العراق بلا عقيدة عسكرية موحدة

مجاهد الطائي
تُعرف العقيدة العسكرية بأنها “مجموع الأفكار والآراء والمفاهيم والتعاليم التي تسترشد بها القوات المسلحة في السلم والحرب ، وتعتبر العقيدة العسكرية ظل للعقيدة السياسية في المشهد العام”. أي إن العقيدة العسكرية نابعة بالأساس من العقيدة السياسية وأهدافها وإمكاناتها ومصالحها على مستوى الدولة ككل.
فمما لا شك فيه إن العراق يعاني من ملفات كثيرة تؤثر بشكل أو بآخر على تشكيل العقيدة العسكرية العراقية التي لم تتبلور بشكل واضح منذ عام 2003 ؛لغياب الأهداف العراقية والمصالح الوطنية الواضحة وظروف البلد الصعبة بعد تداعيات حل الجيش العراقي والفراغ الأمني الكبير الذي فشلت جميع القوى السياسية بتطويقه وتحجيمه سواءً بشكل متعمد أو غير متعمد وأثر ذلك على الأمن الوطني بشكل واضح.
إن تفكيك الدولة العراقية وتراجعها إلى مكوناتها الفرعية الطائفية والقومية تسبب بتراجع مفوم المصالح والأهداف الوطنية الموحدة إلى المصالح الفرعية المرتبطة بالهويات الفرعية ، كما أن هوية الكتل البشرية الشيعية والكردية والسنية – التي طفت على السطح بفعل الحرب الطائفية والمصالح الضيقة – أسست أجهزة وكيانات أمنية وعسكرية دفعتها الطائفية والأدوار الإقليمية للتنافس فيما بينها على حساب أمن العراق وعقيدته العسكرية التي تحبو للوصول إلى صيغة نهائية يتفق عليها الجميع ،وتتحد بموجبها صور الإمكانات وطبيعة الأهداف وأجناس التهديدات وآليات معالجتها ،إضافة إلى نوعية القدرات التي يتوجب حيازتها وفقاً لنوع المخاطر المتوقعة وتوظيف مقومات القوة المادية والمعنوية في خدمة الأمن الوطني.
فإلى الآن ليس هناك صورة واضحة عن طبيعة الحرب القادمة التي ستخوضها الدولة وأجهزتها الأمنية والجيش لا من حيث نوعيتها ولا شكلها ولا وسائلها ، ومن سيشترك فيها؟ وهل ستكون بفعل إقليمي أم داخلي؟ وهل سيوظف الإرهاب مرة أخرى أم لا؟ وهل ستتدخل جميع الأجهزة بعمل منسجم لتحقيق أهداف واحدة أم أن هناك مجاميع تعمل لصالح إيران؟ فمن الملح الإجابة على هذه التساؤلات خاصة ونحن في ظرف إقليمي مفتوح لجميع الاحتمالات ولن يكون العراق قادراً على أن لا يكون جزءاً منه. هذه التساؤلات المعقدة وغيرها ليس لها إجابة واحدة من الممكن خلالها إدراك أن للعراق عقيدة عسكرية وأهداف وطنية يعمل الجميع من أجلها ،ناهيك إن إيران تعتبر العراق ساحة وخندق رئيسي لها في مواجهة الولايات المتحدة عبر ميليشياتها الموالية والتي لا تتردد في خدمة مشاريع ملالي طهران.
تتعدد الأجهزة الأمنية الرسمية التابعة للدولة وتتعدد الميليشيات المرتبطة بالأحزاب والغير مرتبطة بالدولة أو أي طرف في الداخل العراقي إنما بأطراف خارجية، وتتعدد ولاءاتها وعقائدها العسكرية وإنتماءاتها وأهدافها وطموحاتها ومصالحها وأدائها ؛ مما يجعل العقيدة العسكرية الوطنية العراقية مذاهب متعددة يصعب لمها وعنوتها بإطار موحد من الممكن أن تخدم العراق كدولة وتحدد من خلالها أعداءه وأصدقائه والمخاطر المحدقة به سواءً كانت خارجية أو داخلية ولا تستخدم القوة ضد أبناء شعبه أو في حل الخلافات السياسية من خلال تسييسها، فالقوة العسكرية لا تستخدم إلا كحل أخير وبعد أستنفاذ جميع الوسائل السياسية والمفاوضات خاصة مع القوى والأطراف الداخلية وعدم أستخدامها كأداة للقمع وإدامة الصراع وتحفيز الأقليات والتناقضات الاجتماعية لمصالح إقليمية وبعيدا عن مصلحة العراق.
لا يزال العراق يعيش حالة من عدم تبلور عقيدة عسكرية واضحة بسبب التخبط السياسي والنفوذ الإيراني في بعض الأجهزة الأمنية والأحزاب والاستقطاب الإقليمي ، ناهيك عن غياب المشوع الوطني العراقي وأحترام الدستور والقانون والسيادة .. إلخ فهناك عوامل عديدة تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على تكوين تلك العقيدة وقد تغيرت تصنيفات الأعداء والأصدقاء أو ضاعت بعد إنشغال البلد بأمنه وأعداءه الداخليين وبناء جيشه على هذا أساس ، فقد كان جيش العراق في عهد النظام السابق هجومي بالدرجة الأساس ينظر إلى إيران والولايات المتحدة وإسرائيل كأعداء ويعمل على توسيع قدراته أفقياً وصاروخيا كما يُحّمل نفسه أهداف ومهام لا تتناسب مع تطوره العامودي بالتقنية والتكنلوجيا العسكرية ؛ مما أدى إلى إدخال الجيش والدولة في حالة استنزاف دائم وأدى إلى أنهيارهما معا.
أما اليوم فالعراق بشكل رسمي ينظر إلى الولايات المتحدة وإيران على أنهما حلفاء له ويطلب منهما المساعدات العسكرية بالرغم من خلافاتهما وتنافسهما على العراق ، ناهيك عن أن النظرة إلى إسرائيل كعدو لم تعد موجودة ولا يتم التطرق لها إلا من خلال ما تقوم به بعض الميليشيات بإطلاق التهديدات تجاه إسرائيل ويوضع ذلك في إطار التراشق الإعلامي بين إيران وإسرائيل والتهديد والوعيد المتبادل.
أخيراً ، إن العقيدة العسكرية لا يمكن فصلها عن العقيدة السياسية ومن المُلح أحترام الأسس السياسية التي لها دور في صياغة أهداف عسكرية وطنية ومصالح قومية  بعيداً عن إيران أو أي طرف خارجي سوى ما يتعلق بالتعاون العسكري المشترك، فالعراق اليوم يُنظر له من خلال وزنه الجيوسياسي المهم ومن غير الممكن أن يكون مهدداً لأمن جيرانه وإثارة قلقهم ومن المهم التعاون مع دول الجوار الإقليمي ودول مجلس التعاون الخليجي وتطمينهم لعودة العراق إلى مكانته العربية ووضعه الإقليمي وعقيدته العسكرية التي تحمي جيرانه بدلاً عن تهديدهم.