الانسحاب الأمريكي من سوريا وخطورة انعكاسه على العراق

مجاهد الطائي
قرر الرئيس الأمريكي ترمب بشكل مفاجئ سحب القوات الأمريكية من سوريا بالتفاهم مع تركيا وروسيا، وذلك بعد تفاقم المشاكل والقضايا الداخلية على الرئيس في البيت الأبيض ، لكن وبغض النظر عن أزمات الداخل في واشنطن وتعقيدات الوضع الإقليمي في سوريا ،هناك مخاطر حقيقية على المناطق الغربية في العراق خاصة منطقة الجزيرة وسهولها الوعرة ومخاطر حصول إختراقات داعشية على أمن العراق ومدنه المنهكة، خاصة وأن قرار سحب القوات تضمن إيقاف القصف الجوي على تحركات قوى الإرهاب على الحدود بين سوريا والعراق.
لقد أعاد تنظيم داعش بناء صفوفه ونشاطه في حوض الفرات في سوريا كما بدأ ينشط في بعض الأقضية والنواحي والمناطق المتنازع عليها في شمالي وغربي العراق وعلى الحدود ، وبغياب القوات الأمريكية وأنتشارها في سوريا قد يسهل على عناصر داعش مجال المناورة والعبور إلى العراق. من جهة أخرى ، كانت القوات الأمريكية وطلعات التحالف الدولي الجوية تشكّل حاجزاً أمام ميليشيات إيران وسلاسة خطها نقلها البري المعروف “طهران – بغداد – دمشق – بيروت” ، فانسحاب القوات الأمريكية قد يعني إعادة نشاط داعش والميليشيات وأفكارهما وطموحاتهما العابرة للحدود والتي لم تجلب للعراق سوى الخراب والدمار.
إن العراق دخل حالة أزمة حقيقية سواءً من خلال الهاجس الأمني المتكرر ومن خلال ما حدث على حدوده الغربية ،لكن الولايات المتحدة وعلى لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو وعد العراق بالإلتزام بدعمه في محاربة داعش ملمحاً إلى أن داعش قد تم القضاء عليها ولم تعد قادرة على تشكيل خطورة حقيقية على العراق.
القرار الأمريكي يقضي بأن القوات الأمريكية تبدأ فعلياً بالانسحاب الجزئي التدريجي خلال 60 – 100 يوم ، لكن لم تُحدد الوجهة إذا ما كانت إلى الولايات المتحدة دفعة واحدة أم مرحلياً إلى قواعدها القريبة في العراق ، والمتواجدة على الحدود السورية – العراقية “قاعدة التنف” ، وإلى “مطار الرملان” على الحدود العراقية – السورية – التركية وقاعد الشدادي قرب نهر الخابور وفي محافظة  الأنبار وجنوب الموصل وفي إقليم كردستان بمدينة أربيل ، فهذا الانسحاب إلى الحدود يخدم العراق من خلال تعزيز أمنه من خلال تكثيف وجود القوات الأمريكية هناك ، فمن غير المنطقي ترك القواعد الحدودية بدون مراقبة أمن الحدود وهي في صراع دائم ومستمر مع قوى الإرهاب.
الخطر الحقيقي على العراق يكمن من جانبين : الأول هو عدم قدرة القوات الأمنية العراقية على حماية الحدود من عودة داعش واستمرار عبور الميليشيات العراقية إلى سوريا. الثاني هو انسحاب القوات الأمريكية من العراق أيضا في 2019 وتنفيذ وعود ترامب الإنتخابية بالانسحاب من أفغانستان والعراق وسوريا ؛ مما سيجعل العراق يميل إلى الطرف الإيراني أكثر ويوضع أمريكياً ودولياً بسلة واحدة مع إيران – وفشل سياسة النئي بالنفس عن سياسة المحاور – خاصة وإن الولايات المتحدة قد مددت مهلة الـ45 يوماً للعراق باستيراد الغاز الإيراني والسلع إلى 90 يوماً أخرى للتوصل إلى حل وإيجاد بديل عن المنتجات الإيرانية ، علماً أن العراق بحكومته وقواه السياسية غير قادرة على اتخاذ هكذا قرار وأعلن رئيس الوزراء الجديد بأن العراق غير معني بهذه العقوبات؛ مما يعني شمول العراق بالعقوبات مع إيران بأسوء الأحوال لعدم إلتزامه وخطورة الإنخراط رسمياً مع سياسة إيران ومراهقتها في المنطقة.
على خلفية الانسحاب الأمريكي من سوريا قدم جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي أستقالته ، كما قدم ماكغورك المبعوث الأمريكي الخاص ضد داعش أستقالته أيضاً لذات السبب ؛مما يعني أن سياسة ترمب العسكرية قد تغيرت فعلياً من خلال تقديم آخر معارض لشن ضربات على إيران أستقالته “ماتيس” من إدارة ترمب ، وهو ما قد يعني أن تعزيز الوجود الأمريكي في القواعد العسكرية وسحب الجنود من الساحات المفتوحة يُفسر على أنه تحضيرات للدعم اللوجستي لإسرائيل في حال شنت أي هجوم على مفاعلات إيران النووية أو قصف لمواقع وأهداف إيرانية في سوريا والعراق لما تعتبره تهديداً على أمنها، يأتي ذلك بُعيد تصريحات لوزير خارجية إيران جواد ظريف خفف من خلالها النبرة ضد إسرائيل عندما قال “من قال أننا نريد تدمير إسرائيل؟” أو محوها من الخارطة كما كانوا يرددون سابقاً والتي تفسّر على أنها تغير آخر وخوف إيراني حقيقي من شن ضربات ضدهم خاصة وأننا أعتدنا على التصريحات الإيرانية المليئة بالتحدي والتهديد والسخرية من القيام بأي هجوم ضدها.
أخيراً ، هناك قاعدة سياسية تقول “السياسة تكره الفراغ” أي أن أي فراغ سياسي أو عسكري تتركه أي قوة سيعبئ بقوة أخرى مهما كانت مقبوليتها ، فالقوات الأمريكية تركت فراغاً عسكريا في سوريا وقد يعبئ من قبل تركيا أو الميليشيات والنفوذ الإيراني أو بتنامي قوة داعش وعودتها أو يكون محط نفوذ روسي جرتها إليه واشنطن لجعلها في معركة استنزاف مع منافسيها ، وفي جميع الأحوال يعتبر التوتر على الحدود العراقية وبمناطقه وعرة والغير المستقرة وتعاني من صراعات إقليمية وجماعات متمردة عابرة للحدود لا يخدم العراق مطلقا ، لاسيما بعد نشر تقارير في صحيفة الواشنطن بوست يتحدث عن أن داعش لا يزال يحتفظ بقدرات مالية وبالعملة الصعبة والذهب والتي تقدر بـ”400″ مليون دولار قادرة من خلالها تمويل نفسها ذاتياً والعودة من جديد.