هل بدأت ازمات الحرب الباردة من جديد؟!!

د. الناصر دريد
الحرب الباردة التي نشبت مباشرة بعد اسدال الستارة على الحرب العالمية الثانية عام 1945 ولم تنته الا بسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 (حوالي النصف قرن) عودتنا على الكثير من المظاهر البائسة في العلاقات الدولية والتي زادت العالم توترا و صراعات و مشاكل و ازمات في كل قاراته الخمس, و اهم هذه المظاهر اننا ماكنا نجد ازمة بين دولتين او منطقتين  او حتى شارعين الا ونجد العملاقين الاكبر في العالم يحشران انفسهم فيها فاذا بنا نرى احدهما يؤيد طرفا و الاخر يؤيد الطرف الثاني سواء كانت لهما مصلحة مباشرة في هذا الصراع او لم تكن, ونتذكر جميعنا كيف كانت واشنطن تدعم كل انتفاضة تحدث  في اوربا الشرقية ضد سيطرة الشيوعيين طبعا بحجة دعم نضال الشعوب ضد الدكتاتورية و التسلط الشيوعي, في حين دعمت موسكو كل من ناوئ امريكا في قارات العالم الثالث بحجة دعم الشعوب ضد الرأسمالية و الاستعمار الجديد !! و قد تغير هذا الوضع عندما اصطف العالم  بكل قواه  ضد الاجتياح العراقي الفظ لجارته الصغيرة الكويت في 1990 , لكن الاوضاع بدات بالتغير شيئا فشيئا, مع استعادة روسيا لعافيتها المالية ومع كل تراجع للاليات الديمقراطية الحقيقية , و نمو مضطرد لديموقراطية المافيات و عرابها الجديد القيصر في موسكو فلاديمير بوتين و في السنتين الاخيرتين راينا تطورات اكثر عنفا و عدوانية حتى مما كانت تفعله اجهزة الاتحاد السوفيتي سواء من خلال التلاعب بالانتخابات الديمقراطية لكثير من دول الغرب  (بما فيها الولايات المتحدة ) و دعم علني لدكتاتوريات متسلطة ( كما في سوريا ) ومحاربة وصلت حد الحصار والتجويع والتحريض على التقسيم ( كما في حالة اوكرانيا ) او اغتيال المنشقين في قلب عواصم الغرب ( كما في حالة سكريبال في لندن ) وغيرها لكن ماحدث في فنزويلا قبل ايام مثل مظهرا جديدا من مظاهر الحرب الباردة الجديدة التي يبدو انها بدات من جديد بين موسكو و الغرب (سوى ان الغرب الان ليس في افضل حالاته ابدا لمواجهة مثل هذه الحرب كما كان عليه الحال عقب الحرب العالمية الثانية ) فما هي قصة فنزويلا ومادورو رئيس برلمانه غوايدو؟ بدأ مادورو حياته سائقا لباص (من مواليد 1962 ) ثم انغمس  في العمل النقابي ولم ينل شهادة الاعدادية كما عمل بصفة حماية شخصية لاحد مرشحي الرئاسة في 1982 ، اقام في كوبا في العشرينات من عمره كاحد افراد الملشيات اليسارية في امريكا اللاتينية و درس الشيوعية هناك بدورات  متخصصة و يقال انه جند للعمل في المخابرات الكوبية ، انضم لحركة شافيز (الرئيس السابق) المسماة الحركة البوليفارية الثورية 200 (نسبة الى سيمون بوليفار الزعيم التاريخي في امريكا اللاتينية  )  MBR-200 )   ) في التسعينات وشارك في مظاهرات المطالبة باطلاق سراح شافيز بعد اعتقاله اثر محاولته الفاشلة للانقلاب في 1992 وساهم بتاسيس حركة ( الجمهورية الخامسة ) التي دعمت وصول شافيز السلطة في 1998 و انتخب للبرلمان كعضو ثم رئيسا في 2005 قبل ان يعينه شافيز وزيرا للخارجية عام 2006 , و يقول الصحفي الايرلندي رودي كارول في جريدة الغارديان البريطانية ان مادورو لم يكن يجيد اي لغة اجنبية حينما تم تعيينه وزيرا للخارجية !! و بالطبع فقد ساهم في تحويل السياسة الخارجية لبلده بالاتجاه اليساري الذي لطالما امن به رئيسه ، في 2011 قرر شافيز ان مادورو هو من سيخلفه في الرئاسة بعد ان علم باصابته بالسرطان وبعد ان ضمن مادورو تأييد بقية رجال شافيز الاقوياء (  مثل تشاكون رجل الجيش الذي عين عام 2013 كوزير للكهرباء ثم ابعد في 2015 كسفير في النمسا و رودريغز الذي كان نائبا لشافيز 2008 – 2007 و الذي اقاله بسبب فشله في حملة تعديلات الدستور  ) وتم تعيين مادورو نائبا للرئيس في 2012 وتولى الرئاسة بعد وفاة شافيز في اذار 2013 ورغم فوزه الضعيف على منافسه ( 1.5% فقط ) و التشكيك بصحة الارقام الا انه اعلن رسميا كرئيس في نيسان و منذ بداية حكمه لجا مادورو الى حكم الطوارئ و الذي كان يمدد له كل ستة اشهر حتى الان و استمر مادورو على نفس سياسات سلفه التي ادت لاسوأ ازمة اقتصادية في تاريخ البلاد و ارتفاع معدلات الجريمة الى مستويات عليا كما بدات سياسة قمع المعارضة و اعتقالها و الضغط على الصحافة و يقول الخبير السياسي شانون كي اونيل ( ان مادورو استمر بل و سرّع من السياسات السلطوية و التوتالية لشافيز ) و هاجم مادورو ما اسماها بالقوى الراسمالية محملا اياها فشل سياساته الاقتصادية و اصبحت فنزويلا متربعة على مؤشر البؤس منذ عام 2013 حتى الان , و فيما يخص سياسته الخارجية بدات فنزويلا في استمرار سياسة مهاجمة الغرب و الولايات المحدة التي دأب عليها سلفه في 2015 اصدر الرئيس اوباما امرا تنفيذيا لفرض عقوبات على سبعة مسئولين من فنزويلا بتهمة انتهاك حقوق الانسان مؤكدة ان فنزويلا اصبحت تمثل تهديدا غير سبوق للامن القومي و السياسة الخارجية الامريكية , وطبعا لم يثن هذا مادورو عن مزيد من الشعارات و الهتافات و السياسات الاكثر توغلا في الشعبوية و اليساروية , وقد قامت شكوك قوية حول اصول مادورو و فيما اذا كان فنزوليا او كولومبيا ( على اساس ان امه كانت كولومبية ويقال انه ولد وترعرع في مدينة كولومبية حدودية ) لان القانون الفنزولي يشترط في الترشح للرئاسة ان يكون فنزويليا بالولادة وليس بالجنسية فقط لا سيما وانه غير اقواله اكثر من مرة فيما خص مدينة ولادته و مسقط راسه وظلت هذه القضية تتفاعل حتى الان وسط جهود محمومة لاخفاء الحقائق من جانب مادورو و اركان نظامه, و يبدو ان الرجل و نظامه يعيشون على ايقاع الدراما و المؤامرات حيث ادعى تلفزيون فنزويلا في احد المرات ان مادورو تلقى في عام 2015 لوحدها 13مليون هجوم نفسي !!! حتى انه عندما ادعى وجود مؤامرة امريكية لقلب نظام حكمه في 2015 لم يصدق هذا الادعاء سوى 15% فقط من الشعب حسب راي الخبيرة الفنزويلية ايزابيلا بيكون, واعاد نفس الاتهام في العام التالي متهما هذه المرة منظمة الدول الامريكية ناعتا رئيسها (الاوروغواني لويس الماجرو ) بالخائن !! و بانه عميل المخابرات الامريكية !!! وهدد ابن مادورو (نيكولاس مادورو غويرا 28 سنة) باحتلال نيويورك و البيت الابيض !! و في اواخر شهر ايار 2018 نشر خبراء مستقلون وبتكليف من منظمة الدول الامريكية تقريرا مسهبا من 400 صفحة لتعداد جرائم النظام ضد الانسانية وبان مادورو شخصيا مسئول عن عشرات الجرائم و حوالي 1200 حالة اعتقال تعسفي واكثر من 290  حالة تعذيب و غيرها من الانتهاكات, و قد كشفت الاحكام الصادرة على اثنين من اولاد اخت مادورو بالسجن في الولايات المتحدة عن حجم صلات اسرة مادورو بكارتلات المخدرات و التي تمول من الحملات الانتخابية لخالهم !! وقد دافع عنهم الرئيس قائلا بان ما حصل لهما هو عمل  من اعمال ( التسلط الامبريالي ) !!  بالاضافة الى تكشف عمليات غسيل اموال عصابات السلاح والمخدرات في فنزويلا بموافقة الرئيس و اعوانه !! مما ادى الى توقيع مكتب سيطرة الاصول الاجنبية (OFAC)  الامريكي لعقوبات على ديوس دادو كابيلو (احد اتباع شافيز القدامى ورئيس برلمانه و احد اهم اعضاء حزب مادورو حاليا ) بالاشتراك مع نائب مادورو طارق العيسمي (من اصول لبنانية وخدم كوزير للصناعة و الموارد الطبيعية ) ودأب مادورو على  شتم خصومه السياسيين بالفاظ مهينة جنسيا و تلميحات غير لائقة , و عندما نشات لجنة (CLAP) لتوفير الغذاء للفئات المسحوقة في فنزويلا ( والتي زادت في عهد مادورو وسلفه ) فانه منح  حق التعاقد معها حصريا لمجموعة تجارية مكسيكية اسمها (غروب غراند لمتد) اتضح انها مملوكة لمادورو نفسه من خلال وكلاء وهميين بعد ان ادينت من قبل المدعي العام المكسيكي الذي كشف عن قيامها بشراء موارد من مصادر رديئة و رخيصة لتبيعها للحكومة الفنزويلية باغلى الاسعار التي تذهب لاثراء مادورو و بطانته , ولم يكن مادورو يخجل ابدا من تصوير نفسه و بطانته وهم ياكلون ما لذ و طاب او يذهبون خصيصا لزيارة مطاعم كبرى مشهورة عالميا كمطعم الطباخ التركي نصرت غوكتشي الفاخر فيما الشعب يتضور جوعا او يقوم ابنه بحضور حفلات الزفاف الفاخرة لرجال الاعمال الفنزويليين الفاسدين علنا و الذين اثروا باموال الفساد التي سحقت الشعب سحقا مثل حفل زفاف الملياردير خوسي زالت في افخم فنادق كراكاس العاصمة ، و يقول محرر الواشنطن بوست جاكسون ديل بان الحزب الحاكم الفنزويلي يعتبر واحد من اكبر كارتلات المخدرات في العالم !! كما تؤكد صحيفة وول ستريت جورنال ان كارتل المخدرات  الكولمبي الشهير قد انتقل للعمل في فنزويلا برعاية الدولة بعد الضغوط التي تعرض لها في موطنه الاصلي, كما وصفت وزارة العدل الامريكية الحكومة  و الجيش في فنزويلا بانها منظمات اجرامية جنائية عادية, ويؤكد موقع (ınsıght crıme) المتخصص بمتابعة معلومات الجريمة المنظمة بان السبب الاساسي لانهيار الاقتصاد الفنزويلي عائد لممارسات الكليبتو قراطية الحاكمة (الحكم المافيوي ) واكدت انه ما بين منتصف العقد الاول الى منتصف العقد الثاني من القرن 21 اختفى ما يقارب ال 300 مليار دولار من خزينة البلاد !! بينما تبخر حوالي 11 مليار دولار اخرى من 2004 – 2014 من واردات شركة النفط الفنزولية الحكومية (PDVSA) و ظهر مصطلح بوليبورجوازية (Boliburguesia) وهي دمج بين كلمتي برجوازية واسم الحزب الحاكم البوليفاري في فنزويلا  و الذي صاغه الصحفي خوان كارلوس زاباتا للتعبير عن الطبقة التي ظهرت ايام شافيز و اسستمرت خلال حكم خلفه مادورو بكل فسادها و تجارتها بالشعارات اليساروية في نفس الوقت !! كما ادت ادارة المؤسسات الحكومية التي تتصف بالمحسوبية و الزبائنية الى انهيار اهم مؤسسات الحكومة فقد تضاعف عدد موضفي شركة (PDVSA)الى اكثر من 120,000 موظف من الموالين لمادورو رغم انعدام الكفاءة لديهم حيث خيّر وزير النفط روفائيل راميرز موظفي و عمال الشركة بين تأييد الرئيس او فقدان وظائفهم قائلا (شركتنا حمراء من القاع الى القمة !! ) و اضاف ( ان كل العمال يجب ان يدعموا الثورة !! ومن لا يدعمها عليه ان يرحل الى امريكا !! ) وكان مادورو ( مثل سلفه ) اذا ماخسسر احد مرشحيه في الانتخابات المحلية يعطيه لقب (الحامي) وهو لقب غير دستوري , ويبدأ بتمويله للتصرف كحاكم او محافظ رغم خسارته وعلى الضد من المسؤولين المنتخبين !! ..وفي الرابع من اب  2018 هاجمت طائرتان مسيرتان محملتان بالمتفجرات الرئيس مادورو في استعراض الحرس الوطني البوليفاري في العاصمة كاراكاس دون ان ينتج عن هذا الهجوم شئ , واتهم مادورو حكومة كولومبيا بتدبير الحادث كما اتهم بها ايضا زعماء المعارضة امثال خوليو بورغيس و خوان ريكوسنس دون تقديم ادلة وتم القاء القبض على بورغيس رغم حصانته كنائب ، فيما اتهم بورغيس من جهته مادورو بافتعال الحادثة لتبرير قمعه للمعارضة, كان هذا هو المشهد حتى ظهور غوايدو الذي قلب الطاولة على مادورو ونظامه وادخل بلده في اول اختبارات الحرب الباردة الجديدة, فمن هو الشاب ابن ال36 سنة و  ماذا فعل ؟ هذا ما سنعرفه في مقالة قادمة.