مسيحيو العراق… بين مطرقة إيران وسندان فتاوى التكفير

فراس الياس
الباحث في الشؤون الإيرانية
تشغل الديانة المسيحية مساحة واسعة من العراق، إذ تحتل المرتبة الثانية بعد الديانة الإسلامية في العراق، إلى جانب الإعتراف بها من قبل القوانين العراقية، والديانة المسيحية شأنها شأن الديانة الإسلامية تتوزع على مجموعة من المذاهب، كالكلدان والأثوريين والسريان والأرثدوكسيين، كما أنهم يتكلمون الللغة السريانية إلى جانب العربية، ويتمركزون في مناطق بغداد وشمال العراق، وكان لهم وجود ودور في مختلف مراحل الدولة العراقية علة إمتداد التاريخ السياسي في العراق، منذ العام 1921 وحتى اليوم.
وبعد العام 2003 وكزء من الفوضى الأمنية التي أنتجها الإحتلال الأمريكي في العراق، تعرض الوجود المسيحي في العراق إلى تحديات كبيرة على مستوى الهوية والإنتماء والوجود، كما تعرضو إلى حملة تنكيل واسعة من قبل تنظيم القاعدة من جهة، والمليشيات المسلحة من جهة أخرى، بالشكل الذي جعل منهم لقمة سائغة، وإضطر الكثير منهم إلى الهجرة وطلب اللجوء بل والهروب إلى خارج العراق.
ولم يسلم المسيحيين في العراق شانهم شأن باقي قطاعات المجتمع العراقي من عمليات الإلغاء والتغيير الديموغرافي التي طالت المجتمع العراقي بعد العام 2003، إذ قال النائب في البرلمان العراقي عماد يوخنا العضو عن المكون المسيحي، إن “أحزاباً دينية وميليشيات مسلحة خارجة عن القانون، قامت بالإستيلاء على منازل المسيحيين وخطفهم وتهديدهم في العاصمة بغداد، معتبراً أن ما يجري للمسيحيين في العاصمة يرتقي إلى التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي”، وللتدليل على الواقع المر الذي يعاني منه المسيحيين في العراق أيضاً، قال رئيس الطائفة المسيحية في الأردن غازي رحو لموقع إيلاف الإخباري ” إن المسيحيين “سيعودون للموصل، ولكنهم سيعودون لبيع أملاكهم وعدم البقاء!”، قبل أن يستدرك فيقول: “يحدث عكس ذلك إذا إستطاعت الدولة أن تحمي المكونات قليلة العدد في محافظة نينوى”.
مثلت الفتاوى التي صدرت مؤخراً عن “مفتي العراق” مهدي الصميدعي من جانب، ورئيس ديوان الوقف الشيعي علاء الموسوي من جانب أخر، علامة فارقة في نهايات العام 2018، والتي أفتت بتحريم مشاركة المسيحيين إحتفالاتهم برأس السنة الجديدة، حتى أثارت موجة عارمة من التنديدات والشجب والإستنكار من مختلف القطاعات الإجتماعية العراقية، التي رأت بأنها تمثل الوجه الأخر لتنظيم داعش من حيث إلغاء الآخر وعدم الإعتراف بكيانه ووجوده وحقوقه.
وعلى الرغم من هذه العناوين العريضة التي رافقت الموجه الإستنكارية في العراق، إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن هناك جهود حثيثة لإلغاء المكون المسيحي في العراق، بدءها تنظيم  داعش وإكملتها المليشيات المسلحة في العراق، ففي الوقت الذي بدء فيه تنظيم داعش في قتل وتشريد الاف المسيحيين في مدنية الموصل بعد سيطرته عليها العام 2014، كانت تجري على الجانب الآخر عمليات مصادرة واسعة لأملاك المسيحيين في مدنية بغداد، لصالح احزاب ومليشيات متنفذة.
لايمكن  الفصل بين زيارة ترامب الأخيرة للعراق وبين فتاوى التكفير التي صدرت من شخصيات دينية مقربة من إيران، الهدف منها جعل المسيحيين هدفاً مشروعاً، أو لنقل دروعاً بشرية للحرب المفترضة بين أمريكا وإيران، فالإنسحاب الأمريكي من سوريا، أو لنقل إستراتيجية إعادة الإنتشار الأمريكي في مناطق قريبة من تواجد المسيحيين في العراق من جهة، والتجاذب الأمريكي الإيراني من جهة أخرى، يجعل من مسألة التعاطي مع حقوق المسيحيين في العراق توضع امامها أكثر من علامة إستفهام.
فالتفجيرات التي إستهدفت كنيسة النجاة في بغداد هذا العام، إلى جانب عمليات الاغتيال والتصفية التي تعرض لها رجال دين مسيحيين في العراق، كعملية  الاغتيال التي تعرض لها كبير اساقفة الموصل للكلدان الكاثوليك الاسقف بولس فرج رحو بعد بضعة ايام من تصريح اعلامي لموقع الكتروني دعا فيه لإنهاء الوجود الايراني في العراق، فضلا عن تصفية القس الاورثوذكسي بولس اسكندر والقس يوسف فرج في البصرة وغيرهم، اضافة الى سلسلة من عمليات الخطف والقتل وطلب المبالغ المالية الطائلة لاطلاق سراح المختطفين المسيحيين لدى هذه المليشيات المدعومة من ايران.
ولابد من التأكيد بأن هذه الفتاوى ومن يقف وراءها تدرك جيداً بأن المكون المسيحي هو جزء من معركة دينية وأيديولوجية بين بين عالم الخيرر الذي تقوده إيران وعالم الشر الذي تقوده أمريكا!، وبالتالي يمكن القول بأن هذه الموجه ستتصاعد خلال الايام القادمة كلما تصاعدت موجة الخلاف بين أمريكا وإيران، لإشعار الولايات المتحدة الأمريكية بأن إيران قادرة على إستخدامهم كحلقة من حلقات المعركة معها.