غوايدو …. النجم الذي قلب الطاولة

د. الناصر دريد

رسمت المقالة السابقة عن فنزويلا صورة واضحة عن نظام كاراكاس الحالي فهو نظام شعبوي يساروي فاسد بكل ما تعنيه الكلمة , ففنزويلا تتربع على راس الدولة الاكثر بؤسا من الناحية الاقتصادية منذ عام 2013 وقد صنفت المؤسسة المالية الدولية ( IFC )فنزويلا في المرتبة 180 ( من مجموع 185 دولة ) من حيث جاذبيتها للاستثمار !! في 2013 . وفي 2014 دخلت فنزويلا ركودا قويا اوصل البلاد الى مستوى -0.3% من حيث الناتج المحلي الاجمالي في 2014 !! وصنفتها مجلة الايكونوموست باعتبارها اسوأ ادارة اقتصادية في العالم بينما وصف سيتي بنك الادارة الاقتصادية لفنزويلا بانها كارثية !! واعتبرت ثالث دول العالم من حيث حجم القيود الاقتصادية , وقد تنبأ صندوق النقد الدولي بمستوى تضخم لفنزويلا يصل الى 159% كاعلى تضخم في تاريخها وفي العالم لعام 2015 الا ان تسرب الوثائق من البنك المركزي الفنزويلي اكد وصول البلاد الى حدود تضخم يقرب من 270 % ونقص بضائع يصل الى 70% في ذلك العام !! وفي 2016 اقرت كل الجهات الاقتصادية الدولية ان فنزويلا تعاني انهيارا اقتصاديا !! مع معدل تضخم وصل الى مستوى 500% ومنذ نهاية 2016 اصبح التضخم يزداد بمعدل 50% شهريا !! وكشفت الجمعية الوطنية ( البرلمان ) الفنزويلية بان التضخم في 2017 وصل الى 4000% ثم وصل الى زيادة سنوية تصل الى 448000% في معدلات التضخم وكانت الاسعار تتضخم في البلاد مرة كل 28 يوما !! كل هذا قبل قيام الرئيس ترامب بفرض عقوبات على فنزويلا في 24 اب 2017 فلنا ان نتصور ماسيحدث بعد العقوبات !! , هذا على الرغم من ان فنزويلا تنتج 2.3 مليون برميل يوميا بالاضافة الى توفر مختلف انواع المعادن الاخرى وهي تعتبر سادس دولة في الانتاج النفطي في اوبك ناهيك عن الانتاج الصناعي الذي توقف بشكل شبه تام بحلول عامي 2014 و2015 وغيرها من القطاعات , ويبدو من استعراض هذا النظام وكيفية نشوئه. ان القيادة الكوبية قامت بصنع هذا النظام كتابع لها ( سبق وان قامت بمحاولة شبيهة في نيكاراغوا عندما ساهمت بخلق النظام السانديستي نسبة للثائر النيكاراغوي ساندينو وقد حكم هذا النظام البلاد خلال الاعوام 1979-1990 ) وكما فعلت مع نيكاراغوا عندما خلقت ظاهرة اورتيغا والساندستي قامت ايضا في فنزويلا بخلق ظاهرة تشافيز و معه البوليفارية ( وهي عبارة عن عقيدة تلفيقية اي خليط مكون من القومانية الامريكانية اللاتينية والاشتراكية وسميت بهذا ايضا نسبة للثائر الامريكي سيمون بوليفار ) وليس مستغربا ان تجد امثال تشافيز ومادورو واورتيغا في كل دول امريكا اللاتينية , مهيئين ومدربين ايديولوجيا وسياسيا لتولي السلطة في الوقت المناسب وتلقي الارشادات من هافانا , ويبدو ان دراما الازمة الفنزويلية المستمرة منذ حكم البوليفاريين في 2010 مازالت مستمرة حتى الان , وان كانت هناك الكثير من المعطيات التي تنبئ بقرب نهايتها وتقول مؤسسة بروكنغز ( ان فنزويلا اصبحت الثمرة الحية لخلطة الفساد وسوء الادارة الاقتصادية والحكم اللاديمقراطي ) , علما ان الانهيار الذي حصل اقتصاديا في فنزويلا بين الاعوام 2013-2017 كان اقسى حتى من ذلك الذي شهدته الولايات المتحدة ابان ازمتها الاقتصادية الكبرى مطلع الثلاثينات او تلك الى مرت بروسيا او كوبا او البانيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي !! وادى ذلك الانهيار في فنزويلا الى تدمير غير محدود في المجتمع الفنزويلي حيث تؤكد المصادر الطبية انه بحلول عام 2017 فقد 75% من الشعب اكثر من 8 كغم من وزنه بسبب الجوع !! و يعيش حوالي 90% من الشعب ضمن خط الفقر , نصفهم لايملك شراء الحد الادنى من حاجاته الغذائية , علما انه ومنذ اشتداد الازمة في 2017 غادر حتى الان حوالي 2,3 مليون فنزويلي وطنهم وارتفعت معدلات الجريمة لتصبح هي الاعلى عالميا بواقع 90 جريمة قتل لكل 100 الف انسان ( مقانة ب5,3 جريمة لكل 100 الف انسان في امريكا او 1,6 لكل 100 الف انسان في كندا ) وبعد ان كانت فنزويلا اول دولة في امريكا اللاتينية تعلن القضاء على الملاريا عام 1961 , اصابت الملاريا في 2016 مائة الف فنزويلي !! بينما زادت حالات الاكتئاب الناجم عن قلق المعيشة وفقدان الامل بالمستقبل مما رفع من حالات الانتحار بين البالغين الى معدل 67% وبين القاصرين بمعدل 18% , وفي اخر احصائية فقد لام 65% من الشعب الفنزويلي تشافيز او خليفته مادورو او التشافزوية ( عقيدة تشافيز ) على ماهم فيه من حال بينما لم ينحو باللائمة على الولايات المتحدة الا 4% فقط من الشعب !! وقد بدات الازمة الحالية في فنزويلا مع اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في 10-1-2019 بفوز مادورو بدورة رئاسية جديدة , فقرر البرلمان ( الجمعية الوطنية ) اعلان بطلان هذه النتائج واختيار رئيس البرلمان خوان غوايدو رئيسا مؤقتا للبلاد, فمن هو غوايدو, غوايدو واسمه الكامل خوان جيراردو غوايدو ماركيز من مواليد 1983 لاب طيار وام مدرسة وقد فقد غوايدو بيته نتيجة لكارثة فارغاس ( حيث قامت الامطار الغزيرة بالتسبب بفيضانات هائلة دمرت بيوت المنطقة وقتلت عشرات الالوف من السكان وجاءت قصص فساد نظام تشافيز بالتصرف باموال المعونات لتفتح اعين الشاب على حقيقة هذا النظام ) نال شهادة البكالوريوس في الهندسة الصناعية عام 2007 ونال كذلك دبلوما عاليا في الادارة العامة من جامعة جورج واشنطن بامريكا واخر من جامعة فنزويلية واقترن بالصحفية فابيانا روزاليس وله ابنه واحدة هي ميراندا وكان غوايدو احد الناشطين الرئيسيين في حركة الطلاب القائدة ( موفيمنتو ايستيوديانتيك ) والتي بدا عملها عام 2007 للاحتجاج على قرار الحكومة بعدم التجديد لاجازة المحطة التلفزيونية ارسي تيفي ( RC TV ) وذلك بسبب مزاعم حول اشتراكها في تاييد انقلاب 2002 ) كما ساهم بشكل قوي في الحملة المناوئة للتعديلات الدستورية التي كان قد اقترحها تشافيز في 2007 والتي ادت لفشل مساعي تشافيز في تغيير الدستور ,و ساهم مع ليوبولدو لوبيز واخرين في تاسيس حزب ( الادارة الشعبية ) عام 2009 واصبح عام 2014 المنسق الوطني للحزب وكان لوبيز ( الذي اعتقل في يتاير 2019 ) هو استاذ ومرشد غوايدو وقرر لوبيز اسناد قيادة الحزب لغوايدو في 2019 ( والذي لم يكن معروفا كثير على المستوى الوطني ) وكان غوايدو قد انتخب في البرلمان الفنزويلي منذ 2010 كعضو احتياط وكعضو كامل في 2015 في منطقة فارغاس التي كانت تسيطر عليها جماعات تشافيز فكان انتخابه اول كسر لاحتكار جماعات تشافيز في تلك المنطقة واصبح رئيس لجنة المراقبة في البرلمان في 2017 , ثم اصبح رئيس كتلة المعارضة في البرلمان في 2018 واشتهر ببحوثه وتحقيقاته حول فساد النظام , كما شارك في انتفاضة 2017 ( التي نشبت في يناير 2017 اثر قيام النظام بوقف حواره مع المعارضة واعتقال ابرز قياداتها بعد حل البرلمان من قتل المحكمة العليا المؤيدة للنظام ) الامر الذي ترك ندبة دائمة في رقبته اثر طلق مطاطي , وفي يناير 2018 حلف اليمين كزعيم للاغلبية في البرلمان وفي نهاية السنة انتخب كرئيس للبرلمان وحلف اليمين في يناير 2019 حيث قام بدعوة اقارب المعتقلين لحفل تنصيبه واعتبر اصغر زعيم معارضة في تاريخ البلاد , وساهم بوضع برنامج النقاط الثمانية لمواجهة نظام مادورو وهي ( تاكيد اغتصاب مادورو للسلطة , يتولى البرلمان تمثيل البلاد خارجيا , تكوين هيئة انتقالية للتنسيق بين القوى الشعبية واجهزة الدولة , اعادة السلطة للشعب من القوى المغتصبة لها , السعي للحصول على اعتراف المجتمع الدولي , تفويض الحصول على الدعم الدولي , ايجاد تمو يل من اجل تعافي الاقتصاد المدمر بالفساد , اقرار اجندة تشريعية من اجل المرحلة الانتقالية ) وفي يناير تم اقرار العشرات من التشريعات للعمل مع الدول الاجنبية لتجميد ارصدة مادورو واتباعه في تلك الدول , وكتب غوايدو في الواشنطن بوست ( ان مادورو هو مغتصب للسلطة وقد حان الاوان لاعادة الديمقراطية لفنزويلا ) وقال في حواره مع جريدة وول ستريت جورنال ( هو ليس لي اذرع , بل هو امساك بيد ومنح العفو لضباط الجيش الذين انضموا لجهود انتقال السلطة ) وقد ايد العديد من زعماء امريكا اللاتينية تلك المساعي و طالبوا مادورو بالتنحي ، وفي يوم 13 يناير 2019 تم احتجاز غوايدو من قبل مخابرات النظام ( المعروفة باسم سيبين SEBIN ) واطلق سراحه بعد 45 دقيقة ، وقد ادانت مجموعة ليما ( والتي تشكلت بعد اجتماعها في العاصمة البيروفية في 8 اب 2018 لمناقشة الازمة الفنزويلية من دول الارجنتين والبرازيل وكندا وتشيللي وكولومبيا وكوستاريكا وغواتيمالا والهندوراس والمكسيك و بنما و الباراغواي والبيرو و غويانا وسانت لوتشيا ) وسكرتير منظمة الدول الامريكية لويس الماجرو هذا الاجراء مما اضطر النظام للتراجع مدعية انه كان تصرفا فرديا واكدت فتح تحقيق مع 12 عضو من السيبين لقيامهم بهذا العمل مما ادى لانكشاف ضعف النظام وسيطرته على زبانيته الباطشة وقد التقط غوايدو مغزى مهما من كل ماحدث مؤكدا ان ماحدث يثبت ان الامور بدأت تخرج عن سيطرة مادورو . وسنحاول في المقالة القادمة ان نتتبع تطور الاحداث والادوار العالمية في هذه الازمة.