محطات عراقية من الزمن الجميل، وكيف السبيل إلى وصالها اليوم؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
     في نظرة سريعة إلى التاريخ العراقي المعاصر نجد وباتفاق المراقبين كافة أن آخر عصر ذهبي عاشه العراقيون كان عقد الخمسينات والستينات والسبعينيات من القرن العشرين، قياسا للحقب التأريخية القاسية التي تلته، لعل السبب يكمن في انشغال العراقيين بالبناء والتنمية والثقافة والفن آنذاك بدلا عن انشغالهم بالحروب التي دمرت العراق فيما بعد، فعلى الرغم من تباين الحكم فيها ما بين الملكي والجمهوري، وما بين عارف والبكر وبصرف النظر عن خلفيتهما السياسية إلا أنها تعد الحقبة الزمنية الذهبية للعراقيين لم تتكرر بعدها، ولم تشهد تلك الحقبة أي حرب حقيقية كما شهدتها الحقب الزمنية التي شرعت بتدمير العراق بعد مجيء صدام والخميني إلى الحكم في زمن متقارب نهاية حقبة السبعينيات من القرن العشرين.
   يقول الدكتور علي الوردي؛ بالعودة الى ذاكرة الزمن الذهبي الذي مر علينا كأنه حلم جميل، لا زلنا ونحن نراجع محتوياته العذبة نستشعر البهاء والجمال والحنين الى ما تضمنه من محطات كانت إلى وقت قريب ملجأ للإنسان البغدادي الذي عاش تلك السنين والتي شملت عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بكل عنفوانها وألقها، وقد كنا نتصور أنها ستكون منطلقاً وقاعدة لمستقبل زاهٍ لجميع من عاش في بغداد إبان تلك المدة الذهبية.
     إلا أن العراق لم يشهد بعدها إلا الحروب والدمار والحصار، فبعد القادسية أتت أم المهالك، وبعدها الحصار وحرب الخليج إلى أن احتل العراق، وقام الاحتلال بدوره المرسوم له فدمر الدولة والنظام، واستبدل المواطنة بالمكونات وتسبب بطريقة أو بأخرى بنهب ثروات العراق، وأن يعود البلد متخلفا للوراء عشرات السنين، ومن ثمة سلم العراق للمشروع الطائفي الذي أكمل المهمة فدمر البنية المجتمعية العراقية، ونشر الطائفية وكرسها مجتمعيا، واستهدف المحافظات العراقية بالدمار والخراب تارة على أيدي الميليشيات وتارة أخرى على أيدي صنيعته التنظيمات الإرهابية، واليوم العراق بلد الفصائل المسلحة والعصابات الخارجة على القانون والساسة الطائفيون الفاسدون.
     التشخيص الصائب هو الذي يقول إن مهلكة الأمم والدول والشعوب تكمن في الصراع والحروب التي لا طائل من جرائها إلا الحفاظ على مكاسب غير شرعية، والحرب عند الأمم والشعوب المتقدمة لا تحصل إلا لرد عدوان، أو رفع ظلم واستبداد لم تنفع معها لغة السياسة والحوار، فكان لا بد بعدها من حمل السلاح كعلاج أخير، فآخر العلاج الكي، أما البلدان المتخلفة والمظلمة فهي ترهن ديمومة حكامها وأنظمتها المستبدة بالأزمات والحروب وإذكاء الصراع، كما فعل النظام الاستبدادي الذي حكم العراق نهاية القرن العشرين، وكما يفعل بصورة أبشع الطائفيون اليوم في عراق اليوم.
     فماهي الإنجازات السياسية التي جعلت من العراق مستقرا ويتجه نحو التنمية في عصره الذهبي الذي يمثل بداية النصف الثاني من القرن العشرين؟ لعلنا في هذه العجالة أن نقف على إحدى أهم هذه المحطات التي تعد في مآلها منجزا سياسيا بالضرورة يرتبط بتلك المرحلة المهمة في حياة العراقيين، والتي عدت فيما بعد لحنا جميلا يشدوه ويتغنى به من شهدها وتذوق من رحيق رضابها، وصدق الخيام حين قال أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب فإنما الايام مثل السحاب لكونها ستبقى في ذاكرة العراقيين طيفا عابرا ليس إلا.
    المحطة الأهم التي تعد المعيار الحقيقي للتقدم والازدهار يكمن في التعليم، فقد كانت الجامعات العراقية حتى 1979 من أفضل جامعات المنطقة بدليل شهادة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) لها. وكانت هناك حركة علمية ومختبرات وتكنولوجيا متطورة متوفرة للطالب، ودعم حكومي كبير حسب شهادات أساتذة جامعات عراقيين عاشوا مدة العصر الذهبي للجامعات العراقية قبل أن تتحول اليوم إلى منبر للطائفية والفساد والتخلف.
     ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي كانت الجامعات العراقية متطورة وتملك من التقنيات والمناهج والبرامج ما لا تملكه أرقى الجامعات على مستوى العالم، فالجامعات العلمية كانت تملك مختبرات متطورة بشكل ملفت للنظر كما صرح به الدكتور هلال الدليمي أستاذ الهندسة وعضو هيئة الطاقة الذرية العراقية سابقا، الذي أكد أنها فاقت ما كانت تملكه الجامعات البريطانية التي كانت تستخدم ثمانية مختبرات في السنة، بينما تستخدم الجامعات العراقية ثلاثة مختبرات في الأسبوع، مع اعتبار ما تحويه هذه المختبرات من أجهزة ومعدات حديثة ومتطورة .
   ويقول هلال الدليمي في تلك المدة أن جامعة بريطانية أجرت دراسة عن عدد الطلاب القادمين من خارج بريطانيا، فوجدت أن المرتبة الأولى للطلاب الصينيين والثانية للطلاب العراقيين، كما أجرت تقييما علميا بشأن التقدم لشهاداتي الماجستير والدكتوراه فخلصت إلى أن الطالب الأول يكون دائما إما عراقيا أو صينيا. ولا تزال سمعة التعليم في العراق إبان تلك الحقبة محطة مشرقة للعراقيين كافة إلى حين انتبه أعداء العراق على القدرات العلمية الهائلة للعراق ليستهدف العقول مبكرا ومن قبل الاحتلال ومن بقي بعد الاحتلال قام وكلائهم المأجورين في العراق بتصفية من تبقى من العلماء، تقول دراسات نحو 500 عالم عراقي تم اغتيالهم على أيدي مجهولين، وتشير الأرقام المعلنة إلي أن حوالي 17 ألف من العلماء والأساتذة أجبروا على الرحيل من العراق منذ بدء الاحتلال.
      يحدثني طالب تخرج من جامعة التكنلوجيا في بغداد نال الدكتوراه في الليزر، ورحل إلى بلد عربي ليمارس التدريس وكان مسؤوله في جامعة ذلك البلد أستاذ بدرجة بروفيسور مصري في اختصاصه، في يوم طلب منه الدكتور العراقي بعض المعدات ليقوم بمشروع تجريبي على الليزر، فذهل استاذه وسأله عن السبب فاخبره بتجربة مشروع لإنتاج أشعة ليزر بحزمة محددة تخدم الاستخدام المدني، فرد البروفيسور المصري على الطالب الذي اصبح يدرس في الجامعة التي جمعتهم في هذا البلد العربي بعيدا عن موطنهما، ولدي نحن هنا ندرس النظريات العلمية فحسب ولا علاقة لنا بتنزيلها واقعا عمليا مختبريا كما تفعلون في العراق، بمعنى آخر أن العراقي يتعلم ليترجم علمه عملا مفيدا على الأرض في حين يكون العلم للآخرين منتهى آمالهم في السلك التعليمي.
     وقد عمد العراق في السبعينيات على إنشاء قاعدة علمية رصينة تدعم القاعدة الصناعية، وبنى على ما هو موجود واقعا حيا على الأرض، فمثلا أنشئت منظمة الطاقة الذرية في الخمسينيات ولم يكن لها علاقة بنظام الحكم، وإنما كانت تلك سياسة دولة وقيام الدول لا يرتبط بالحكومات فحسب بل يرتبط بمنظومة قيمية وعاها الأقدمون، بمعنى آخر كان النظام السياسي يتغير لكن التنمية والتقدم تتطور ولا علاقة لها بمن يحكم بل كان اللاحق يبنى على ما قدمه السابق طالما يخدم الواقع العراقي ويفي بمتطلباته كافة.
    يقول الدكتور كاظم حبيب في كتابه لمحات من عراق القرن العشرين؛ لا يختلف المؤرخون والباحثون في شؤون الحضارة العراقية والبشرية في تأكيد حقيقة أن شعوب بلاد ما بين النهرين وأعالي دجلة وكرُدستان قد ساهمت وفي مدد مختلفة في بناء صرح الحضارة البشرية التي نعرفها اليوم وفي رفد العالم بالكثير من منجزات ومنتجات العقل البشري والعاطفة الإنسانية. فكيف بهم إذا ما امتلكوا زمام المبادرة لإصلاح بلدهم الذي دمرته الحروب، ودمره الاحتلال والطائفية وتداعياتهما البغيضة على المجتمع العراقي الأصيل.
    يملك العراق من مقومات القوة الكثير، فالعراق غني بموارده الاقتصادية وموارده البشرية وموقعه الجغرافي، والأهم العقل العراقي الكبير إن وظف في محله فهو طاقة خلاقة تبدع حين تتاح له فرصة، وحين نرصد التخلف الذي ورثه مشروعي الاحتلال والطائفية للعراقيين نجده قد استشرى بعد البعد السياسي وتداعياته الأمنية الكارثية في البعدين الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا فعملية الإصلاح يجب أن تطال البعد السياسي قبل أي اعتبار فاسد آخر، لكونها رأس الداء والمتسبب الأكبر بهذا التخلف الكبير الذي لحق بالعراقيين جميعا ومن مكونات الشعب العراقي كافة.
   السعي للإصلاح السياسي يكمن في بعدين غاية في الأهمية؛ البعد الأول الإرادة الحرة، والبعد الثاني الإدارة الصحيحة؟ فمن يملك الإرادة الحرة يستطيع أن يعمل لصالح الوطن والمواطن العراقي، وليس لصالح مشاريع الغير التي ترتهن الإرادة العراقية لتنفيذ أجنداتها سواء كان الاحتلال أو المشروع الطائفي. والإدارة الصحيحة المبنية على التقنيات الحديثة والسعي الحثيث لتجفيف منابع الفساد والإرهاب وإعطاء كل ذي حق حقه ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب واعتمدا الحكم الرشيد وآلياته، أضف إليه مجتمع متطور واعي، كل ذلك يسهم في الإصلاح.
     حين نفصل عن امتلاك العراق للإرادة الحرة لا نعني بالضرورة التخلص من التأثير الإقليمي على العراق المتمثل بالنفوذ الإيراني في العراق، ولا نعني كذلك التخلص بالكامل من التأثير الدولي المتمثل بالتأثير الأمريكي على القرار السياسي العراقي لكونها في الوقت الراهن طمع في غير مطمع بسبب الهيمنة المطلقة على الساحة الأمنية والسياسية العراقية، بل تعد بعض المؤشرات التي رافقت تشكيل الحكومة الحالية بحركة الاحتجاج على الفساد من قبل الشارع العراقي متنفسا حقيقيا يمثل فرصة للحكومة الحالية أن تدير الأزمة العراقية إدارة صحيحة بنوع من التوازن بين العاملين الإقليمي والدولي، والحد من تأثيرها والعمل على تحقيق مصالح العراق أولا، ورهن مصالح هذه الدول إقليمية أم دولية في العراق بالمصلحة العراقية أولا وقبل كل شيء.
    والإدارة الصحيحة واحدة من الأدوات التي تسهم في مكافحة الفساد بشكل فاعل عبر تحقيق الحكم الرشيد والحوكمة المتقدمة، كما تعزز قدرات الدولة عبر تأسيس عمل إداري رشيق يبنى على البنى التحتية للحكومة الإلكترونية، وقد تكون حكومة عبد المهدي الحالية تملك فرصة حقيقية للإصلاح في ظل الحراك الشعبي ضد الفساد، وتملك أن تمنع هيمنة الفاسدين عبر تحجيم دور تأثير السلاح وتمكين السلطات الأمنية المهنية من حماية المؤسسات الرسمية للدوائر الحكومية كافة، واعتماد آليات الإدارة الحديثة والتعامل مع الإنسان العراقي برقي يسهم بتعزيز قدراته العلمية والعملية على أن يكون عنصر بناء لا معول هدم، خاصة إذا ما استشعر سيادة القانون من جهة، ومن جهة ثانية دعم الكفاءات وتبنيها وتوظيفها في المكان المناسب لها.
     وأولى خطوات الإصلاح كما يقول مختصون تكون من خلال العمل على إعادة تربية وتكوين الإنسان العراقي وتحصين الفرد عموما، والقوى السياسية العراقية خصوصا، بلقاحات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاعتراف بالآخر واحترامه وممارسة حقوق المواطنين بغض النظر عن خلفيتهم الدينية والمذهبية والقومية، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية, بالكره الشديد والرفض الكامل للاستبداد والظلم والاستغلال والاضطهاد والإرهاب والعسف والقتل، وكذلك الرفض الكامل للفكر الشمولي وللطغاة والمستبدين وللسياسات الدكتاتورية التي يمارسونها، والرفض الكامل للعنصرية والتمييز العنصري أو الإثني والديني والمذهبي أو القبلي أو العداء “للآخر” وإصدار الأحكام المسبقة ضده فضلا عن استهدافه بسبب اختلاف سياسي.
      المحطة التالية تكمن في إصلاح مؤسسات الدولة على مستوياتها كافة في السلطات الثلاث، ولعل الأهم يكمن في إصلاح الحكومة وما ينتج عنها كمؤسسة تنفيذية، من اصلاح المؤسسات الأمنية واعتماد المهنية وتنظيفها من الخارجين عن القانون ومن الموالين لأحزابهم على حساب ولائه للمؤسسة الأمنية ومن المجرمين الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من منتسبي الميليشيات والأحزاب الطائفية الذين أدمجوا من قبل في هذه المؤسسات. كما يتم إصلاح المؤسسات التابعة للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية كافة، وحصر السلاح بيد المهنيين من رجال الجيش والشرطة بعد تنظيفها من الخارجين عن القانون.