الموصل في الإستراتيجية الايرانية

فراس الياس
باحث في الشؤون الإيرانية
جاء التحرك الإيراني الفاعل حيال معارك إستعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش، كجزء من إستراتيجية متكاملة الأدوار على الصعيدين المحلي والإقليمي، وتهدف من خلالها إلى تقوية أدوات فعلها الخارجي من خلال عناصرها الغير دولتية المقاتلة على الساحة العراقية، وتسعى من خلالها أيضاً إلى تقوية موقفها السياسي حيال التحركات الأمريكية الجديدة على الحدود العراقية السورية، وخصوصاً بعد الإنسحاب الأمريكي المفترض من الساحة السورية.
ويمكن القول بأن الهدف الرئيس للتواجد الإيراني الغير مباشر في مدينة الموصل اليوم يأتي ضمن أهداف عدة منها:
  • إيجاد موطئ قدم جديد في منطقة خالية أصلاً من النفوذ الإيراني، وهي مدينة الموصل ذات الأغلبية السنية، وذلك من خلال تواجد الحشد الشعبي المدعوم من إيران (مستشارين وعناصر مقاتلة) في قلب هذه المدينة.
  • عملت إيران ومنذ الساعات الأولى لإنطلاق معارك تحرير المدن والقصبات العراقية من سيطرة تنظيم داعش، إلى التحكم وبصورة رئيسية بتحركات الحشد الشعبي، وذلك من خلال إنتقاء مناطق إستراتيجية تخدم الأمن الإيراني وتحركاته، والتي تعود بالفائدة الجيو- أمنية على الإستراتيجية الإيرانية العامة في الشرق الأوسط، فمع بدء معارك تحرير مدينة ديالى عملت إيران بتمكين المليشيات المسلحة من السيطرة على مناطق جنوب ديالى المرتبطة بحدود مباشرة مع إيران، والمعروف أن أغلب سكان هذه المناطق هم من الأغلبية السنية، والذي لطالما مثلت خاصرة رخوة في جغرافية إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، وعدم السماح لأهالي هذه المناطق بالعودة إليها بعد تحريرها على الرغم من مرور أكثر من ثلاث أعوام على تحريرها، ومن ثم إتجهت إيران لتمكين المليشيات المسلحة وتحديداً عصائب أهل الحق من إقتطاع قضاء النخيب التابع لمحافظة الأنبار وربطه بمحافظة كربلاء، بحجة الخوف على “الشيعة” في هذا القضاء من تهديدات تنظيم داعش، من أجل قطع أي تواصل جغرافي بين محافظة الأنبار مع السعودية والأردن، والسيناريو نفسه تكرر مع جرف الصخر وطوز خرماتو ويثرب وبلد وغيرها، وهو ماتكرر مع قضاء تلعفر التابع لمدينة الموصل، حيث أن إيران ضغطت على الحكومة العراقية لجعل مهمة تحرير تلعفر خاصة بالحشد الشعبي ، ولعدة أسباب منها :
  • توجيه ضربة إستباقية لمشروع الأقاليم السنية المزمع تطبيقه في مرحلة مابعد داعش، من خلال العمل على إجتزاء قضاء تلعفر من مدينة الموصل.
  • قطع أي تواصل جغرافي بين الموصل والحدود السورية والتركية، من خلال تحويل القضاء إلى مدينة في حالة قيام إقليم الموصل، إذ أنه من غير المنطقي أن يقبل الشيعة التركمان في تلعفر الإنضمام إلى اقليم ذي أغلبية سنية، وبالتالي تكون إيران قد نجحت في تحقيق فاصل جغرافي بين الموصل وجوارها.
  • تحقيق تواصل مع عناصر حزب العمال الكردستاني الذين يسيطرون على جبل سنجار، وبالتالي إمتلاك ورقة ضغط ضد المنافس الإقليمي تركيا، وكذلك إقليم كردستان العراق .
  • العمل على تقوية النفوذ الشيعي التركماني داخل مدينة تلعفر ذي الاغلبية السنية من خلال عمليات تغير ديموغرافي ممنهجة.
  • العمل على تثبيت نقاط قوة حيال إقليم كردستان العراق من خلال فتح قواعد عسكرية للتدريب والتطوع في هذا القضاء القريب من محافظات إقليم كردستان العراق، ولعل القصف الذي تتعرض له قوات البشمركة بين الفترة والأخرى خير دليل على ذلك.
  • قاعدة للإنطلاق نحو الأراضي السورية، ولعل شعارات قادمون يارقة وقادمون ياحلب التي أطلقها نوري المالكي تأتي في هذا الإطار.
ومع الإنتشار الأمريكي الحالي في المدن والمحافظات السنية، تعمل إيران على إعادة نشر قطعات عديدة للحشد الشعبي في هذه المدينة، نظرا لأن صانع القرار في إيران يرى بأن هذه المدينة يمكن أن تكون ساحة لأستنزاف الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، فكاما هو معلوم ومع بدء معركة تحرير الجانب الأيمن من مدينة الموصل، تمركزت الكثير من القطعات العسكرية الأمريكية في مطار مدينة الموصل بعد تحريره من سيطرة تنظيم داعش، إلى جانب قاعدة القيارة الجوية والتي يصل تعداد القوات الأمريكية المنتشرة في هاتين القاعدتين مابين 500-1000 امريكي بصفة (مستشار- متعاقد-جندي)، ولعل زيارة كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير لهاتين القاعدتين خلال نيسان 2017 اثناء زيارته للعراق، إلى جانب الإنتشار الأمريكية الكثيف في تخوم المدينة اليوم، تكشف حجم الأهتمام الأمريكي بمدينة الموصل في الوقت الحاضر، أضف إلى ارتباط هذا الموضوع بتمركز القوات الأمريكية في قاعدة سعد الجوية على الحدود السورية العراقية قرب مدينة البو كمال السورية، فضلاً عن قاعدة عين الأسد، والقاعدة الأمريكية في أربيل ومخمور.
ومن المحتمل أن تشكل هذه القواعد الأمريكية في مناطق شمال العراق البديل الناجح لقاعدة أنجرليك التركية، لما تتمتع به من موقع استراتيجي مهم كونها تطل على أربع جبهات رئيسة في الأوسط، العمق العراقي، العمق السوري، البحر الأحمر، إيران وخطوط دعهما اللوجستي إلى سوريا، وبالتالي فأن إيران تدرك جيداً أنها الهدف القادم بعد إنهاء داعش، وعليها الهروب إلى الأمام من أجل درء مخاطر المستقبل، ولعل عمليات إستهداف الجنود الأمريكان في مناطق شرق نهر الفرات التي تتهم القيادة الإيرانية بالوقوف وراءه، تشير إلى مدى عدم الارتياح الإيراني من التواجد الأمريكي في محيط وقلب مدينة الموصل.