دلالات زيارة ترمب إلى العراق

مجاهد الطائي
بعد أن شعر ملالي طهران بأنهم تفوقوا على الولايات المتحدة في صراع النفوذ في العراق بعد تشكيل التحالفات الانتخابية وإفشال الولاية الثانية للعبادي الذي كان يُدعم أمريكياً، أتت زيارة ترمب إلى قاعدة “عين الأسد” الجوية في الأنبار وألتقى القوات الأمريكية بدون أن يلتقي بأي من الزعماء العراقيين متجاهلاً الحكومة العراقية وأطرافها من القوى السياسية التي تعتبر اليوم حليفة لإيران شيعياً وكردياً وحتى سنياً وخاصة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي يصنف على أنه “إيراني المزاج” أو “معاديا للمزاج الأمريكي” بالنظر إلى تحولاته الفكرية التي مرت تاريخياً بين الفكر القومي والشيوعي ثم الإسلامي وهي جميعها لديها موقف من الولايات المتحدة فمزاجه لن يكون أمريكياً مطلقاً.
أتت زيارة ترامب المفاجئة في خضم تفاعلات القوى السياسية العراقية وتحديداً الميليشياوية والفواعل الشيعية منها (دولة القانون – الفضيلة – الفتح – سائرون) وتهديدها وحديثها عن نيتها تقديم مشروع قانون في البرلمان يُلزم القوات الأجنبية وخاصة الأمريكية بالخروج من العراق خلال جدول زمني محدد ، وهو ما يصب في مصلحة إيران لكنه قطعاً لا يخدم مصلحة العراق لا أمنياً ولا سياسياً، ناهيك عن تهديد الميليشيات بشكل دائم للقوات الأمريكية بإخراجها بالقوة إذا لم تخرج طواعية. كما تأتي الزيارة في فترة تجري فيها مفاوضات لاستثناء العراق من العقوبات الأمريكية على إيران بين وفد عراقي وأمريكي ، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة رفضاً قاطعاً – سوى منح استئثناء مؤقت قابل للتمديد وسينتهي بعد أسابيع – لرغبتها في أن يشكل العراق طرف رئيسي في العقوبات على إيران؛ لذا فمشروع قانون إخراج القوات الأجنبية يُعد ورقة ضغط إيرانية على الولايات المتحدة لاستثناء العراق من العقوبات الأمريكية فتأتي الزيارة متجاهلة جميع السياقات التي تسعى إيران لفرضها وتسويقها في العراق.
لقد تصرف ترمب بمنطق صراع النفوذ وتجاهل لقاء أي مسؤول في الحكومة العراقية ، خاصة وأن الحكومة العراقية لم تعد تُمسك بالعصا من المنتصف أو ليس لديها القدرة على اتخاذ قرار يضرّ بمصالح إيران على الأقل. إن ترمب زار القوات الأمريكية بعد توقعات بسحبها من العراق وذلك بعد سحبها من سوريا ؛ إلا أن ترمب وعلى ما يبدو قام بتحرك تكتيكي وليس استراتيجي بسحبها من سوريا وتعزيزها في العراق وإنشاء قاعدتين أمريكيتين إضافيتين في الأنبار، الأولى في القائم على الحدود السورية – العراقية ،والثانية في الرطبة قرب الحدود الأردنية – السعودية – العراقية وصرح بأن الولايات المتحدة ليس لديها خطط للانسحاب من العراق. فالعراق يعتبر إيرانياً خط الصد الرئيسي الأول في مواجهة أعدائها لأنه على حدودها ، لذا فإيران قلقة من تعزيز وتحصين وإنشاء قواعد عسكرية أمريكية على حدود العراق الغربية وهو ما يشكّل تهديداً عليها ويشعرها بالقلق الدائم من إمكانية استخدامها في مساندة إسرائيل في حال شنت ضربات جوية مباغتة على أهداف إيرانية عسكرية في سوريا والعراق وربما داخل إيران. ترمب بزيارته إلى قاعدة عين الأسد وأرتدائه بزة الحرب العسكرية التابعة لسلاح البحرية الأمريكية وإشارته خلال حديثه إلى محاربته الإرهاب الذي يشمل داعش وإيران وميليشياتها ؛ أشعر ملالي طهران بالخطر فردت عن طريق ميليشياتها بقصف محيط السفارة الأمريكية في بغداد بقذائف الهاون في نفس يوم الزيارة. فقد ضنت ميليشيات إيران أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيدفها لتفعيل الخط البري طهران – بيروت مرورا ببغداد ودمشق عبر الخط الدولي ؛ وإذا بترمب يدفع لتعزيز أمن الحدود وتحصين وإنشاء قواعد جوية حدودية جديدة ويقطع الطريق أمام طموحاتها. ولقد فصلت القواعد العسكرية الأمريكية الهلال الشيعي وقطعت عليه الطريق من الوصول إلى البحر المتوسط بتواجدها على الحدود وطمئنت حلفائها في المنطقة (الأردن – السعودية – إسرائيل) من التهديدات الإيرانية وأطماعها وأهدافها التوسعية ، وأرسل رسالة بأن مناطق النفوذ الأمريكي في غرب العراق وشماله لن يكون جزء من سيطرة نفوذ إيران ولن تكون مكاناً تنطلق منه لتهديد حلفاء واشنطن على المدى القريب على أقل تقدير.
سياسياً ، مزاج ترمب السياسي لا يقبل الحلول الوسط ومسك العصا من المنتصف ولا يرغب بنصف حليف ونصف عدو ، فهو يريد العراق حليف وليس عدو بجره إلى إيران ،فمن مصلحة العراق أن لا يكون إلى جانب إيران لكي لا يصنف عدو أمريكياً ويُشمل البلد بالعقوبات ويُشل اقتصاديا وسياسياً ويكون عرضة للخروقات الداعشية.
أخيراً ، لقد شن السياسيون العراقيون والميليشيات الموالية لإيران هجوماً لاذعاً على ترمب لزيارته للعراق سراً وعدم لقائه القادة والمسؤولين العراقيين معتبرين ذلك خرقاً للسيادة العراقية ، علماً أن هذه الميليشيات والجهات التي تقف خلفها تعمل لصالح إيران وتخرق القانون العراقي والدستور وتتجاوز على العراق وأمنه واستقراره وسيادته وتحاول أن تظهر بمظهر الحريص على البلد، كما تسمي القوات الأمريكية قوات احتلال وتهددها بمعاملتها كقوات احتلال إذا لم تغادر العراق طواعية وهي كانت تسميها قوات تحرير عندما أطاحت بنظام صدام. فليس من مصلحة العراق بالمطلق معاداة دولة عظمى كالولايات المتحدة ولن يجني البلد ولا شعبه شيئاً من معاداتها سوى مزيد من الويلات ، فهذه السياسة لا تصب في مصلحة أحد سوى مصلحة إيران باستخدامه ساحة لمواجهة أعدائها فنخسر نحن وتكسب طهران.