أسباب العودة الأمريكية إلى العراق

شاهو القره داغي
مستشار مركز العراق الجديد
نشر الجيش الأمريكي في 17 يناير 2019 دراسة مطولة ضمن مجلدين شاملين زاد عدد صفحاتها عن 1300صفحة ، متضمنة 1000 وثيقة رفعت عنها السرية حول التاريخ العسكري في العراق، بهدف (استخلاص العبر من الحرب) .
ومن أبرز الاستنتاجات التي وصلت إليها الدراسة، أن “إيران الجريئة و التوسعية تبدو و كأنها المنتصر الوحيد” نتيجة التدخل الأمريكي في العراق عام 2003.
بالإضافة إلى “الاعتراف بفشل ردع إيران ، و الفشل في تدريب قوات عراقية قادرة على الاعتماد على نفسها، مع فشل أوباما و المالكي في التوصل الى اتفاق حول تمديد الوجود الأمريكي الذي قوض إمكانية تحقيق الاستقرار، و المشاكل الأمنية التي تفاقمت نتيجة قرارات نوري المالكي ضد السنة “.
يأتي هذا التقرير بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي من سوريا و التوجه إلى العراق، وزيادة نشاط الجيش الأمريكي في المحافظات العراقية ، مع نية أمريكية لبناء المزيد من القواعد العسكرية و تعزيز التواجد في كردستان العراق و المناطق الحدودية بين العراق و سوريا ، بالإضافة إلى المحافظات السنية العراقية حسب المصادر العسكرية العراقية.
وحسب معهد “الشرق الأوسط” للبحوث الذي نشر تقريراً في 20 يناير 2019 عن البُعد الاستراتيجي للعودة الامريكية الى العراق ، جاء فيه: ان الاحداث الأخيرة في المنطقة دفعت الولايات المتحدة لتأمين سوق لاستيعاب النفط و الغاز الأمريكي، ومن أجل ذلك فهي تعول على عودتها القوية للعراق، الذي يعد ثاني منتج للنفط في “أوبك” والعودة القوية للعراق يضمن لها التحكم بثاني أكبر منتج في “أوبك” ، بالإضافة إلى القدرة على محاسبة إيران وتقطيع اذرعه الاخطبوطية في المنطقة و العالم “.
من الناحية العملية لا يمكن للعراق ان تسيطر على الملف الأمني بدون المساعدة الامريكية و الطيران الأمريكي، وتجسد هذا الامر في العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش ، ولا يمكن إغفال عودة نشاطات تنظيم “داعش” للكثير من المناطق و استغلال الفراغ الأمني الموجود ، حسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية فإن تنظيم “داعش” نفذت 1200 هجوم بعد إعلان رئيس الوزراء السابق (حيدر العبادي) عن هزيمة التنظيم “.
محاربة نشاطات تنظيم (داعش) في العراق هو المبرر الرئيسي للعودة الأمريكية إلى العراق، ولكن هناك من يربط العودة الأمريكية بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية على طهران ، و النية الأمريكية لضرب النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل عام و العراق بشكل خاص، حيث يستفيد طهران من ثروات العراق و اتخاذه معبراً للمرور إلى دول المنطقة ، وما يعزز هذا السيناريو هو زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قاعدة (عين الأسد ) في الانبار بالعراق، دون المرور ببغداد ، للاطمئنان على قوات بلاده في العراق و رفع معنوياتهم لأي عملية عسكرية قادمة .
ومن المحتمل أن إدارة ترامب تعمل على تصحيح أخطاء الإدارة الامريكية السابقة في كيفية التعامل مع النفوذ الإيراني ، وخاصة مع الاعتراف بأخطاء الرئيس الأمريكي السابق (باراك أوباما) في التعاطي مع التواجد الإيراني في المنطقة و ترك العراق لإيران والفشل في بناء أجهزة عسكرية وطنية عراقية تعمل لمصلحة العراق وتكون بعيدة عن الاجندة الإيرانية.
على الرغم من ذلك هناك تباين واضح في مواقف الأطراف السياسية العراقية من العودة الأمريكية إلى العراق بين معارضة شيعية و تأييد كردي وقلق سني .
يرحب الاكراد بالتواجد الأمريكي سواءً في العراق أو في إقليم كردستان ، حيث علق رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني 27 يناير 2019 على موضوع التواجد الأمريكي في العراق قائلاً : نرى في حكومة إقليم كردستان أن وجود القوات الأمريكية في العراق ضروري لمساعدة القوات الأمنية طالما بقي داعش في البلاد، وهذا الوجود مرتبط بمصلحة العراق” .
ينظر الكورد إلى الولايات المتحدة الأمريكية كحليف إستراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه ، وعلى الرغم من مرور العلاقة بين أمريكا و إقليم كردستان بمشاكل محددة مثل أزمة الاستفتاء التي وقفت فيها أمريكا بجانب الحكومة الاتحادية، إلا ان العلاقة مازالت ثابتة و مترسخة بسبب إسهام الجانب الأمريكي في بناء إقليم كردستان منذ فرض الحظر الجوي بعد حرب الخليج الثانية 1991 إلى الآن ، حيث تعمل الولايات المتحدة الامريكية على بناء أكبر قنصلية في العالم في أربيل عاصمة إقليم كردستان والذي من المتوقع أن يكتمل في عام 2022 ما يساهم في تعزيز و تطوير العلاقات بشكل أكبر بين الطرفين.
بينما يطالب الأطراف الشيعية المتمثلة بالأحزاب السياسية و الميليشيات المسلحة بضرورة الإسراع في صياغة قوانين تُلزم الحكومة بطرد القوات الأمريكية من العراق ، و خضوع القوات الأجنبية (الامريكية) للحكومة العراقية و عدم القيام بنشاطات أمنية أو عسكرية دون العودة للأجهزة الأمنية العراقية، ويبدو ان الضغوطات الإيرانية على الأطراف الشيعية من أبرز عوامل توجه الأحزاب الشيعية لتبني سياسة إخراج القوات الامريكية ، لأن طهران تخشى من اتخاذ أمريكا للعراق كمركز للإضرار بمصالح إيران و دعم الجماعات المسلحة المعارضة للنظام الإيراني ، وهذا ما يردده المسؤولين في الحكومة العراقية من التأكيد على أن العراق لن يكون منطلقاً لأي عدوان على دول الجوار و المقصود به (إيران) على وجه التحديد.
وعلى الرغم من تهديد العديد من الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران بطرد القوات الامريكية بالقوة ، إلا ان الأطراف الشيعية تُدرك أن المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية قد يؤدي إلى خسارة الحكم و النفوذ الذي حصدوه خلال السنوات الماضية ، وبالتالي قد يقتصر الأمر على الخطابات و التهديدات القولية دون التحول لأفعال على أرض الواقع، وحتى في حال صياغة قوانين لطرد القوات الامريكية من العراق فإن الحكومة العراقية عاجزة عن تنفيذ هكذا قوانين بسبب المديونية والتي يتطلب دفع العراق ملايين الدولارات للولايات المتحدة الامريكية قبل المطالبة بخروجها عن العراق.
أما الأطراف السنية فهي تعيش في حالة تردد من العودة الامريكية إلى العراق، حيث تعمل إيران على التأثير على رجال الدين السنة و الأطراف السياسية السنية القريبة منها إلى بناء خطاب معادي للتواجد الأمريكي على غرار الخطاب السني الرافض للتدخل الأمريكي بعد 2003 ، ولكن تجربة السنة مع الحكومات الشيعية المدعومة من إيران ، والنتائج السلبية التي خلفتها الانسحاب الأمريكي من تسليم العراق بالكامل لوكلاء طهران ، يدفع قسماً من الأطراف السنية إلى عدم الانجرار وراء المحاولات الإيرانية ، وعدم الاستعداد لمحاربة الامريكان أو تبني خطاب معادي للتواجد الأمريكي.
تحاول الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة زيادة التنسيق بين قوات البيشمركة الكردية مع الجيش العراقي في المناطق المتنازع عليها ، لإعادة الامن و الاستقرار الى هذه المنطقة و إنهاء الفراغ الأمني الذي تشكل بعد احداث الاستفتاء وسيطرة الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران على هذه المناطق و زيادة عمليات الاختطاف و القتل و تهريب النفط من الحقول النفطية ، و تضغط الولايات المتحدة الامريكية على الحكومة المركزية في بغداد للقبول بهذا المقترح وزيادة العلاقات مع حكومة الإقليم ، وفي مقابل ذلك يحصل رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي على الدعم الكامل من الأطراف الكردية وخاصة الديمقراطي الكردستاني للوصول إلى تفاهمات ومعالجة المشاكل في هذه المناطق الحساسة بإشراف أمريكي .
لا يمكن أن تؤدي العودة الأمريكية إلى انهاء التواجد الإيراني و القضاء على الميليشيات الطائفية بشكل فوري لأن النفوذ الإيراني متجذر في أغلب مؤسسات الدولة، ولكن من الطبيعي أن من أبرز أسباب التركيز الأمريكي على العراق مجدداً هو دفع العراق على الاعتماد على نفسه في مجال الاقتصاد و الطاقة ، و أيضا خفض مستوى العلاقات مع إيران و خلق العلاقات الإيجابية مع دول الجوار للمشاركة في مشاريع الاستثمار و توفير السلع و البضائع وإنهاء التفرد الإيراني بالعراق، وهذه خطوة مهمة في الوقت الحالي مع استمرار العقوبات الاقتصادية التي أضعفت النظام الإيراني ودفعت رئيس الجمهورية الإيراني الى الاعتراف بتأثير العقوبات الاقتصادية التي من الممكن ان تدفع طهران إلى الداخل و تضعف تدخلاتها الخارجية وخاصة في العراق في حال شعرت أن بقاء و استمرارية النظام في خطر .
العودة الأمريكية إلى العراق قد تهدف إلى إعادة السيادة الى العراق كما يؤكد وزير الخارجية الأمريكي (بومبيو) على هذا الامر ويتهم إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، او قد تهدف الى جعل العراق ساحة للانطلاق الى مناطق أخرى في المنطقة وهذا يتطلب أيضاً تحجيم النفوذ الإيراني و إنهاء فوضى السلاح و الميليشيات التي تُهدد بانهيار الاستقلال الهش في أي لحظة.