إصلاح المنظومة الأمنية المحطة الأهم في عملية الإصلاح الشامل في العراق

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      في الآونة الأخيرة شهدت الساحة السياسية في العراق انغلاق أفق تام بسبب تعنت العديد من القوى السياسية على استيزار السيد فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي ووزير الدولة للأمن الوطني السابق، ومن ثمة تم ترحيل استكمال كابينة عادل عبد المهدي الحكومية للعام الحالي دون وجود مؤشر على الوصول لتفاهمات حول حسم اختيار وزراء المقاعد المتبقية وخاصة الداخلية والدفاع لساعة كتابة هذه الكلمات، فما السر الذي يكمن في عرقلة استكمال الكابينة الحكومية للسيد عبد المهدي من العام السابق وليومنا هذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تعني وضع اليد عن السبب الحقيقي في تخلف العراق ككل وليس تخلف كابينة السيد عبد المهدي فحسب.
      ومنذ الانتخابات التي جرت في مايو/أيار 2018 ، تتعطل مساعي تشكيل الحكومة بسبب اتهامات لرئيس الوزراء بالتراجع عن حكومة تكنوقراط مستقلة، التي كان قد وعد بها سابقًا، لكون السيد عادل عبد المهدي لم يستبدل مرشحه أو مرشح تحالف البناء الذي يمثل المرشح الإيراني- على حد تعبير خصومه- في العراق فالح الفياض لوزارة الداخلية لعدة جلسات في البرلمان العراقي، مع اعتبار أن معارضة الفياض من قبل تحالف الإصلاح والبناء ليست مفاجئة، فالرجل كان المستشار الأمني لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي ووزير دولة لشؤون الأمن الوطني، ولا يزال رئيس هيئة الحشد الشعبي ومسؤول جهاز الأمن الوطني، مع اعتبار أن الفياض ينحدر من أسرة عريقة وعائلة ثرية ولم يعرف عنه من قبل تعصب طائفي بل كان يحتفظ بعلاقات متوازنة بينه وبين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
     وكما كان متوقعًا رفض المالكي قرار رفض تعيينه، في تحدي صارخ للجميع من تحالف البناء وسائرون وحتى السيد عبد المهدي الذي دخل في جدل سقيم عن من رشح الفياض، فالبناء يدعي أنه مرشح رئيس مجلس الوزراء الشخصي، وعبد المهدي يقول أنه مرشح تحالف البناء في جدلية فجة، لتتجه الأنظار صوب الذي يقف خلف الفياض، فبعد أن أجمع حلفاء إيران على الفياض، أرسل النظام الإيراني قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني في مهمة دبلوماسية إلى العراق، للضغط من أجل تعيينه.
    يدعي بعض معارضي الفياض أن التدخل الإيراني في ترشيح الفياض واضح خلال زيارة قاسم سليماني إلى بغداد، وتوجيهه لرئيس البرلمان بتعيين الفياض وزيرا للداخلية بعد أن رشحه تحالف البناء الموالي لإيران وعلى رأسهم العامري والمالكي حلفاء إيران. كما توجه سليماني إلى أربيل للضغط على الأكراد من أجل تعيينه، وظهر مع بعض العلماء السنة الموالين لإيران في ذات الوقت الذي قدم المرشح فالح الفياض إلى مجلس النواب العراقي للتصويت عليه، ولولا عناد تحالف سائرون لما تخلف عن تعيين الفياض وزيرا للداخلية أي أحد لا من العرب السنة المنضوي غالبيتهم مع تحالف البناء ولا من الكورد، فقط سائرون ومن تحالف معهم يقفون اليوم عقبة كؤود أمام الفياض ووزارة الداخلية.
     تقول بعض المصادر أن إيران لن تكتفي بإسناد حلفائها من التحالفات والكيانات الفائزة في الانتخابات للهيمنة على الأمن الداخلي أداة إيران القمعية داخل العراق، بل إنها تسعى لفرض إرادتها في تنصيب المسؤولين في وزارة الداخلية من المناصب السيادية وحتى القيادات المؤثرة كافة، وطالما لم تتمكن بتعيين من أرادته مرشحا للوزارة فإنها لن تتمكن بالضرورة من تثبيت حلفائها في بقية المناصب الأخرى سواء كانوا وكلاء أو مدراء عامون أو قيادات ميدانية، وبالتالي قد تفلت من يديها زمام المبادرة، لذا قد تلجأ إيران إلى استخدام أدوات أكثر عنفا من الوسائل التي تتعامل بها دبلوماسيا أو ترغيبا وترهيبا للآخرين من غير حلفائها في الفتح والبناء.
  كتبت صحيفة سكوتسمان البريطانية بقلم ستروان ستيفنسون، منسق الحملة من أجل التغيير في إيران، العضو السابق في البرلمان الأوروبي، ورئيس وفد البرلمان السابق للعلاقات مع العراق، رئيس مجلس إدارة “مجموعة أصدقاء إيران” السابق، المحاضر الدولي في شؤون الشرق الأوسط تحت عنوان: «محاولات إيران للسيطرة على العراق قد تشمل فرق الاغتيالات». وقال مسؤول أمني بريطاني رفيع لصحيفة The Daily Telegraph البريطانية: «إيران تُكثِّف حملتها التخويفية ضد الحكومة العراقية باستخدام فرق الاغتيال لإسكات منتقدي طهران».
   وكشفت صحيفة The Telegraph البريطانية، نقلاً عن مسؤولين أمنيين في بريطانيا أنَّ إيران تستخدم مجموعات من فرق الاغتيال لإسكات منتقدي محاولاتها التدخُّل في شؤون الحكومة العراقية الجديدة. ويقول مسؤولون أمنيون بريطانيون، يُقدِّمون الدعم والتدريب العسكري للقوات المسلحة العراقية، إنَّ إيران ردَّت بإرسال عدد من فرق الاغتيال التابعة لفيلق القدس، لإسكات المنتقدين العراقيين لمحاولات إيران تقرير مصير العراق السياسي. ووفقًا لمسؤولي الأمن البريطانيين الموجودين في بغداد، قام سليماني بتوجيه فرق الاغتيال من أجل استهداف منتقدي النظام الإيراني أو معارضيه.
       تقول المصادر أن أبرز ضحايا فرق الاغتيال الإيرانية حتى الآن، عادل شاكر التميمي -وهو حليف مقرب من رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي- والذي اغتيل على يد قوة تابعة لفيلق القدس في سبتمبر/أيلول 2018. كان التميمي (46 عاماً)، وهو مسلم شيعي يحمل الجنسيتين العراقية والكندية، منخرطاً في محاولاتٍ لرأب الصدع ببغداد بين الطائفتين الشيعية والسُنّيّة في البلاد، وعمل أيضاً باعتباره مبعوثاً من خلف الكواليس لاستعادة علاقات العراق مع الدول العربية المجاورة مثل الأردن والسعودية.
     وضمن الضحايا الآخرين لفرق الاغتيال الإيرانية شوقي الحداد، وهو حليف مقرب من الزعيم الشيعي المعارض مقتدى الصدر، والذي كان بدوره واحداً ممن ترعاهم طهران سابقاً وتبنّى مؤخراً أجندة قومية أكثر. قُتِل الحداد في يوليو/تموز 2018، بعد اتهامه الإيرانيين بتزوير الانتخابات. وكان راضي الطائي، أحد مستشاري رجل الدين العراقي آية الله العظمى علي السيستاني، هدفاً لمحاولة اغتيال فاشلة في أغسطس/آب 2018، بعدما دعا إلى تقليص النفوذ الإيراني بالحكومة الجديدة.
      وحين نذكر العديد من محاولات الاغتيال أو العديد من العمليات الأمنية التي تكون بمنأى عن أي عقاب وتنفذ بسهولة ويسهر يتبادر إلى أذهاننا أن الأجهزة الأمنية العراقية وغالب المؤسسة العسكرية لا تدين بالولاء لمراجعها المهنية بل تبقى أسيرة توجهات مراجعها السياسية والطائفية وقادتها في الميليشيات، وبالضرورة يكون أدائها لحساب هذه الميليشيات وبأدوات الجيش والشرطة وبقية المؤسسات الأمنية الفاعلة على الأرض العراقية.
    يقول الجنرال روبن بلاك عن المؤسسة العسكرية في العراق بعد انسحاب الأمريكان؛ إن المؤشرات المهمة في ضعف المنظومة الأمنية في العراق والاختراق المتكرر لصفوفها هو تسييس بعض القيادات العسكرية التي تستجيب إلى رغبات وأجندات مرجعياتهم السياسية بدلاً عن مرجعياتها العسكرية وتسريب معلومات أمنية خارج المنظومة الأمنية ربما تتجاوز حدود الوطن، وهذا التداخل خلق حالة من التعاطي السلبي مع القيادة الأمنية العليا وأضعف الانصهار والانتماء الوطني في المنظومة الأمنية، كما سبب تحجيم الدستور وتفريغ القوانين من محتواها مما أفرزت تلك المعادلة خراباً أخلاقياً ونفسياً وفوضى أمنية ومدنية وانهيارا لمنظومة القيم في المجتمع.
    ويرى بلاك؛ عند الحديث عن اصلاح المؤسسة الأمنية إنما هو من أجل الاصلاح ومن أجل بناء جيش منظم على وفق بصيرة قيادية تتماشى مع الأهداف السياسية، وتحويل الاصلاحات إلى انتصار استراتيجي. ويبدأ ذلك بقدرة القيادة السياسية على التعامل مع الملف الأمني بكفاءة عالية، لأن ضمان أمن واستقرار البلاد يعتمد على تأمين هذه المؤسسة من أي خروقات. لذلك أصبح من الضروري أن تشمل الاصلاحات المؤسسة العسكرية على المستويين القريب والبعيد.
    نشر مركز البيان للدراسات والتخطيط دراسة جدية للإصلاح للباحث أوس مجيد العوادي يقول في مستهلها؛ بدأت كلمة الاصلاح الحكومي تتردد في الآونة الاخيرة من على منابر الإعلام وفي أروقة الساسة وصناع القرار وتشغل حيزا واسعا في ذهنية المواطن العراقي وتضيف إلى همومهم هما آخر بضرورة نقل هذا المصطلح من واقع النظرية إلى حيز التطبيق. من الإصلاح لقطاع معين في الدولة الى الإصلاح بمعناه الشمولي الذي يتضمن القطاعات السياسية والأمنية والاقتصادية والخدمية كافة.
    ولا يخفى على العراقيين اليوم من أن عملية الاصلاح يتعين أن تكون مسؤولية وطنية تضامنية يسعى الجميع إلى تحقيقها وتطبيقها كلُ حسب موقعه لوضع البلد على المسار الصحيح في خطوات عملية يتم تحديدها من قبل صناع القرار السياسي ومن ثمة تدعم جماهيريا عبر الشعب باعتباره المعني الأول بهذه الإصلاحات ومن غير الممكن أن تتخذ مسار صحيحا دون رقابة الشعب ودعمه من خلال المؤسسات الممثلة له كافة، من مجلس النواب العراقي إلى مجالس المحافظات فالمجالس البلدية فمنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية.
     إن ما يمر به البلد من واقع أمني متردي جعلت الأجهزة الأمنية أداة قمع بيد الفاسدين من أحزاب السلطة وقادة الميليشيات، وحملة السلاح خارج إطار الدولة كل هذه يستدعي من الحكومة الجديدة بذل جهدها للوصول إلى واقع مهني يرتبط بالمنظومة الأمنية والعسكرية وفقا لعقيدتها القتالية وتبعيتها للقانون لا لأحزابها وميليشياتها الموالية لأجندات خارجية، فإذا ما وثق الجمهور بمنظومته الأمنية كمحطة أولى فإنه بالضرورة سيعمد على إكمال المسيرة الإصلاحية طالما يبقى سلاح الفاسدين بعيد عن تهديده.
    ومن ثمة يسعى لعلاج الانهيار في البنى التحتية الذي أدى إلى سوء الخدمات المقدمة، والترهل الإداري، وضعف التنسيق الحكومي، وعدم انسجام صناع القرار السياسي، والانكماش الاقتصادي، وغياب التشريعات والقوانين، وتراجع التعليم، وتفشي الفساد في مرافق الدولة كافة، وإقصاء الخبرات الوطنية كل ذلك أدى إلى الانهيار وبوتيرة متسارعة في اركان الدولة كافة، وانعكس سلباً على المواطنين بالدرجة الأولى. وعلى هذا الأساس نرى أن عملية الإصلاح يتعين ان تكون شمولية لا تقتصر على الجانب السياسي فقط على الرغم من أهميته، بل تتعداه إلى الجوانب الأمنية والإدارية والقانونية والاقتصادية والتربوية والثقافية، وأن يشمل الإصلاح انواع الخدمات التي تقدم للمواطنين كافة.
        كما إن دراسة امكانية الإصلاح كتحدي رئيس للحكومة الجديدة يتعين أن تتخذ عن طريق وضع آليات عمل واضحة وفق رؤى جديدة تقوم على أساس تشريعي رصين بعيد عن البيروقراطية الإدارية والتعقيدات والروتين، قائم على أساس تسهيل الاجراءات الإدارية من خلال الاستفادة من التطور التكنولوجي في قطاعي المعلومات والاتصالات، وهذا يقع على عاتق السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب، كما إن المشهد السياسي العراقي بحاجة الى حزمة من الإصلاحات المهمة يتعين أن تشق طريقها على أرضية صلبة فتغير الواقع نحو الأفضل، وتضع الإنسان المناسب في المكان المناسب والآلية الصحيحة في مجالها الفاعل الصحيح.
في مركز بروكنجز؛  يقول الباحث ؛Ranj Alaaldin
    وبغضّ النظر عن تحدّيات الحكم التي تواجه العراق، فهو لا يزال عرضة بشكل كبير لعودة الصراع. فقد شهد العراق منذ العام 2003 صراعات طائفية لا حصر لها وإبادة جماعية واحدة معروفة. ومن بين 105 دولة شهدت حروباً أهلية بين عاميّ 1945 و2013، انزلق أكثر من النصف (59 دولة) إلى صراعٍ عنيف بعد إحلال السلام – وفي بعض الحالات أكثر من مرّة. فهل يتمتّع العراق بالقيادة المناسبة القادرة على تجنيب البلاد الانزلاق نحو المزيد من الصراعات العنيفة؟ السجّل ليس رائعاً. يقول السياسيون العراقيون، من كل الأطياف الدينية والعرقية، كلاماً جميلاً، لكنهم فشلوا في النهاية في الحفاظ على السلام. وبالتالي، أمام الرئيس صالح ورئيس الوزراء عبد المهدي فرصة لتفادي هذا المصير ووضع معايير جديدة أمام القادة العراقيين في المستقبل.