البعد الثقافي للنفوذ الإيراني في العراق

 
فراس الياس
الباحث في الشؤون الإيرانية

مدخل عام

للبعد الثقافي دور هام في ترسيخ النفوذ الإيراني في العراق، فقد كان هذا البعد حاضر في عقلية السياسي الإيراني منذ بدء التفكير في ملئ الفراغ السياسي في عراق مابعد 2003، وجهدت الإستراتيجية الإيرانية في إبتكار الوسائل والأدوات والمدخلات الدافعة بإتجاه تقوية أركان نفوذها الثقافي في العراق، فقد ساعدت إستراتيجية الصدمة الأمريكية في تهيئة البيئة السياسية والثقافية العراقية لتقبل بعض الأفكار الدخيلة من جهة، والوقوف عاجزة أمام المد الإيراني العارم لملئ الفراغ الناجم عن غياب الدولة العراقية بكل مؤسساتها وهياكلها من جهة أخرى.
وعند إستحضار التاريخ يجد صانع القرار في إيران أن هناك الكثير من المبررات التاريخية والسياسية التي تدفعه إلى إيكال البعد الثقافي اهمية قصوى لترسيخ نفوذه في العراق، لهذا نجد أن تأثير هذا البعد أنتج العديد من الحالات الشاذة في المجتمع العراقي، والتي ترافق ظهورها مع بروز ملامح النفوذ الإيراني في العراق على أكمل وجه.
إتضح الدور الإيراني في هذا المجال من خلال الصور الآتية:

 ترسيخ الدور الطائفي الإيراني في العراق

عمدت إيران منذ إحتلال العراق عام 2003 إلى التوغل داخل المجتمع العراقي، كهدف يجعل تدخلها في شؤونه السياسية أمراً تلقائياً، من دون أن تواجه تهمة التدخل في شؤون بلد ذي سيادة، ثم بعد ذلك باتت تتذرع بأن كل ما تفعله في العراق هو بطلب من حكومته، لتتمكن عبر هذه السياسة من جعل العراق بحكوماته المتعاقبة منصاعاً لتوجهاتها، كما إعتمدت إيران على تأجيج الصراع العقائدي في العراق، لضمان كسب “شيعته”، لا سيما من الشباب الثوري المتحمس الذي يعاني في الوقت نفسه ظروفاً إقتصادية صعبة، ليجد ما يطمح إليه في صفوف المليشيات المسلحة التابعة لأحزاب سياسية ولاؤها بالدرجة الأولى للمرشد الأعلى في إيران.[1]
أدت مأسسة الهويات الطائفية في العراق إلى نشوب صراعات حول مكانة وحجم وحدود وقوة كل طائفة، وقد كان لهذه الصراعات أثر مزعزع للإستقرار، خاصة عندما كانت تضفي مشروعية على أعمال الجماعات التي تمارس العنف، والتي تدعي تمثيل طوائفها، كما فاقم إعتماد العراق على البترول كمصدر رئيس للدخل هذه الصراعات، بسبب عدم وجود صيغة صريحة وواضحة لإدارة الموارد، وترافقت الصراعات الطائفية مع نوع من الإستقطاب الشامل الناجم عن تزايد سلطوية رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وبدعم إيراني، فقد تمكن من تعزيز سلطته، وتهميش البرلمان والمؤسسات المستقلة، والسيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية، وإخضاع القضاء، وتوسيع دائرة دعمه السياسي على حساب منافسيه، وتعزيز النفوذ الإيراني في العراق، وبينما أثار هذا قلق منتقديه “الشيعة”، فإنه لم يدفعهم إلى الخروج عن الصف الطائفي.[2]
وقد كان لإحتلال العراق عام 2003 نقطة إنعطاف في الشرق الأوسط، فهو وفر الفرصة للتيار السياسي “الشيعي” للعودة إلى العمل السياسي، وأشرع الأبواب أمام النفوذ الإيراني، وهكذا سرعان ما هرع حلفاء إيران في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفيلق بدر الذي دربه الحرس الثوري، إلى العودة إلى البلاد من المنفى، وأصبحوا جزءاً من الواقع السياسي العراقي الجديد، لكن السياسات الداخلية العراقية، أثبتت أنها عامل معقد في علاقات إيران، ففي خضم سعيه لإبعاد نفسه عن الإنطباع بأنه وكيل إيراني، بدل المجلس أسمه ليصبح المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وخففت قيادته الدينية من التزاماتها السابقة إزاء الخمينية، وهذا مادفع إلى بروز إنشقاق في فيلق بدر بقيادة هادي العامري، الذي شكل كياناً سياسياً جديداً بقي على صلة وثيقة بالحرس الثوري وطهران، أسماه منظمة بدر، وفيما بعد تحولت المليشيات المسلحة بعد أن نمت حجماً وإزدادت نفوذاً، إلى وسيلة في يد إيران للتأثير على الواقع الإجتماعي العراقي، وجنباً إلى جنب مع العلائق المديدة مع بدر والمجلس الأعلى والروابط الجديدة المتأنية مع سياسيين “شيعة” بارزين، إستطاع النفوذ الإيراني التغلغل في تضاعيف الديناميكيات الإجتماعية العراقية، هذه العلاقات خاصة مع الرابط الوثيق للمجلس الأعلى مع الفصائل المسلحة، جعلت إيران بشكل قطعي لاعباً طائفياً في العراق. [3]
ومنذ إندلاع الربيع العربي، ومع تفاقم الإنقسامات الطائفية في الشرق الأوسط، بفعل الإضطرابات السياسية التي نفخت في إوارها، أججت السياسات الإيرانية ونشاطات الحرس الثوري في العراق تحديداً، نيران الخلافات أكثر مما أخمدتها، فاقمت الإنقسامات الدينية في العراق، ثم جاء بروز تنظيم داعش ليرسم إستمرار وجه النزاعات الطائفية في العراق، على قدر ما رسمها وكلاء إيران في المنطقة.[4]

تأسيس العديد من منظمات المجتمع المدني والمراكز الثقافية ذات التوجه الإيراني

منذ العام 2003، ونتيجة لحالة الفراغ الأمني الذي عانى منه العراق، وبالتوازي مع النفوذ السياسي الإيراني المتصاعد، سعت إيران إلى توظيف الجانب المجتمعي أيضاً، وهذه المرة عن طريق المنظمات والمراكز الثقافية، التي لعبت دوراً أمنياً وإستخباراياً فاعلاً في الساحة العراقية، وبالنظر لأدارتها المباشرة من قبل المخابرات الإيرانية، فإنها أعتبرت أداة فاعلة وربما أكثر خطورة من المؤسسات العلنية، لجسامة الأعمال التي قامت وتقوم بها إلى جانب أنشطتها السرية، ولكن مهما تعددت أوجهها وأغراضها ووسائلها، فأنها صبت جميعاً في رفد المشروع الإيراني في العراق، الذي منبعه الرئيس أحزاب الإسلام السياسي “الشيعي” على الساحة العراقية، ومنها حزب الدعوة بأجنحته المتعددة والمجلس الأعلى وقوات بدر وحزب الله وثأر الله وبقية التنظيمات العلنية والسرية، وهذا ما صرح به رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام السابق هاشمي رفسنجاني بقوله: “إن طهران قد وصلت إلى ما تريده في العراق، بإعتبار أن قادته في الوقت الحاضر هم من أصدقاء إيران”.[5]
قامت إيران بتأسيس العديد من المؤسسات في العراق، ذات واجهات سياسية متعددة، والمرتبطة مالياً وإدارياً بإيران وعلى النحو الآتي:[6]
  1. مؤسسة الإمام السجاد الخيرية في كربلاء.
  2. مؤسسة الإمام المهدي في بغداد.
  3. مؤسسة المشاريع الخيرية، ومقرها بغداد/ الجادرية.
  4. مؤسسة شهيد المحراب، ومقرها بغداد/ الكرادة.
  5. مؤسسة المدينة المنورة، مقرها بغداد، ولها فرع في البصرة.
  6. مؤسسة الكوثر، ومقرها في بغداد.
  7. مؤسسة النخيل، مقرها الرئيس في بغداد والبصرة.
  8. مؤسسة الحجة، مقرها بغداد/ الكاظمية.
  9. مؤسسة بارسيان الخضراء، مقرها في بغداد.
  10. مؤسسة البصرة الهندسية، مقرها البصرة.
  11. مؤسسة الرافدين للسياحة، ومقرها بغداد/ مدينة الصدر.
  12. منظمة الحوار الإنساني الإسلامي، مقرها بغداد/ العطيفية/ جامع براثا.
  13. مؤسسة ميلي المصرفية أو بنك ميلي، مقره بغداد/ شارع عرصات الهندية.
  14. بنك سبه مقره بغداد، وله فروع بالنجف والبصرة.
  15. بنك التعاون الإقليمي الإسلامي للتنمية والإستثمار، مقره بغداد، وله فروع بالنجف وكربلاء والبصرة والسليمانية.
  16. شركة الوسام، ومقرها في بغداد.
  17. مؤسسة البصيرة، ومقرها العمارة وميسان والناصرية
وتساهم هذه المؤسسات التي تعمل ضمن إطر إجتماعية متعددة، بشكل مباشر أو غير مباشر في تنفيذ الإستراتيجية الإيرانية في العراق، ونظراً لإرتباطها المباشر بالمخابرات الإيرانية، فإنها تشكل أدوات خطيرة لبلورة المشروع الإيراني في العراق، فالإستراتيجية الإيرانية في العراق بنيت على أسس وعقيدة الثورة الايرانية، وتعتبر المؤسسات والمنظمات المراكز المجتمعية، إحدى الوسائل المهمة لتنفيذ هذه الإستراتيجية، بالإضافة إلى الأحزاب المنضوية تحت المظلة الإيرانية، وهناك المئات من المؤسسات الرئيسية والفرعية المرتبطة بإيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والتي تحصل على دعم مالي مباشر من قبل مكتب المرشد الأعلى والمخابرات الإيرانية.[7]
ويضاف أيضاً إلى أن إيران عملت على تأسيس الكثير من المنظمات والمؤسسات والمراكز الثقافية في العراق بعد إحتلاله، وشمل عمل هذه المؤسسات جميع جوانب الحالة العراقية: إنسانياً وثقافياً وإقتصادياً وإجتماعياً وتوعوياً، وقد تحددت مجالات عمل هذه المؤسسات بالآتي:[8]
  1. مؤسسات تجنيد الشباب، كمكتب مساعدة فقراء “الشيعة” في العراق، ومقره كربلاء، وله فرع في النجف.
  2. مؤسسات بواجهة النشاط الثقافي، مثل مؤسسة روح الله ومقرها في محافظة ميسان، وفروعها في واسط وذي قار، ومؤسسة الخطيب الثقافية الإسلامية، والتي يقع مقرها في ديالى، إضافة إلى مؤسسة الإمام الصادق والتي يقع مقرها في بغداد، كما توجد مؤسسة نور الهدى ومقرها ميسان، ولديها فروع بالوسط والجنوب، وهي تروج للثقافة الفارسية.
  3. المؤسسات ذات الواجهة الدينية، مثل مؤسسة دار القران ومقرها بغداد، ولها فروع في بقية محافظات الوسط والجنوب.
  4. مؤسسات تحت غطاء العمل الإنساني، مثل مؤسسات الإمام للإغاثة، ولها فروع في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، ومؤسسة الأوقاف ومقرها في بغداد، وتقوم بتوزيع كتب الأدعية للزوار وتقديم الطعام لهم، فضلاً عن مؤسسة أنصار فاطمة الزهراء ومقرها كربلاء، ولها فرع في النجف، وبقية محافظات الوسط والجنوب، ومؤسسة المظفر الثقافية ومقرها البصرة، وفي ديالى تعمل بها مؤسسة تدعى الإغاثة الإنسانية، وتعنى بمساعدة الأكراد (الفيليين).
  5. مؤسسات تمول من المرشد الإيراني علي خامنئي، كمؤسسة دار التوحيد ومقرها في بغداد، لديها فروع في الوسط والجنوب، إلى جانب مؤسسة الرحمة لليتامى ومقرها أيضاً في بغداد.
  6. مؤسسات بغطاء الإغاثة وخدمات الأيتام، كمؤسسة يوم المستضعفين ومقرها النجف، ولها فروع في بقية المحافظات، ومؤسسة إغاثة أيتام العراق، ولها فروع في عدد من الدول العربية كسوريا ولبنان، ومقرها في بغداد، فضلاً عن مؤسسة خميني الخيرية، التي تعمل تحت غطاء تقديم الخدمات للأيتام والأرامل من العراقيين، ويقع مقرها في كربلاء، ولها فروع في النجف وبقية محافظات الوسط والجنوب.
  7. مؤسسات إيرانية تستخدم غطاء الهندسة والإعمار، كمؤسسة بالان ومقرها بغداد، ومؤسسة البصرة الهندسية، كذلك تعمل مؤسسة الخميس في البصرة، ولها فروع في الوسط والجنوب، والتي تختص بمجال الإتصالات والهندسة المعلوماتية.
  8. المؤسسات التي تختص بأمور الحج والعمرة: كمنظمة الحج والزيارة الإيرانية، وهي وجه آخر من أوجه التواجد الإيراني في البلاد، ومقرها كربلاء، ولها فرع في النجف، وكذلك في سوريا لنقل الزوار الإيرانيين.
هذا وتقوم السفارة الإيرانية وقنصلياتها في العراق بتوفير الغطاء الدبلوماسي للجميع، ليصبح هدف كل تلك المؤسسات فرض الهيمنة الإيرانية على المجتمع العراقي وإبتلاعه، لتحقيق المشروع الإيراني في البلاد، في لحظة من الفراغ الإستراتيجي الذي خلفه الإحتلال الأمريكي، ليتلاقى المشروع الإيراني مع الرغبة الأمريكية في تدمير العراق، خوفاً من أي تداعيات مستقبلية قد توفر عودة العراق قوة إقليمية تتكسر عنده أحلام المشروع الإقليمي الإيراني.

 ترسيخ مكانة الرموز الإيرانية داخل العراق

بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، سعت إيران ومن خلال نفوذها في العراق، للسيطرة التامة على القرار السياسي، وزج عدد من أحزاب الإسىلام السياسي “الشيعي”، التي تشكلت في إيران بهذه العملية السياسية، لكنها لم تكتفِ بالتحكم بالقرار السياسي، بل سعت إلى السيطرة على المجتمع العراقي عبر الفصائل التابعة لها، لفرض ثقافتها ورؤيتها من خلال عدة مظاهر وإجراءات.[9]
ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات والمظاهر رفع الصور الخاصة بالمرشد الإيراني علي خامنئي والخميني أيضاً، في مختلف الساحات والميادين العامة في العديد من المحافظات العراقية، في محاولة لإيصال رسالة تهدف إلى ترسيخ مكانة هذه الشخوص في عقول وأذهان الناس، أضف إلى ذلك تسمية العديد من الشوارع والميادين العامة بأسماءهم، كما هول الحال بشارع الخميني في مدينة النجف، إلى جانب تحويل ساحة العروبة في منطقة الكاظمية في بغداد إلى ساحة الإيراني، وقد حاولت إيران في حقبة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إجتثاث تاريخ وحضارة العراق تحت مسميات النظام السابق، من خلال إزالة عدد من المعالم العراقية الأصيلة، مثل قوس النصر في ساحة الإحتفالات الذي يجسد الحرب العراقية الإيرانية، وهذا القوس يحوي خمسة الآف خوذة حقيقية جمعت من ساحات المعارك لجنود إيرانيين قتلوا في الحرب، لكن وبسبب إحتجاجات شعبية وسياسية لم يستطع نوري المالكي تنفيذ مخططه.[10] كما أصبحت صور الخميني والخامنئي حالة مألوفة في مدينة كركوك، تحديداً بعد إنسحاب قوات البشمركة الكردية منها، على أثر التداعيات الكبرى التي أفرزها إستفتاء إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر 2017، هذا إلى جانب إعلان شخصيات دينية وسياسية في محافظة البصرة، إقامة نصب تذكاري للمكان الذي توضأ به الخميني في منطقة الصفوان الحدودية مع الكويت، بعد نفيه من العراق عام 1978.
إلى جانب ماتقدم، وتحديداً بعد بروز تنظيم داعش في العراق، أخذت شخصية الجنرال الإيراني قاسم سليماني تأخذ مساحة أعلامية كبيرة في العراق، وتحديداً من قبل الفضائيات والإذاعات الإيرانية في العراق، فالطالما تم التركيز على هذه الشخصية بعتبارها رمزاً لـ”المقاومة والجهاد”، إلى الحد الذي وصل بأحد قيادات الحشد الشعبي، وهو أبو مهدي المهندس إلى الإعلان عن أنه يفخر بكونه جندياً عند الحاج قاسم سليماني، في محاولة لإرسال رسالة للشباب العراقي للإقتداء به، وإلى جانب قاسم سليماني، برزت شخصية أخرى وهي شخصية الجنرال الإيراني حميد تقوي، الذي قتل في معارك تحرير تكريت من سيطرة تنظيم داعش، فمن بين المليشيات المسلحة التي تظهر نفوذ إيران في العراق، سرايا الخراساني التي تشكلت عام 2013، إستجابة لدعوة خامنئي، وسرايا الخراساني مسؤولة عن اللوحات الإعلانية في بغداد، التي يظهر فيها الجنرال الإيراني حميد تقوي، والمعروف بأبي مريم، والذي أصبح بطلاً بالنسبة إلى كثير من المقاتلين، إذ قال علي الياسري قائد سرايا الخراساني، إن تقوي “كان خبيراً في حرب العصابات” وإن “الناس كانوا ينظرون له كشخصية ساحرة”.[11]
وعند الحديث عن الإرتباط العقائدي للعديد من المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، نجد أن أغلبها يدين بالولاء لمراجع إيرانية وليس عراقية، كما هو الحال بكتائب جند الإمام ولواء علي الأكبر ومنظمة العمل الإسلامي وفيلق الوعد الصادق وغيرها، التي تأتمر بأومر الحرس الثوري الإيراني، وتتحرك وفق الخطط العسكرية المعدة من قبله، إلى جانب إرتداء أغلب الفصائل المسلحة العاملة في الساحة العراقية، نفس الزي الذي يرتديه فيلق القدس الإيراني، فقد شهد الإستعراض العسكري الذي أقامته القيادة العامة للقوات المسلحة بمناسبة تحرير مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش في يوم 15 يوليو 2017، مشاركة عدة فصائل في هذا الإستعراض مثل كتائب سيد الشهداء، والتي ظهرت بمظهر يشبه إلى حد كبير فيلق القدس الإيراني، من حيث الزي العسكري وطريقة الإستعراض والمشي أمام رئيس الوزراء، مما أثار سخط الكثير من المواطنين.

 ترويج النموذج الثقافي الإيراني

يمثل السعي الإيراني لترويج النموذج الثقافي الإيراني داخل المجتمع العراقي، إستراتيجية إيرانية سعت إلى وضع لبناتها الأولى بعد فترة وجيزة من الإحتلال الأمريكي للعراق، ووظفت إيران في سبيل ذلك جهوداً  كبيرة لتحقيق هذا المسعى، إذ أكد وزير الثقافة الإيراني محمد حسيني، إن طهران مستعدة لتأسيس مركز في العراق “للتعريف بإيران”، وإقامة دورات تدريبية لتعليم اللغة الفارسية في العراق، وأضاف خلال لقاءه وزير التعليم العالي العراقي السابق علي الأديب إن “إيران جاهزة لإيفاد اساتذة إيرانيين إلى العراق لإقامة دورات تدريبية لتعليم اللغة الفارسية للراغبين وللأساتذة العراقيين، مؤكداً أن طهران تعلن إستعدادها لتأسيس مركز للتعريف بإيران في العراق”.[12]
هذا وتنتشر العشرات من المدارس الإيرانية في الكثير من الأقطار العربية والإسلامية، بهدف نشر الثقافة الفارسية، وترسيخ الإنتماء الثقافي لإيران، وتجنيدهم لدعم نظام الملالي، ليكونوا فيما بعد ممثلين عنه في بلدانهم، بل في كثير من الأحيان عملاء لأجهزة الإستخبارات الإيرانية، ويستحوذ العراق على نصيب الأسد من المدارس الإيرانية، فهناك نحو “14” مدرسة في محافظات الوسط والجنوب، يتولى التدريس فيها أساتذة إيرانيون، يقومون بتدريس المناهج الإيرانية، ففي يوينو 2013 أعلن القنصل الإيراني في محافظة البصرة حميد رضا مختص آبادي، عن قرب إفتتاح أول مدرسة إيرانية بشكل رسمي في المحافظة للمراحل الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية، وأشار إلى أن هذه المدرسة مجانية ولا تقتصر على الطلبة الإيرانيين، وإنما عامة للجميع، وسوف تقوم بتعليم اللغة الفارسية، وفي يونيو 2014 أغلق أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق، مدرسة إيرانية تحمل أسم “الخميني” في قرية خزنة، شرق مدينة الموصل، ما أثار الجدل حول مخطط  الاختراق الثقافي الإيراني للمحافظة التي تعتبر ثاني أكبر محافظات البلاد، ليعاد فتحها مرة أخرى بعد تحرير المدينة من سيطرة تنظيم داعش، وتحديداً بتاريخ 14 سبتمبر 2017، ولكن هذه المحاولة لإحباط المخطط الإيراني لنشر الثقافة الفارسية جاءت متأخرة، ففي عام 2011، وفي خطوة تعتبر الأولى في محافظة ديالى ذات الغالبية العربية، أفتتحت إيران في قضاء الخالص مدرسة كـ “هدية” من الشعب الإيراني، وقتها قال السفير الإيراني السابق في العراق حسن دنابي فر “إن إفتتاح هذا الصرح العلمي والفكري هو رسالة محبة وود أخوي لأبناء العراق من الجمهورية “الإسلامية” الإيرانية، هذه المدرسة هدية لوزارة التربية العراقية، وتعتبر هذه المدرسة الحادية عشرة التي تم إنشاؤها من قبلنا في العراق، وفي المستقبل لدينا مدارس ومشاريع أخرى في العراق”، وبحسب الإحصائيات وصل مجموع المدارس التعليمية الإيرانية في خارج الدولة عام 2011 إلى “135” مدرسة في أكثر من “80” دولة، ويجري إستحداث عشرة مراكز في كل من العراق وأفغانستان وعشر وحدات تعليمية عن بعد، ليصل هذا الرقم إلى “155” مركزاً تعليمياً وفق المناهج الدراسية الإيرانية.[13]
وفي بغداد أيضاً تم إفتتاح المركز الثقافي الإيراني تزامناً مع بدء الدورة الأولى لتعليم الفارسية للموظفين العراقيين، وكتابة سيناريو الأفلام القصيرة للشباب العراقي، وتعدد دورات تعليم الفارسية من برامج المركز الأساس والمستمرة، التي تقام للمراحل الثلاث؛ التمهيدي والمتوسط والعالي، ويتضمن المركز المقام في المركز الجامعي بمنطقة الجادرية فصولاً تعليمية، صالة لعرض الأفلام، مدرجاً وغرفة لدراسة الشؤون الإيرانية، إذ يعرض المركز الثقافي الإيراني في العاصمة العراقية الأفلام، إلى جانب إقامة مختلف الدورات التعليمية الخاصة باللغة الفارسية، وكتابة السيناريوهات، وإخراج الأفلام القصيرة، والرسم، والخط، والرسوم المتحركة، وإقامة الإجتماعات إو الندوات العلمية.[14] وأعرب وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي في الحكومة الإنتقالية طاهر خلف البقاع عن قلقه من الجهود الإيرانية التي بدأت تحقق ثمارها:”في البصرة يحدث شيء ما.. ويعتقد بعض الطلاب والأساتذة أن النموذج الإيراني هو نموذج جدير بالإقتباس”.[15]
وبين من يراها محاولة لخلق نوع من الأدلجة السياسية داخل الحرم الجامعي على غرار ما حصل في إيران بعد الثورة، وبين من يعتقد بأنها محاولة للدفاع عن المهام التي يضطلع بها الحشد الشعبي في العراق، حظيت الدعوة التي أطلقها الأمين العام لعصائب أهل الحق قيس الخزعلي، في 18 مارس 2017، المتضمنة تأسيس “حشد جامعي”، وتحذيره من سيناريو جديد يجري التحضير لإبعاد الحشد عن الساحة، بقراءات سياسية من مختلف شرائح المجتمع العراقي، وحول إمكانية قيام الحشد بإستنساخ التجربة الإيرانية في الجامعات العراقية، حيث قال كريم النوري الناطق بأسم الحشد الشعبي “ما يقوم به الحشد من ثورة ثقافية تختلف بطبيعة الحال عن التجربة الإيرانية، وهذا الإختلاف ناجم من كون العراق دولة مدنية تعددية، وإيران دولة تقودها ولاية الفقية ودولة دينية، فالخطاب يختلف بين الدولتين”.[16]
وفي 29 مايو 2017 إلتقى السفير الإيراني إيراج مسجدي بوزير الثقافة العراقي فرياد روندوزي، وجرى خلال هذا اللقاء الإتفاق على تعميق العلاقات الثقافية بين البلدين، إذ أشار السفير الإيراني، إلى أن المرحلة القادمة ستشهد مزيداً من التوسع في العلاقات بين البلدين في المجالات الثقافية وصولاً إلى المستوى المنشود، فضلاً عن تأكيده على ضرورة تفعيل البروتوكولات الثقافية التي عقدت بين الجانبين في السنوات الأخيرة، من أجل إقامة الفعاليات الثقافية المشتركة، يضاف إلى ما تقدم، القاء الذي جمع وزير التعليم العراقي عبدالرزاق العيسى بالمستشار الثقافي الإيراني في العراق غلام رضا أباذري، تم الإتفاق على توسيع المقاعد الدراسية الخاصة بتعليم اللغة الفارسية في الجامعات العراقية، وفي المقابل دعى المستشار الثقافي الإيراني إلى تسهيل حضور المزيد من الطلبة العراقيين إلى الجامعات الإيرانية، فضلاً عن  تنظيم دورات لتعلم اللغة الفارسية في كافة المحافظات العراقية ولا سيما في المحافظات الجنوبية، إلى جانب تأكيده على دور وأهمية العلاقات العلمية والجامعية في تطوير الأواصر الثقافية بين الشعبين الإيراني والعراقي.
ومن أجل نقل تجربة السينما الإيرانية إلى العراق، كانت دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة العراقية، قد أعلنت في 28 أبريل 2017، أنها ستنظم أسبوعاً للأفلام السينمائية الإيرانية في بغداد، إذ قالت مديرة إعلام الدائرة زينب القصاب في بيان إن “أسبوع الأفلام السينمائية الإيرانية سينطلق على قاعة المسرح الوطني في بغداد”، وأضافت أن “الزيارة التي قام بها مسؤول العلاقات الثقافية في السفارة الإيرانية ومدير مكتب الإذاعات والتلفزيونات الإيرانية إلى دائرة السينما والمسرح، جاءت لتفعيل بنود الإتفاقية الموقعة بين وزارتي الثقافة العراقية والإيرانية عام 2013، وصاغتها على أرض الواقع بشكل تفاعلي ومثالي”.[17] وبالتالي فإن السعي الإيراني لترسيخ الإرتباط الثقافي والتاريخي بين العراق وإيران، لم يغادر الخطابات والتصريحات السياسية للقادة الإيرانيين، ولعل هذا مانجده في تصريحات علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، وكذلك تصريحات الرئيس روحاني نفسه، إلى جانب المرشد الإيراني وجنرالات الحرس الثوري الإيراني، والتي تهدف جميعها إلى إذابة الهوية الثقافية والمجتمعية العراقية في الوعاء التاريخي والثقافي الإيراني.

خاتمة

لطالما شكل المدخل الثقافي حالة حية في إستراتيجيات الدول وأهدافها، وإيران بدورها لم تشذ عن هذه القاعدة، بل أعطته دفعة قوية لتحقيق أهداف عليا بعيدة المدى، وللتدليل على أهمية البعد الثقافي في السياسة الإيرانية، هي الميزانيات الضخمة التي تخصصها الحكومات الإيرانية، من أجل إعطاء قوة دفع لجهودها السياسية والعسكرية بوجه أخر، إن قراءة الدور الثقافي الإيراني في العراق وفق الصورة أعلاه، يشير بصورة واضحة إلى مدى رغبة إيران بإحتواء الحالة العراقية بمجملها، وفرض الطابع الإيراني عليها، لتصل بالنهاية إلى أدلجة إجتماعية وثقافية تخدم مشروعها في العراق والمنطقة، إن إيران تدرك جيداً أهمية إحتواء الساحة العراقية، وضرورة السعي إلى تهجين الواقع الثقافي في العراق، من أجل إبعاده عن عمقه الحضاري والثقافي، خصوصاً وأن الحضارة والثقافة العراقية حضارة في عقلية السياسي الإيراني، الذي لطالما كان ينظر إليها على أنها إحدى صور التحدي للحضارة الإيرانية، وبالتالي ضرورة عدم السماح بتحقيق حالة من الإستقلالية لهذه الحضارة، وينبغي طمسها وإذابتها في الحضارة والثقافة
[1] كيف اخترقت إيران البنية الاجتماعية العراقية، جريدة العرب الدولية، العدد (10302)، في  10 يونيو2016، ص7.
[2] حارث حسن، الأزمة الطائفية في العراق: إرث من الإقصاء، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في 23 أبريل 2014.
http://carnegie-mec.org/2014/04/23/ar-pub-55405
[3] افشان استوار، المعضلات الطائفية في السياسة الخارجية الإيرانية: حين تتصادم سياسات الهوية مع الإستراتيجية، مركز كارنيغي للشرق الاوسط، في 30  نوفمبر 2016، ص8.
http://carnegie-mec.org/2016/11/30/ar-pub-663
[4] المصدر نفسه، ص10.
[5] سعد الكناني، الواجهات المخابرتية الايرانية في العراق الجديد، وكالة يقين للأنباء، في 13 يونيو 2017، ص2.
http://yaqein.net/articles/41203
[6] كشف النقاب عن المؤسسات الإستخباراتية الإيرانية في العراق، ميدل ايست أونلاين، في 20 يونيو 2016، ص2.
http://www.middle-east-online.com/?id=229176
[7]كشف النقاب عن المؤسسات الإستخباراتية الإيرانية في العراق، ميدل ايست أونلاين، في 20 يونيو 2016.
http://www.middle-east-online.com/?id=229176
[8] التغلغل الايراني في العراق بصورة مؤسسات خيرية وعسكرية وثقاقية، شبكة البصرة، في 29 يونيو 2017.
http://www.albasrah.net/ar_articles_2017/0617/irani_290617.htm
[9] مهند اللامي، كيف تغلغلت إيران في المجتمع العراقي؟، موقع البشير، في 2 مايو 2016، ص2.
http://www.islamtoday.net/albasheer/artshow-12-228942.htm
[10] المصدر نفسه، ص3.
[11] قوات الحشد الشعبي تهيئ أرضية التغلغل الإيراني في العراق، صحيفة العرب الدولية، العدد (9840)، في 11 مايو 2016، ص7.
[12] مراكز تعليم اللغة الفارسية… وجه آخر للنفوذ الثقافي والأمني الايراني في العراق، موقع ساحات التحرير، في 23 مارس 2013.
  http://altahreernews.com/inp/view.asp?ID=14912
[13]  معتز بالله محمد، المدارس الإيرانية في بلاد العرب .. سم في كتاب، شبكة الراصد، في 16 يوليو 2015.
  http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=7123
[14] إفتتاح المركز الثقافي الإيراني في بغداد، راديو إيران العربي، في 3 أغسطس 2015.
http://arabic.irib.ir/news/item/30/160889/18/%D8%A5%D9%81%D8%AA%D8%AA%D8%A7%D8%AD-
[15]إيران في العراق: ما مدى النفوذ؟، كرايسز جروب الشرق الأوسط، التقرير رقم (38)، في 21 مارس 2005، ص 20.
[16] Hassan al-Shanoun، Shiite militias prepare for education ‘revolution’ in Iraq، Al-Monitor، April 17، 2017. http://www.al-monitor.com/pulse/en/originals/2017/04/university-iraq-cultural-revolution-pmu.html
[17] دائرة السينما والمسرح تتهيأ لتنظيم أسبوع سينما إيراني في بغداد، السومرية نيوز، في 28 أبريل 2017.
http://www.alsumaria.tv/mobile/news/202358/iraq-news