هل تنجح روسيا في حل تقاطعات الشرق الأوسط ؟

د. الناصر دريد
لطالما عرف الشرق الأوسط بحروبه ومشاكله في كل العصور والازمنة وزماننا الان ليس استثناء من هذه القاعدة , بل انه يمور ويفور بالنزاعات وحروب النيابة والحروب المباشرة والتوترات والكراهية والمذابح والمأسيي ربما اكثر من أي عهد سابق , ومهمة روسيا في إضفاء قوتها وهيمنتها على هذه المناطق مرهونة بقدرتها على حل مشاكل هذه المنطقة وصراعاتها وجمعهم في بودقه واحدة تعترف بالسيادة لروسيا , علما انه لم يحصل ابدا ان تمكنت قوة دولية ولوحدها من حل مشاكل المنطقة وانهاء نزاعاتها وصراعاتها ويذكر التاريخ القريب ان الولايات المتحدة حاولت عقب انتصارها المدوي في حرب الخليج الأولى 1991 ان تستفيد من المناخ الإيجابي العام في الشرق الأوسط والذي ولده تراصف كل أنظمته ولأول مرة ضد الاحتلال العراقي للكويت , كما اظهر حجم التاييد الشعبي العربي لصدام ( بسبب مهارته في التلاعب بالقضية الفلسطينية واثارته لها ابان حربه في الكويت ) ضرورة العمل على حل هذه القضية , فقررت واشنطن ان تجرب بكل إمكاناتها ان تحل قضية الشرق الأوسط المزمنة في مؤتمر مدريد الا ان المحاولة فشلت في ظل إصرار كل الأطراف على موقفها ولم تسفر المباحثات الا عن اتفاقية أوسلو بعدها بعدة سنوات مع منظمة التحرير الفلسطينية ( بعد ان نبذت الكفاح المسلح علانية ) واتفاق وادي عربة مع الأردن بنفس الوقت . وفيما يلي اهم المشاكل والصرعات والخلافات التي تعصف بالشرق الأوسط والتي يفترض بموسكو ان تحلها وتنهيها قبل ان تدعي سيادتها عليه
أولا -قضية الشرق الأوسط : وهي قضية الصراع الأساسية في هذه المنطقة وستظل كذلك مهما دخلت من قضايا وحلت أمور ومشاكل غيرها , ومن المعلوم ان إسرائيل لطالما لاذت بالدعم الأمريكي في رفض كل التسويات واجبار العرب والفلسطينيين على القبول بالمزيد من التنازلات من اجل الوصول الى المنطقة الوسط التي لطالما دعاهم الأمريكيين اليها دون جدوى , والان يفترض ان تحل موسكو كراعي لعملية السلام اذا ما تحقق الانسحاب الأمريكي فعلا وبشكل كامل من الشرق الأوسط , وربما روسيا غير معنية بحقوق الفلسطينيين والعرب في القضية لكنها أيضا غير مرهونة للاجندات التي لطالما استطاع الاسرائيليون ومؤيديهم ان يطوعوا الإدارة الامريكية لها في الشرق الأوسط ولصالح رؤيتهم وارائهم , وبالتالي فان إسرائيل لن تسلم بسهولة ابدا بخروج الطرف الأمريكي من المعادلة ويتوقع ان تبذل إسرائيل الكثير هي ومؤيدوها للحيلولة دون سيطرة روسيا على الشرق الأوسط , والرفض الإسرائيلي هو شيء لايفترض ابدا الاستهانة به في هذه المنطقة
ثانيا – الصراع الطائفي : اشتعل اوار الصراع الطائفي في المنطقة منذ تاسيس الجمهورية الإسلامية في ايران 1979 , رغم انها كانت مخفية خلال الثمانينات بالطابع القومي ( بسسبب إصرار نظام صدام على عدم اثارة الشكل الطائفي الحقيقي للصراع بسبب خوفه من تاثيرات ذلك على بقاء بلده ونظامه ) وعاد الصراع للخفوت خلال التسعينات وخلال العقد الأول من القرن 21 بسبب خوف الإيرانيين من النفوذ الأمريكي الذي وصل اقصى مداه باحتلالها العراق في 2003 , الا علامات الضعف التي ظهرت شجعت الإيرانيين على تحدي النفوذ الأمريكي شيئا فشيئا وأثارت بالطبع حفيظة مناوئيهم طائفيا في المنطقة , والان فان الصراع الدائر بين الرياض وطهران وحلفائهما بشكل واحدا من اخطر محاور الصراع في المنطقة , وربما تحلم ايران بان موسكو ستقف معها ضد الرياض حالما تسيطر على المنطقة , لكن متطلبات الواقع والعقل ( اذا تمتعت بهما موسكو في سيطرتها ) يفرضان عليها ان تسعى لانهاء الصراع بشكل عادل وتشيع العدالة الطائفية في المنطقة ولا تنحاز لطائفة دون أخرى , الامر الذي قد يثير مشاعر مئات ملايين مسلمي العالم اذا فشلت في تحقيقه . وبالطبع فان هناك عشرات المواقع التي تشهد صراعات طائفية في المنطقة بحاجة الى تفكيك مع كل التعقيدات المحلية المتشابكة في كل موقع من هذه المواقع ( العراق , سوريا , لبنان , اليمن , البحرين ….الخ )
ثالثا- وهناك صرعات سياسية ثنائية او ثلاثية تحوي الكثير من التشنج والتوتر في المنطقة مثل
أ – الصراع المصري – التركي : وهو الصراع الذي بدا منذ انقلاب السيسي في 2013 والذي اكد فشل مشروع السيطرة التركية ( المفترضة ) على المنطقة بواسطة الاخوان المسلمين ( برعاية ودعم قطري ) ومنذ ذلك الحين والصراع السياسي محتدم وبقوة بين الطرفين رغم عدم وصوله لحافة الصدام المباشر
ب- الصراع الإيراني – الإسرائيلي : ورغم انه يمكن ان يوضع في اطار صراع الشرق الأوسط , الا ان العداء المتبادل بين الطرفين اصبح له وضع خاص , ومن الناحية العسكرية ( وبعد توقيع اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر ومنظمة التحرير والأردن وبعد سقوط نظام صدام وانهيار قوة نظام ال الأسد وانهيار خطر الجزائر عسكريا ) فلم يعد هناك مخاطر تتحسس منها إسرائيل في المنطقة اكثر من القدرة النووية والصاروخية الإيرانية من جهة وقيام ايران بتسليح جماعات مسلحة مناوئة لإسرائيل في المنطقة مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة , وتبدو فكرة انهاء الصراع بين هذين الطرفين . اشبه بضرب من الخيال . لاسيما مع وجود الطروحات الأيديولوجية الرافضة لدى ايران الا ان ذلك سيكون التحدي الأخطر في كل ملفات المنطقة الملتهبة
ج- صراعات دول الخليج : رغم ان دول الخليج لطالما تمتعت بتوافق سياسي عالي منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي , الا ان الازمة التي شجرت بين قطر من جهة والسعودية والبحرين والامارات من جهة أخرى . اشتعلت سريعا وبشكل حاد جدا كاد ان يؤدي الى اشتعال المنطقة , وقد فشلت كل محاولات دول المنطقة الأخرى او الأطراف الدولية في حل او حتى لجم هذا الصراع لاسيما بعد دخول اطراف إقليمية أخرى ( مثل تركيا وايران في دعمهم المباشر او غير المباشر للجانب القطري ) مما زاد من تعقيد الموقف
ع- التقاطع السوري – التركي : بدات العلاقة بالتأزم بين الطرفين منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وكادت ان تصل في بعض المراحل الى الصدام العسكري المباشر بين الطرفين ( لولا الدعم الروسي المباشر سياسيا وعسكريا لنظام الأسد ) بعد ان وصل الدعم العسكري التركي للثورة السورية مرحلة مؤثرة وحساسة , والان وبعد ان حسمت روسيا الساحة السورية لصالح نظام بشار . اصبح من الواجب على روسيا ان تدبر عودة العلاقات الطبيعية بين دمشق وانقرة بل ان هذه المهمة ستكون اول مهمات ما بعد استتباب الهيمنة الروسية المفترضة في المنطقة وأول دلائل نجاح هذا الدور من عدمه لكن هذه التحديات السياسية الجسيمة لايمكن مقارنتها بالتحديات الاقتصادية المتوقعة للهيمنة الروسية فما هي هذه التحديات ؟ هذا ما سنحاول معرفته في مقالات قادمة