“مكاتب الحشد الاقتصادية” .. أداة للتغول والنفوذ في المدن السنية المدمرة

مجاهد الطائي
بعد إضفاء شيء من الشرعية و”الغطاء القانوني” على الحشد الشعبي من خلال الحرب على داعش والتي كانت باباً ومبرراً أيضاً لتمدد هذه الميليشيات في المدن السنية وتدميرها عن طريق المساهمة باستعادتها من قبضة داعش ، بدأ الحديث عن بقاء هذه الفصائل والميليشيات وفتح مقار سياسية وعسكرية ومكاتب اقتصادية كبوابة لصناعة أذرع سياسية واقتصادية وعسكرية دائمة ومتغولة في هذه المدن المنكوبة ، كما إن أي حديث عن صدور قرارات عبر بيانات من الحكومة العراقية بانسحابها إلى خارج المدن والتنصل من مسؤولية عملها تعتبر قرارات شكلية وعلى الورق فقط ولم تنفذ ، خاصة من قبل الميليشيات التي ترتبط بإيران إرتباطاً عضوياً ،وليس للحكومة العراقية الضعيفة سلطة حقيقية عليها كميليشيات “بدر، العصائب، النجباء، حزب الله العراقي، الخراساني ،كتائب الإمام علي”.
تحاول هذه الميليشيات وغيرها تقليد عمل “الحرس الثوري الإيراني” في إيران بصناعة دولة داخل الدولة والتغول في جميع الملفات في العراق وفتح مكاتب اقتصادية للتمويل الذاتي لإدامة عملها داخل مدن الوسط والشمال السنية المنكوبة والتي لم تطئها أقدامها من قبل إلا بعد تدميرها وسحق أي إرادة مجتمعية تستطيع رفض هذه الممارسات أو منع استمرارها فيها ، فقد أصبح لهذه الميليشيات أذرع ومكاتب سياسية عسكرية اقتصادية متداخلة في أغلب المدن وتعمل اقتصاديا عن طريق وكلاء أو أناس عاديون أو رجال أعمال تقف خلفهم وتساندهم هذه الميليشيات وتفتح لهم الطريق إذا ما تعرضوا لأي عقبات بتوظيف واستخدام سطوة السلاح وأستغلال غياب السلطة والقانون ، فبيع أراضي تابعة لدولة وأخذ الأتاوات من بعض المحلات التجارية والمطاعم والصيدليات وفرض رسوم وجباية الأموال على بعض المتاجر وشركات النقل يتم بعلم الحكومة لكن لا تستطيع إيقافهم أو تقوم بالتنصل من المسؤولية بالقول أنها “ممارسات فردية”.
لقد بدأت الميليشيات تتغول أكثر من خلال وضع يدها على المناقصات والمزايدات المطروحة في بعض المدن المنكوبة والتي بدأت الحياة تعود إليها شيئاً فشيئاً، كما تعمل على إبتزاز المستثمرين الأجانب والعراقيين في مدن الجنوب وبغداد من خلال الحصول على نسب مالية من هذه الإستثمارات أو تقوم بتعطيلها، كما وتتهيئ لوضع يدها على مشاريع إعادة الإعمار في المدن المدمرة بالرغم من أنها لم تبدأ بعد سوى مشاريع بسيطة لا تتناسب مع حجم الدمار والحاجة للإعمار.
يقدر عدد هذه المكاتب بالعشرات وتتخذ بعض الميليشيات منازل بعض المواطنين المتروكة مقاراً لها وتمارس أعمال متنوعة وتسيطر على بعض مواقف السيارات ومحطات الوقود وتسيطر على خطوط تهريب النفط من العراق إلى إيران ومن المدن العراقية المنكوبة إلى المدن الأخرى كما وتتلاعب بحصصها النفطية وأسعار النفط فيها ، وقد أعلنت هيئة الحشد الشعبي ببيان البراءة من هكذا أعمال والبراءة من أي عنصر يمارس أي أعمال تجارية أو إبتزاز مواطنين مدَّعية بأنها مؤسسة عسكرية ولا تمارس أي نشاط سياسي أو اقتصادي وأي ممارسات لا تمثلها وهي غير مسؤولة عنها.
إن الميليشيات المرتبطة بإيران بشكل مباشر لا تستطيع أي مؤسسة ولا حكومة ضبط إيقاعها ولا تستطيع وضع حد لممارساتها ، فهي تمارس السرقة بوضح النهار ، فقد قامت بعد إعلان النصر على داعش بوضع يدها على مئات الأطنان من الحديد الخردة من سيارات ومكائن ومباني ومخلفات الأسلحة وقامت ببيعها لمعامل صهر الحديد.
أخيراً، إن الإدعاء بأن هذه الميليشيات قامت بـ “الجهاد” والدفاع عن العراق من الإرهاب يطرح تساؤلاً عن نوع ذلك الجهاد الذي من خلاله تُسرق المدن المنكوبة ويُتاجر من خلاله بالانتصارات فهو يمثل أكبر هزيمة وفشل على مستوى الأخلاق والقيم ، إن “الجهاد عادةً يكون من أجل المبادئ وخوض الحروب يكون من أجل المصالح” فما بالكم بميليشيات خلفت دماراً هائلاً وتسمي ما دمرته مع النصر على داعش أنتصارات ،وتتاجر بها ،وتُعيَّر السكان المحليين بأنها خلصتهم من داعش وتبتزهم على ذلك ، فهي لم تكتفي بالتجارة بالنصر والدخول في الانتخابات وتحقيق مكاسب مخالفة للدستور والقانون فتقوم بالتغول في كافة مفاصل المجتمع والدولة ومؤسساتها بصورة فجة وبدون أي رادع قانوني أو سياسي.