العمل والعمال في ظل ايات الله

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
ما يثير المرء حين يحصي معدلات الهجمات الانتحارية التي تحدث في العراق عموما ان النسبة الغالبة منها لا تكون ضد مواقع عسكرية وانما تكون في مناطق رخوة امنية في مواقع مدنية، وان اكثر تلك المواقع المدنية تكون ضد مواقع مسطرة العمال وتواجد العمال الكسبة ذوو الاجور اليومية، خاصة في ساحة الطيران او بغداد الجديدة او البياع، ويكمن سبب ذلك ان تلك القوى العاملة المستهدفة هي الاخطر بالنسبة للنظام السياسي الديني القائم في بغداد اليوم..
في البدء علينا الاعتراف اننا امام تفكير وطريقة حكم فريدة لايات الله في العراق، فبعد تغيير النظام عمد مؤسسوا هذا النظام الى تشكيل حكومة متنوعة وليس ذات لون واحد، لكن مؤلفة بمعظمها من رجال يعطون الولاء المطلق لرجال الدين دون الدولة، وكان هذا أمرا لا يمكن التفكير باسبابه آنذاك، لأنه كان ينطوي على خطر عدم اللحاق بالعملية السياسية.
لكن السياسة الاجتماعية التي كان النظام الشيعي ينوي تطبيقها، هي موجهة بشكل اساسي تجاه الطبقة العاملة، حيث يظهر بوضوح خشية رجال الدين بصورة خاصة من  الاضطرابات التي قد يثيرها العمال الكسبة.
ويبدو أن موقف الحكم الشيعي في العراق بعد التغيير حول العمال يستلهم القوانين والفتاوى للمرجعية المكتوبة وغير المكتوبة منها، وبوجه خاص فكر السيستاني بالذات، مشددا بقوة على الطابع المعزول والحر للفرد في سوق العمل. وهو بذلك يكشف الفهم الاقتصادي للسلطة المذهبية، التي تسعى وبقوة للعودة إلى الليبرالية الاولية، ذات الآثار الإقطاعية المتعددة والقليلة، والتي تساعد على تحرير قوانين السوق الطبيعية، وبالتالي فهي متناغمة بشكل كامل مع المفاهيم الامريكية القادمة للتغير الديمقراطي في المنطقة.
العمل بالاجرة له مبادئ تعترف بها انظمة الدول المختلفة اعترافا صريحا بما يعرف باستئجار الخدمات، وهي سائدة في أوروبا والعالم منذ ولادة الرأسمالية في القرن التاسع عشر، وهي التي فتحت الباب أمام مفهوم البروليتاريا والذي يستند إلى مفهوم المبادلة الطوعية للعمل مقابل أجر وهو الذي يحدد ذوي الدخل المحدود وقوة العمل ويقبل بحرية شروط العقد.
وبالتالي هذا المفهوم من العمل لا يعتبر تدخل شخص ثالث بينهما ضروريا، بل وليس مسموحا بأي مطلب طوال مدة العقد غير ما تم التعاقد عليه في البدء، حيث تقوم علاقة العمل على منطق حرية الطلب والقبول، وفقط وحده صاحب العمل من يحدد مضمون العقد وعلى المأجور يقبل أو يترك، وفي القانون المحلي للدول المحترمة، يتمتع المستخدِم بموقع يتميز فيه حيث يجري اعتباره مواطنا حرا بأعماله وممتلكاته، ومن ثم هناك ضمان له بالاعتراف بالحق في الملكية غير قابل للتصرف، بما فيه حق امتلاك قوة عمل الآخرين. وبالمقابل وضعت الدول قوانين وتشريعات الرعاية الاجتماعية والانسانية وحماية الطبقات العمالية ضمن معدلات عالمية مقبولة لكي يتم الحد من سلطة المستخدم رب العمل، للتخفيف من التمييز المتعلق بالجنس والسن، وارغام رب العمل بالموافقة على الزامه بالتعويض من الأضرار التي تصيب العمال.
لكن المشرعين من الاصوليين الشيعة يرفضون اي مبدأ من مبادئ الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجور، وتحديد يوم العمل، وتعيين عدد ساعات العمل الأسبوعي والعطل المدفوعة… ويعتبرون أن تدخل الدولة لا يمكن له إلا أن يكون له نتائج سلبية على السوق، وأنه يفسد العرض والطلب.
وهذا النص عند علماء الشيعة تراث مستمر وحتى اذا أدى ذلك الى ركود اقتصادي او الى تلف في الإنتاج او الى هبوط في العرض والطلب او الى صعود البطالة عند السكان الذين هم في سن العمل، او حتى اذا ادى ذلك الى هبوط قيمة قوة العمل واستعباد الطبقة العاملة، لانهم ببساطة مؤمنين بالدولة التي تاكل فقط من عائدات النفط والضرائب، وبالتالي ماتت الحياة العمالية في العراق وزادها فوق ذلك التفجيرات الانتحارية التي جعلت الشباب ممن هم في سن العمل يذهبون الى طلب وظائف التعيين الحكومي دون العمالة الخاصة.
  ايضا لم يحترم فقهاء الشيعة الحد الأدنى لأجرة العامل بالمقارنة مع حاجاته الأساسية ومستوى المعيشة في مناطق البلد، وهل يلبي متطلبات حياة عائلة العامل. وهذا الامر لم يتم احترامه يوما بصورة حقيقية من قبل هؤلاء، لذلك لازالت تعطى رواتب أدنى من الأجرة العادلة، حيث لا يعترف القانون الشيعي، بإقرار حد أدنى للأجور يكون إلزاميا، او بتحديد مقدار المكافآت، او في تدخل الحكومة في عقود العمل.
يوم العمل وعدد ساعات العمل اليومي والأسبوعي تركه الملالي لمن يعنيهم الأمر حرية الإختيار، حيث يُحدّد في العقد مواقيت العمل في شتى الفصول وأوقات التوقف والاستراحة والصلاة، لكن ساعات الراحة والأكل فليست محسوبة من ضمن ساعات العمل. اما العطل ففي ظل النظام الشيعي، فيمكن للمأجورين الاستفادة من يوم راحة في الأسبوع، ومكافأة أيام العطلة ولاتوجد عطل سنوية.
اما الحماية الاجتماعية فايات الله لايحترمون ابدا مبدأ حظر تشغيل الاطفال ولايعترفون بالأضرار التي يسببها ذلك لصحتهم الجسدية والنفسية، بل انهم يشجعون استغلال حديثي السن في المشاغل الحرفية، واحصائيات المنظمات غير الحكومية تشير الى ان عدد الاطفال بين 5-15 سنة من العاملين تتراوح اعدادهم الى ما يقرب من 4 ملايين طفل اغلبهم لايعرفون القراءة والكتابة، بل ان صحف بغداد هذا اليوم نشرت خبرا عن كتيبة من المجدين المتسولين في بغداد وحدها يعمل فيها 800 طفل.
بينما عمل النساء فقد ازاد التمييز تبعا للجنس زياد مهمة في ظل النظام الشيعي الجديد في العراق، فالنساء المتزوجات يمكنهن العمل، شريطة عدم الإخلال بـالحقوق الزوجية
ان الحقوق الاجتماعية للعمال تعود للقوانين المتعلقة بالضمان الاجتماعي لكل دولة حديثة، لكن المجتهدين الشيعة الحاكمون اليوم في العراق يهدفون إلى تحرير الدولة والمستخدم كليا من مسؤولياتهما حول التعويض في حوادث العمل، والأمراض الناجمة عن المهن، وحالات الحمل، والتقاعد. بالمقابل، هم يتوجهون نحو استبدال هذه الضمانات القانونية بتدابير خيرية، وفقا لقواعد المرجعية، وهبات العتبات في الاهتمام بالمعاقين والمرضى والعجزة على أولاد وأحفاد أو على أهالي العمال، وبالتالي لن يكون هناك اي مبرر لوجود الضمان الاجتماعي والتقاعد لهؤلاء ما عدا الموظفين الحكوميين.
تحاول المرجعية الدينية الحاكمة في النجف اليوم من تشكيل خلفية للقانون العراقي بالعمل تستند إلى فكرة الخضوع للقدر أو الاستسلام له، والقبول بالفوارق في الغنى والثروة، التي يجب النظر إليها على أنها معطيات طبيعية، اي سحق واعدام الطبقة الوسطى في المجتمع التي هي محركة وداعمة لكل طبقات المجتمع الاخرى، فبين الأغنياء والفقراء، وبين رب العمل والعامل، الجميع أمام الله سواسية. وهكذا يجري اعتبار السعي وراء المساواة المادية أمرا مرفوضا وحقيرا عندهم، وان الدفعات المالية والمساعدات الاجتماعية والهبات العينية هي مبالغ فاسدة ولايمكن تطبيقها، لان الهدف في نظرهم ليس الرفاه او مستوى حياة أفضل للمجتمع، بل تطبيق نصوص المرجعية وتطبيق النظام الأخلاقي الخاص بها.
ضمن هذا المنظور، يكون من الواضح أن العمل النقابي مرتبط بالنسبة للنظام الاصولي الشيعي بـمفهوم مادي جاء به الغرب. وهو سيخلق انقسامات ضمن اصحاب المذهب وله تبعات ومساؤئ اجتماعية مرفوضة.
فالتشيع هو دين المستضعفين، والحكومة التي تطبق قواعده وهي حكومة عادلة في نظرهم، وليس ثمة مبرر بالتالي للاحتجاج أو للعصيان. فبما أن إرادتها الوحيدة هي إقامة العدل، فلا شيء ينبغي أن يقف امامها حتى لو كان نظام اجتماعي. لذلك فالإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات، كلها أمور تعتبرها السلطات الشيعية متعارضة مع مبادئ الحوزة، وولاية الفقيه، وان هؤلاء وغيرهم من الأحزاب أو التجمعات غير الشرعية هم من المحسوبين ضمن أعداء النظام  والمذهب.