الحكومة الجديدة أمام تحدي وأد الأزمات المستدامة وتحقيق التنمية المستدامة في العراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد

من بعد الاحتلال وليومنا هذا ما تشهده الساحة الأمنية والسياسية والاقتصادية وحتى البيئية في العراق تعاقب أزمات مستدامة لا يستطيع من يقف على رأس منظومة الحكم أن يحد منها أو من تأثيرها، فآثار المشاريع الفاعلة في العراق وخاصة مشروعي الاحتلال والطائفية يديمان زخم استدامة الأزمات على الدوام، فلا بقاء ولا توسع لها مع الاستقرار، مشروعي الاحتلال والطائفية العدو الأول للعراق والعراقيين، فالمشروع الأول أدخل العراق في فوضى خلاقة عارمة بغية إعادة تنظيمه وفق ما يريد، وفشل في احتواء الفوضى والخروج منها بشكل كامل، بل لا تزال توابعها تضرب في الجسد العراقي. والمشروع الثاني يعمل عل إضعاف العراق في الميادين كافة كي يبقى عالة على إيران صاحبة الامتياز بهذا المشروع وبالتالي لا استقرار ولا تنمية للعراق في ظل هيمنة المشروع الطائفي الإقصائي.
في العراق وبعد ما يقرب من عقد ونصف لا تزال الطبقة الحاكمة فيه تمثل أو تغازل أحد المشروعين أو كلاهما ولا يتغير الموال بتغير الحزب والكيان والمذهب والعرق، بل يعد جل الساسة العراقيين من مختلف القوميات والمذاهب أدوات في أيدي هذه المشاريع، يقينا هناك استثناءات غير أنها كما أثبت الزمن لا تستطيع المقاومة ضد التيار بل ستسحق في محاولاتها للعبور بالعراق إلى بر الأمان، والغريب بالأمر أن المشروعين أحيانا يسهمان في إغراقه، ومع ذلك لا نعدم من أهل الوعي والذكاء من يسعى ويحاول ويناور، إلا أنه يقينا يبقى في الطبقة الوسطى من صناعة القرار، لا يسمح له بالارتقاء إلى مصاف أصحاب القرار الحقيقيين، وإن وصل بأي وسيلة كانت سيجد نفسه في هاوية سحيقة بعد أن ينال منه المشروع الطائفي بأوامر العم سام صاحب الامتياز لمشروع الاحتلال.
علمتنا الأيام أن لا نعمم لكون التعميم آفة، هذا أولا ومن ثمة لا مجال للعمل في العراق لمن يملك الإرادة الحرة، بل سترهن الإرادة لأحد المشروعين في ظل الظروف المحيطة بنا رضينا أم أبينا، وبالتالي نحن في جميع كتاباتنا لا نحلق بعيدا، بل نلتمس من الواقع المتاح أملا منشودا، فلا سواء ممكن أن نراهن على من يحمل مشروعا وليدا في رحم هذه المشاريع الكبيرة شريطة أن يراد به صالح العراق والعراقيين، نتصفح مع كل محنة منح تتاح لعلها تكون سفينة النجاة، ومن ثمة لا تعنينا الوجوه والشخصيات والخلفيات كثيرا بل تعنينا برامجهم إن وجدت، ونبحث بين ثناياها ما يمكن توظيفه في خدمة العراق والعراقيين، فالعراقيون اليوم لا ينشغلون بمن يحكمهم لكنهم يقفون على بما سيحكمهم.
العراقيون لا تعوزهم المعرفة والخبرة بل تعوزهم المساحة الحرة للعمل دون ضغوط المشروعين وأجنحتهما، فالعراق موطن العلماء ومستودع الخبرات وكنز دفين للعقول الكبيرة والطاقات الخلاقة المبدعة، لذلك نجد في ظلام المشاريع المشبوهة المهيمنة على الساحة العراقية نورا يسطع بين الحين والآخر، قد يكون مصيره الإطفاء إذا لم يلق الرعاية والعناية الكافية، لكنه في النهاية منتج عراقي بامتياز يحتاج من يجيد تصنيعه من جديد وتسويقه وفق الظروف الموضوعية التي تحيط بالبلد وبالزمن، ونحن في هذه العجالة ونحن نرصد في العراق تنمية مستدامة للأزمات نسعى لتحويلها إلى مسار التنمية المستدامة في الاقتصاد والبيئة بما يخدم العراق والعراقيين حتى لو كان في الآماد البعيدة وليست المتوسطة حتى نطمع في القريبة منها.
فما هي التنمية المستدامة وما هو مفهومها ومتى ظهرت في الساحة العالمية سنتطرق للبعض من هذه الأفكار ومن ثمة نسقطها على الواقع العراقي. يمكن تحديد مفهوم التنمية المستدامة باعتباره مصطلحا اقتصاديا اجتماعيا يعني تطوير وسائل الإنتاج بطرق لا تؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية لضمان استمرار الإنتاج للأجيال القادمة (تلبية احتياجات الجيل الحالي دون إهدار حقوق الأجيال القادمة).

وتعرف التنمية المستدامة بمفهومها الشامل والعام كما يقول خبراء؛ أنّها عبارة عن نشاط شامل لكافة القطاعات سواء في الدولة أم في المنظمات أم في مؤسسات القطاع العام أو الخاص أو حتى لدى الأفراد، حيث تشكل عملية تطوير وتحسين ظروف الواقع، من خلال دراسة الماضي والتعلم من تجاربه، وفهم الواقع وتغييره نحو الأفضل، والتخطيط الجيد للمستقبل، وذلك عن طريق الاستثمار الأمثل للموارد والطاقات البشريّة والمادية، بما في ذلك المعلومات والبيانات والمعارف التي يمتلكها المقيمون على عملية التنمية، مع الحرص على الإيمان المطلق بأهمية التعلم المستمر واكتساب الخبرات والمعارف وتطبيقها، ولا تقتصر التنمية على جانب واحد أو مجال واحد فقط من المجالات الحياتيّة بل تشمل التنمية الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية والعسكريّة والإنسانية والنفسية والعقلية والطبيّة والتعليمية والتقنية وغيرها، بحيث تهدف بشكل رئيسي إلى رفع وتحسين مستوى المعيشة لدى الأفراد، وضمان معيشة أفضل للأجيال القادمة.
ويعد مفهوم التنمية المستدامة development Sustainable من المفاهيم المستحدثة بالنسبة لإطار العمل البيئي في مختلف الدول؛ ويرجع ذلك إلى أن الاهتمام بقضايا البيئة كان منصبا في بادئ الأمر على الحد من التلوث البيئي بأنواعه المختلفة؛ فقد أدى إدخال البعد البيئي في مجال الاقتصاد إلى تغير مفهوم التنمية الاقتصادية من مجرد الزيادة في استغلال الموارد الاقتصادية النادرة لإشباع الحاجات الإنسانية المتعددة والمتجددة إلى مفهوم التنمية المستدامة. يمكن عد صدور تقرير “نادي روما” المعنون حدود النمو الاقتصادي “(Die Grenzen des Wachstums) في عام 1972 البداية الأولى لظهور الوعي البيئي في غرب أوروبا، ومن ثم انتشاره على نحو تدريجي في بقية بلدان العالم. ولعل الخطوة الحقيقية الأولى كانت مع انعقاد أول قمة بيئية عالمية من نوعها هي قمة الأرض في مدينة ريودي جانيرو بالبرازيل ويعد ذا أهمية كبرى فقد حضرته (168) دولة في عام 1992، وأشار المبدأ الرابع الذي أقرته القمة إلى أن من شروط تحقيق التنمية المستدامة ينبغي أن تمتثل الحماية البيئية على رأس عملية التنمية.
وولدت أهداف التنمية المستدامة في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في ريو دي جانيرو عام 2012. وكان المراد من المؤتمر وضع مجموعة من الأهداف العالمية لمواجهة التحديات البيئية والسياسية والاقتصادية الملحة التي تواجه عالمنا، وحلت أهداف التنمية المستدامة محل الأهداف الإنمائية للألفية، التي أطلقت عام 2000 جهوداً عالمية لمكافحة ذلّ الفقر. وضعت الأهداف الإنمائية للألفية أهدافاً فرعية قابلة للقياس حظيت بإجماع عالمي لمعالجة الفقر المدقع والجوع، والوقاية من الأمراض المميتة، وتوسيع التعليم الأساسي ليشمل جميع الأطفال، إلى جانب أولوياتٍ تنموية أخرى، وقادت الأهداف الإنمائية للألفية لمدة 15 سنة التقدم في مجالات مهمة عدة هي: تقليل الفقر الناجم عن الدخل، وتوفير الوصول الضروري إلى المياه والصرف الصحي، وتقليل وفيات الأطفال، وتحسين صحة الأمهات بشكل كبير.
أما في العراق كما يقول الدكتور بارق شبر؛ بعد التغيير في نيسان 2003 تفاءل الكثيرون من المثقفين ببداية عهد جديد تحظى فيه حماية البيئة والتنمية المستدامة اهتماماً جدياً. وشجع هذا التفاؤل نص المادة (33) من الدستور العراقي التي تضمن حق المواطن في العيش في ظروفٍ بيئية سليمة، وتكفل الدولة حماية البيئة والتنوع الاحيائي والحفاظ عليهما. وتم ترجمة هذه المادة من خلال تأسيس وزارة خاصة للبيئة وظهور العشرات من منظمات المجتمع المدني في مجال حماية البيئة. ولكن من جانب اخر، شاهدنا فتح الحدود على مصراعيها لتدخل إلى العراق الجديد بضائع رديئة الصنع مضّرة للصحة والبيئة، فضلاً عن تدفق اعداد هائلة من السيارات المستعملة والتي كانت تملأ مزابل الدول الصناعية عبر الحدود المفتوحة من دون رقابة تذكر. وبعد مرور أكثر من 13 عاماً منذ التغيير نشاهد فشلاً واضحاً في تحقيق حد أدنى من التنمية الاقتصادية بحد ذاتها، فما بالك بتنمية مستدامة تأخذ بنظر الاعتبار حماية البيئة والموارد الطبيعية وتلبي حاجات الاجيال الحالية من دون التعدي على حقوق الاجيال القادمة.
الخطوة الجادة التي شهدتها الساحة العراقية كانت في إطار الاجندة العالمية للتنمية 2015-2030، التي بدأت وزارة التخطيط عملها على اعداد خطة في اطار هذه الاجندة العالمية تمثلت بتشكيل اللجنة الوطنية للتنمية المستدامة برئاسة السيد وزير التخطيط، وبدأت اللجنة المذكورة عملها بتشكيل مجموعة من فرق العمل حسب محاور الأجندة العالمية وكذلك العمل على عقد أربعة مؤتمرات لإعداد خارطة طريق في اطار تنموي مستدام المؤتمر العلمي الأولى عقد يوم 24 تشرين الثاني 2016 تحت شعار العراق 2030 المستقبل الذي نصبو اليه، وشارك في المؤتمر نخبة من الباحثين من خلال مجموعة من البحوث المهمة حسب محاور المؤتمر.
واشـــــــارة إلى التـــزام العراق التطوعي بأجندة التنمية المستدامة 2015-2030 والتي تم الاتفاق عليها خلال السنوات الماضية عبر سلسلة من المؤتمرات والندوات وبرامج العمل المسترشدة بميثاق الامم المتحدة ومبادئها ومتخذه من المتحقق من الاهداف الانمائية للألفية خط شروع للمستقبل، نظمت وزارة التخطيط المؤتمر العلـــمي الاول بعنوان (اهداف التنمية المستدامة ..خارطة طريق في اطار تنموي مســـتدام) يوم الخميس الموافق 24/11/2016 في فندق المنصور ميلـــيا، بحضور نخبـــة من مسؤولين اتحاديين ومحليين ومختصين وأكاديميين، قُدِمت في المؤتمر مجموعة بحوث ودراسات تشكل قاعدة انطلاق لصياغة رؤية واستراتيجية وطنية للتنمية المستدامة 2030 بما فيها رؤية مقترحة من وزارة التخطيط .
كما سعى المؤتمر الى تبني مشروع وطني يسمح بدمج غايات واهداف التنمية المستدامة في الخطط الوطنية وقياس التقدم استناداً الى المؤشرات المعتمدة دولياً ومثل بذلك المرحلة الاولى من اربعة مراحل منهجية لإعداد الاستراتيجية وصولاً الى صياغتها وإطلاقها كالتزام وطني ودولي. وتأسيسا على ما تقدم اكدت معطيات المؤتمر على اهمية توفر الإرادة السياسية في تبني اهداف التنمية المستدامة ووضع رؤية وطنية للاستراتيجية فضلاً عن الشراكة الفاعلة بين شركاء التنمية (القطاع الخاص، المجتمع المدني والأكاديميين اضافة الى الجهات الدولية).
فهل سيحقق الساسة في الحكومة الجديدة هذه الاستراتيجية الوطنية التي تسهم تقدم العراق وانتشاله من المستنقعات الموحلة تخلفا ودمارا التي زُج بها من قبل مشروعي الاحتلال والطائفية؟