ليلة الهروب الكبير وعملية صناعة التنظيم الإرهابي داعش في العراق وسوريا

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   تعد ظاهرة تشكيل التنظيم الإرهابي الأشرس في العراق وسوريا “داعش” من الظواهر التأريخية المثيرة للجدل على مدى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين في الأوساط الأمنية والعلمية والإعلامية في الشرق الأوسط، وقد يختلف العديد من المختصين والمتابعين في طبيعة نشأة هذا التنظيم المتفق على اختراقه من قبل المخابرات الدولية والإقليمية والمحلية، ولم نرصد تحليلا منطقيا يقوى بأدلة وقرائن ومؤشرات على أن هذا التنظيم أقيم بمباركة محلية وإقليمية ودولية من شهادة ضمنية لطريقة تجميع نواة التنظيم بإخراج قيادات إرهابية من السجون العراقية.
    في برنامج سادس الجمهوريات المنتج من قبل قناة العهد الفضائية (مستقلة قريبة من تكتل صادقون الممثل من قبل عصائب أهل الحق) المعروض في 12/7/2018 الذي استضاف به مقدم البرنامج “مثنى الحسيني” النائب عن الفضيلة ووزير العدل السابق حسن الشمري، وناقش البرنامج ملف يعد من اعقد الملفات الأمنية التي واجهتها الحكومة العراقية في سنة 2013 والمتمثل بعملية فرار جماعي لقادة تنظيم الدولة الإرهابي “القاعدة” من سجن أبي غريب وسجون أخرى وتناول تكوين نواة ما يسمى بدولة العراق والشام الإسلامية “داعش”.
      في هذا البرنامج تكلم الضيف وزير العدل في تلك السنة 2013 حسن الشمري عن حزب الفضيلة الإسلامي عن مجموعة من الأحداث كان شاهدا حيا عليها، ستقود هذه الأحداث المتابع لها بشكل أو بآخر إلى حقيقة نشأة تنظيم “داعش” فيما بعد وسيطرته على ما يقرب أو يزيد عن 44% من الأراضي العراقية (سيطرت “داعش” على معظم المحافظات العربية السنية (الأنبار، صلاح الدين، شمال ديالى، الموصل، شمال بغداد، شمال كركوك ) في عام 2014-2015 مع اعتبار أن محافظة الأنبار تشغل ثلث مساحة العراق).
    تكلم الضيف من موقع المسؤولية كوزير للعدل في تلك السنة، وكونه مطلع على الأحداث التي رافقت عملية الهروب الكبير من سجن أبي غريب في السنة ذاتها، وكلام الضيف كثير وتفصيلي وموجود على رابط البرنامج في القناة كاملا ومتاحا للجميع ( https://www.youtube.com/watch?v=6QVBGCgZ6N0 ) ونحن في هذه العجالة سننتقي أهم الأحداث التي ذكرها وزير العدل حسن الشمري السابق والتي أفضت إلى عملية الهروب الكبير وهي كالآتي ؛-
  • تكلم عن سجن “بادوش” في الموصل الذي كان خاليا من الإرهابيين بعد أن تم نقل (3000) سجين منهم إلى سجون أخرى في الوسط والجنوب واستبدالهم بنزلاء(سجناء) محكومين جنائيا من العراق كافة لازدحام السجون العراقية التي كانت تابعة لوزارة العدل، وأكد الوزير حسن الشمري على عدم قدرة السجون التي كان تابعة لوزارته من استيعاب الأعداد الكبيرة من السجناء بعضهم محكوم والبعض الآخر موقوف ينتظر الإحالة.
  • حدوث عملية هروب لبعض السجناء (40) سجين من تسفيرات محافظة صلاح الدين قبل عملية الهروب الكبير من أبي غريب بما يقرب من 2-3 شهر، مع اعتبار أن التسفيرات تابعة لوزارة الداخلية.
  • على ضوء هذا الحادث اتخذ مجلس الوزراء قرارا بغياب وزير العدل حسن الشمري وقتها بتحويل مسؤولية حماية السجون في أبو غريب والتاجي إلى وزارتي الداخلية والدفاع وإبقاء الإدارة الداخلية لوزارة العدل، الأمر الذي اعترض عليه وزير العد في الاجتماع اللاحق وأخبر رئيس الوزراء يومها نوري المالكي أنكم تكافئون وزارة الداخلية في الوقت الذي يتوجب معاقبتها بسبب هروب سجناء التسفيرات الأربعين في صلاح الدين وأجاب المالكي هذا ما يتوجب القيام به لكون الحماية من مهام وزارتي الدفاع والداخلية. تأكيد أن هذه الأحداث وقعت ما بين الشهر الرابع والخامس من سنة 2013، علما أن الهروب الكبير من سجن أبي غريب حدث في الشهر السابع من سنة 2013 وكان وقتها شهر رمضان المبارك.
  • بعد استلام وزارتي الدفاع والداخلية وتحديد الشرطة الاتحادية واستخبارات الشرطة الاتحادية مسؤولية حماية أسوار وأبراج السجون، بعد أسبوعين فقط من تحويل مسؤولية حماية السجون من وزارة العدل إلى وزارتي الدفاع والداخلية هرب (17) سجين من قيادات إرهابية من سجن التاجي وكان هروبهم عن طريق أحد الأبراج ومنه إلى معسكر التاجي بعد أن قيدوا أيدي حراس البرج وفي التحقيق تعلل الحراس بالظلمة.
  • الذي قام بالتحقيق في الحادث هم نفسهم استخبارات الشرطة الاتحادية المسؤولة عن أمن الأسوار والأبراج والذي لم يجرم يومها أي أحد بسبب هذا الهروب الجماعي. وكما أسلفنا هذا الحادث قبل 2-3 شهر من حادثة الهروب الكبير في سجن أبي غريب.
  • أرسل جهاز المخابرات العراقية في الشهر السابع من السنة ذاتها وقبل أسبوع واحد فقط من حادثة الهروب الكبير من سجن أبي غريب كتابا سريا للغاية معنون إلى مكتب القائد العام التابع للمالكي ووزارات الداخلية والدفاع والعدل يشير إلى وجود نية للإرهاب باستهداف سجني التاجي وأبي غريب بعجلات مفخخة وتحرير النزلاء التابعين للإرهاب فيهما.
  • يحسب هذا الكتاب لجهاز المخابرات وقائده الفريق زهير الغرباوي وكان خطوة استباقية يراد منها إحباط الهجوم وإفشال المؤامرة، والغريب في الأمر لم يجري أحدا أي فعل على سبيل الاحتياط بل بالعكس ما حدث تماما.
  • قام مكتب وزير العدل بتعميم الكتاب للجهات المختصة بحماية السجنين مرتين مرة عند وصوله ومرة قبل الهجوم بثلاثة أيام فقط، دون أي استجابة تذكر.
  • كانت أسوار وأبراج السجنين التاجي وأبي غريب تحت حماية الشرطة الاتحادية واستخباراتها، وكانت المنطقة التي يقع بها سجن أبي غريب كذلك التاجي تابعة لحماية الفرقة (17) ولواء (24) قائد الفرقة كان يومها الفريق ناصر الغنام الذي غادر العراق قبل الحدث وقدم استقالته وهو في مصر عن طريق مساعده، ولم يربط الوزير استقالة الغنام بالهروب الكبير.
  • قبل الهجوم بساعات انسحبت القطاعات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع من محيط السجن، كما انسحبت الشرطة الاتحادية من مواقعها في حماية الأسوار والأبراج، ولم تواجه العناصر المسلحة المهاجمة أي مقاومة تذكر.
  • انطفأت الكهرباء في سجني التاجي وأبي غريب لمدة خمسة دقائق بالتزامن وفي الوقت الذي دخل به المهاجمون إلى داخل السجن، والغريب أن خط الكهرباء هذا طوارئ لا ينطفئ لأي سبب كان.
  • كان دخول العناصر المسلحة وقت الفطور في الساعة الثامنة مساء وتم قتل العاملين في توزيع المواد الغذائية على النزلاء عند انطفاء الكهرباء، بعد أن حطموا الأبواب والبناء المحيط بها – يقول الوزير أنه صورها بنفسه صبيحة اليوم الثاني- .
  • في ساعة الحادث كان الوزير حسن الشمري مع المالكي يتواصلون مع الموظفين والقوات الأمنية، وزير العدل يتواصل مع موظفي السجن والمالكي يتواصل مع القوات الأمنية التي أرسلت تعزيزا لحماية السجن بعد الحادث.
  • قام الإرهابيون بتفخيخ الطرق المؤدية إلى السجنين لعرقلة وصول الأجهزة الأمنية، وهو ما تم فعلا وكانت بعض قوات التدخل السريع تعطي موقفا خاطئا لرئيس الوزراء الذي يمثل القائد العام للقوات المسلحة ويعطيه موقفا بكونه وقواته وصل السجن ووزير العدل يخبر المالكي ساعتها أنه كاذب ولم يصل لموقع الحدث بعد أن يتأكد من الموظفين في داخل السجن.
  • قامت العناصر الإرهابية التي داهمت سجن أبي غريب بتحرير (540) سجين، مع إعدام عدد من السجناء رفضوا الهروب. وتم قتل بعض الموظفين خارج السجن الذين كانوا يقطنون في كرفانات مع قتلهم للبعض داخل السجن.
  • تقول شهادة بعض النزلاء الذين لم يهربوا أن الأسلحة التي يحملها الإرهابيون كانت حديثة ومتقدمة ومتطورة ولا يملكها الجيش العراقي ولا القوات الأمنية العراقية.
أما أهم تداعيات الحادث على الساحة العراقية والتي تبعت الحادث فهي كالآتي؛
  • حمل رئيس مجلس الوزراء يومها نوري المالكي وزارتي الدفاع والداخلية المسؤولية وشكل لجنة تحقيقية في الحادث من الوزارتين ذاتها، كانت مخرجاتها تحميل وزارة العدل وموظفيها المسؤولية بعد تغيير الحقائق وتزيفها.
  • صرح وزير العدل حسن الشمري أنه منع من فتح تحقيق في الحادث، ومع ذلك فقد فتح تحقيقا في الحادث وشكل لجنة خاصة به.
  • المحكمة ظلمت موظفي وزارة العدل بحبسهم عام واحد تم استيفائه من موقوفيتهم، وأبلغ الوزير حسن الشمري رئيس مجلس القضاء مدحت المحمود المعروف ولائه للمالكي بأن القضاء العراقي غير حيادي والقضاء يعمل ضد حقوق الإنسان وهدد المحمود بالخروج مع عوائل الموظفين المحكومين بالتظاهر ضد القضاء العراقي الظالم (وزير العدل المسؤول عن العدل وعن القضاء يخرج تظاهرات مع أهالي المحكومين ظلما لعدم نزاهة المحاكم العراقية).
  • تبرير وزارة الداخلي من خلال وكيل وزير الداخلية الأقدم للحادث عدنان الأسدي (من لسان وزير العدل) أن الحرس المسؤول عن حماية السور والأبراج كان في إفطار جماعي بعيدا عن واجبه (عذر أقبح من الذنب).
  • وزارة الداخلية ادعت أنها أحداث شغب من داخل السجن وأنكروا انفجار سيارات مفخخة، ورمت التهمة على وزارة العدل لضعف الأقفال، والوزير صور اقتلاع الأبواب من غير أن يستطيعوا أن يكسروا الأبواب. (كاتب هذه الكلمات يعرف سجن أبي غريب وقضى من محكومية فيه خمس سنوات كسجين سياسي، ويعلم يقينا أن من يسيطر على الأمن في السجن يستطيع فتح الأبواب لكون مفاتيح الأبواب مع موظفي وزارة العدل الذين كما صرح الوزير أغلبهم قتلوا من قبل المهاجمين من الداخل بعد أن أطفأت الكهرباء، فلا أعلم لم تكسر الأبواب ويهدم الجدار المحيط بها والمفاتيح بيد الإرهابيين في الداخل…!!!)
  • استبعد وزير العدل ضلوع المالكي بالأمر على الرغم من كونه القائد العام للقوات المسلحة التي تنتسب وزارتي الدفاع والداخلية إليها.
  • تبرير الوزير وجود مسؤولين حكوميين متورطين في الحادث صرفه باتجاه القيادات الأمنية مرتين، وفي المرة الثالثة لمح في قوله؛ هناك جهات حكومية تبحث في مصالح العراق من خلال التفاهم مع مخابرات أجنبية من خلال تقديرها الذاتي… في كلام مبهم غير واضح.
    لا أسعى في هذه السردية البحث عن ضحية أحملها مسؤولية صناعة الإرهاب في نواتها الأولى، ومن ثمة سحب الجيش والشرطة الاتحادية والمحلية من أمامه وتسليحه بسلاح ثلاث فرق عسكرية حين سيطر في خطوته الأولى على الموصل ومضى ليسيطر عن جميع محافظات العرب السنة ليدمرها تارة بيده وتارة من خلال الأعمال الحربية لإخراجه منها، لمعرفة من المتسبب الرئيس ومن كان بيده أداة وملقط، علينا أن نعرف من المستفيد من ذبح العرب السنة وتهديم محافظاتهم وتهجير أبنائهم؟ فإن أجبنا على هذا السؤال لا يبقى داع لمعرفة الجاني وأتباعه، فالشعب العراقي يعلم من الجاني ومن هم أدواته.