين معنى اخر في ادبيات الحرب العراقية الايرانية المستمرة والتي لم تنتهي بعد، اذ اصبحت الحدوود جزءا من الرهان السياسي الايراني المرتكز على فكر الخميني، والذي جعل من الإسلام فكرا سياسيا قادرا على تسيير الحياة الاقتصادية والأخلاقية والثقافية، وبالتالي فهو يعطي الحق لولي الفقيه بارض الناس جميعا ولا يعترف بالحدوود بين الدول اينما كانت، وبالتالي اعطى لنفسه الحق بامتلاك والسيطرة على الدول جميعا، ومنها العراق، واطلق ما يسمى مفهوم “تصدير الثورة” من اجل تطبيق وتحقيق هذا الهدف.

ولذلك اول ما قامت به الثورة الإيرانية بعد انتصارها هو جمع القوى السياسية المعارضة في العراق من الأكراد، والقوميين العرب، ومن الحزب الشيوعي، لكن وبوجه خاص جمعت ودعمت وسلحت وسيطرت على الحركات الشيعية الدينية والتي هي ضد حزب البعث عدو الإسلام، الذي ينسب نفسه إلى الاشتراكية الكافرة، والمدافع عن القومية العربية الملحدة، والذي يرفض الأخلاق الإسلامية، ويقف ضد تدخل رجال الدين في شؤون الدولة، كما يزعم الخميني! حيث يقول: “أذلت القومية العربية والاشتراكية البعثية الإسلام، وشجعت الحداثة والفكر العلماني، وهما سبب ردة المؤمنين والانحطاط الأخلاقي للمجتمع”.

لكن التنوع المذهبي والديني والإثني حفظ العراق على دوام تاريخه، امام التدخلات الخارجية وخاصة الصفوية منها، ولان الاغلبية السكانية كانت للسنة، على مدى تاريخ العراق الحديث والمعاصر، فلم يشكل هؤلاء اي تهديد للسلطة المركزية في العراق. واليهود والنصارى والشيعة وباقي الاقليات كانوا يشكلون مع الاغلبية السنية سكان المحلات والمدن الفقيرة والغنية من العراق، ولذلك لم يظهر بينهم اي فرض لإرادة قومية على الاخر أو أي احتجاج ديني بينهم لفرض هيمنتهم السياسية.

لكن الفقر والجهل وما ينتج عنه من تخلف ودونية اجتماعية اجبر الشيعة العراقيين نحو التدين الاصولي الاثني عشري بعدما كانوا مهتمين عموما بالتجارة والأعمال الحرفية، وبقي جزءا صغيرا منهم تسنى له فرصة بلوغ مستوى رفيع في التعليم ومن ثم الوصول الى اعلى السلم الاجتماعي، ولم يلق هؤلاء اي مزاحمة او ابعاد من السنة او اية جهة اخرى، وبالتالي نالوا اعلى الرتب في المدارس والجامعات، وبلغوا المنازل العليا فيها بسهولة، واختير كثير منهم ككبار الموظفين في الاجهزة العليا للدولة.

لكن ولادة الحركة الدينية الشيعية الاصولية العراقية والمؤمنة بولاة الفقيه، والتي أسست منظمتها السياسية الأولى في ايران بعد ثورة الخميني، كان هدفها العمل من أجل يقظة الإسلام الشيعي، واصبحت الحركة الشيعية في العراق، في مواجهة مباشرة مع السلطة، وحتى اليوم بسبب تاثرهم بالفكر الثوري الايراني وليس بفكر بناء الدولة وتنميتها.

وهكذا نفهم أهمية رهان حدوود الحرب السياسية. فمما لاشك فيه صوَر العراق هذه الحرب كما لو انها كانت جزءا من صراع ابدي بين العرب والفرس، وكمعركة مشروعة لاستعادة حقوق العرب التاريخية.

بينما في الواقع استخدمت هذه الحروب كوسائل لهذا النظام او ذاك لاخفاء الانحطاط الداخلي للمجتمعين العراقي والايراني، والذي اغلق بنفسه طريق المستقبل امامه من خلال اختياره لمنطق الحرب، كما ان هذه الحرب مثلما كانت تستجيب أيضا لطموحات بغداد وطهران في الثمانينيات من القرن الماضي انذاك، فانها تستجيب هذا اليوم ايضا لطهران وبقية عواصم الحرب في منطقتنا لانها دليل كما يعتقدون على تأكيد نفسها كقوة إقليمية ولسد الفراغ الذي خلقه سقوط نظام صدام.