رئيس جمهورية العراق وآفاق الإصلاح في العملية السياسية

د. عبد الناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
   من خلال عملي في الإدارة بين عامي 2009-2011 تعرفت على أغلب الشخصيات السياسية العراقية الكبيرة، ويقينا تتباين هذه الشخصيات من حيث رؤيتها ومستوى تفكيرها وعملها كما تختلف في سعيها لأداء واجباتها، قد تكون المعرفة التفصيلية مطلوبة لتشخيص دقيق لقيادي سياسي كون الحكم على الشيء فرع من تصوره، إلا إن تجارب الحياة في أحيان كثيرة تسعف في استبيان الملامح العامة من خلال لقاء أو عدة لقاءات مع هذه الشخصيات التي كان لها شأن كبير في العملية السياسية يومذاك ولا تزال، في هذه الكلمات سنتناول شخصية تعد من الأهمية بمكان بحيث ممكن أن تسهم بفاعلية في عملية الإصلاح السياسي في بلد تعرض لأزمات كبيرة وحادة راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء.
     في البداية لا بد من القول إن السلطة التنفيذية وخاصة في مستوياتها العليا المتمثلة بشخص فخامة رئيس الجمهورية برهم صالح ودولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تعد اليوم فرصة للعراقيين في آمالهم وسعيهم لإصلاح المنظومة السياسية والعملية السياسية على الرغم من خوض هذه السلطة في بحر متلاطم من الإشكالات التي صحبت العملية السياسية وهيمنة المشروع الطائفي والإثني عليها من قبل بنسب متفاوتة، وكذلك يمكننا القول بكون الانتخابات البرلمانية في 2018 كانت أسوأ انتخابات من حيث المشاركة وشبهات التلاعب والتزوير التي شهدتها ومع ذلك فإن مخرجاتها لم تكن تقليدية بل كان فيها تياران متصارعان أحدهما راديكالي يمثل المنظومة القديمة والآخر إصلاحي يمثل توجه الشارع العراقي الرافض للفساد والمطالب للإصلاح وبالتالي فإن مخرجات اتفاق التيارين كان صالح وعادل في المحصلة النهائية.
     شخصية الدكتور برهم صالح متميزة في أبعاد كثيرة، ولها من تراكم الخبرة ما يسعفها في أدائها لواجباتها في أعلى موقع تنفيذي في العراق، وفي إمكان الشعب العراقي بمختلف تياراته وتوجهاته التعويل عليها في إسناد التوجه الإصلاحي للسيد عادل عبد المهدي بصرف النظر عن مخرجات كابينته الوزارية التي تعرقلت كثيرا بسبب التدافعات السياسية بين التيارين المهيمنين على مجلس النواب العراقي في دورته الرابعة، تذكرني في ملامح كثيرة منها بشخصية المرحوم الرئيس الأسبق مام جلال الذي كان له الأثر الكبير في توازن كفة السياسات المتطرفة للمشروع السياسي الحاكم من قبل، يقينا المغفور له مام جلال عرقل الهيمنة التامة للمشروع الحاكم يومها في توجهه الأحادي، وعلى الرغم من هيمنته فيما بعد إلا أن جهد الرئيس الراحل مام جلال يحسب له، واليوم ومنذ الأشهر الأولى لتولي الدكتور برهم المنصب يسعى لأن يكون رقما صعبا في المعادلة للسلطة التنفيذية، وكي يكون قادرا مؤثرا لا بد له من استكمال خطواته في أداء مهامه الرئيسة خاصة في حماية تنفيذ الدستور.
      واحدة من أهم الإشكاليات التي اتسمت بها المرحلة السابقة لولاية السيد العبادي وحتى في ولاية العبادي كانت في تعطيل الدستور، والجهة الأكثر تعطيلا للدستور هي الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع الدستور بمعيارية مزدوجة، فالمواد التي تخدم مصالحها وتوافق رؤيتها تعمل بها، والمواد التي تضيق على أهوائها أو تفلتر أدائها تعطله، كما هو الحال مع غياب مجلس الاتحاد حسب المادة 65 وهو لم يسن لحد الان رغم اهميته – وهو عبارة عن فلتر يدقق ويصفي ويصيغ القوانين الصادرة من مجلس النواب بشكل صحيح- ويتكون من عناصر كفؤة ولها خبرة في مجال القانون. والمدة التي شهدت تعطيل متعسف للدستور والقوانين النافذة التي ترتكز عليه هي مدة ولاية الجعفري وولايتي المالكي المتعاقبتين، خاصة في ملف حقوق الإنسان، فقد عطلت الدستور في ملف حقوق الإنسان بشكل سافر في أداء وزارة الداخلية وانتشار السجون السرية وتعذيب المعتقلين الأبرياء.
    صلاحية رئاسة الجمهورية بحسب الدستور العراقي كبيرة وتنفيذية ويشير الدستور في المادة 66 تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية، من رئيس الجمهورية، ومجلس الوزراء، تمارس صلاحياتها وفقاً للدستور والقانون. وفي المادة 67 رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة أراضيه، وفقاً لأحكام الدستور. لذا يتمكن الدكتور برهم من تفعيل جميع المواد الدستورية المعطلة ليصل إلى ما قاله في الكلمة التي ألقاها في مؤتمر (حوارات المتوسط) عصر الخميس 22/11/2018: إن إنهاء الأزمات التي يعاني منها العراق يتطلب أيضاً إعادة بناء النظام السياسي الحالي لاستعادة ثقة المواطنين في الحكومة. اصلاح النظام يجب أن يتم على أساس حماية الدستور، والدولة المدنية التي تعزز القيم المدنية، وتدعم دور المرأة وحقوقها، وتضمن الالتزام بحقوق الإنسان.
  ونتلمس رؤيته للتغيير والإصلاح في سياق الكلمة ذاتها قوله؛ وأجرؤ على القول إن هناك الآن فرصة لإعادة توجيه مسار العراق ودفع البلاد نحو الرخاء والاستقرار. وسيتطلب ذلك الشروع في إصلاحات داخلية أساسية، سياسية واقتصادية على السواء. وعلى هذا النحو فإن العراق بحاجة إلى حوار داخلي لمعالجة الثغرات الهيكلية الكامنة في جوهر النظام السياسي ما بعد عام 2003. العراقيون ساخطون لطول أمد الصراع والفشل في تقديم الخدمات. إن إعادة الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء، وإعادة إعمار المناطق المدمرة من خلال الحرب مع داعش، وإعادة النازحين إلى ديارهم يمثل تحديًا ملحًا. الفساد وإساءة استخدام الأموال العامة يقوضان قابلية الدولة العراقية للحياة ويعززان دائرة الصراع والإرهاب. وهنا من الضروري أن يجفف مستنقع الفساد.
 ويستمر في قوله؛ ومن أهم التحديات التي تواجه العراق اليوم هو الإصلاح الاقتصادي وتجديده. يتمتع العراق بموارد طبيعية هائلة ومياه وأراضٍ خصبة، وموقع جغرافي- سياسي لا غنى عنه، يمكن أن يصبح محور التجارة الإقليمية والتكامل الاقتصادي. بعد عقود من الحرب، والعقوبات، والصراعات، وسوء الإدارة الاقتصادية، والفساد، تحول العراق ليصبح دولة ريعية بالكامل. وهذا لا يمكن تحمله – نحن اليوم 38 مليون نسمة، ونزيد بمعدل مليون انسان في كل عام – البطالة بين الشباب متفشية – وهذا تحدّ كبير في مجال الأمن والتنمية الاجتماعية.
    ويدعم في كلمته رئيس مجلس الوزراء الذي عرف به في معرض كلامه؛ تسعى الحكومة الجديدة بقيادة عادل عبد المهدي، وهو إصلاحي براجماتي وخبير اقتصادي، إلى تنفيذ خطة طموحة لإعادة الهيكلة الاقتصادية، تقوم على تمكين القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار. تعتمد وحدة العراق وأمنه بشكل حاسم على تعزيز روابط البنية التحتية داخل العراق ومع دول الجوار. هذا أمر ضروري جدا لتماسك البلاد معا وتعزيز المصالح المشتركة مع الجيران وضمان فرص عمل لشبابنا.
ويؤكد في توصيفه لما يتعين عليه أن يكون العراق؛ ولكي ينجح العراق ويستقر، فإنه يتطلب نظاماً إقليمياً يمكنه الاستناد اليه لاستقراره، لقد كان العراق مجالاً لصراعات القوى الإقليمية – التنافس على العراق، وداخل العراق بين الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية التي عمقت الأزمة العراقية. على مدى الأربعين سنة الماضية، كان العراق ينتقل من حرب إلى حرب، وعقوبات، وهجمة إرهابية، وحُكم عليه بالانتقال من أزمة الى أزمة. هذا يجب أن ينتهي.
لقد حان الوقت لتحويل الاستقرار والازدهار في العراق إلى مصلحة مشتركة لجواره. العراق بلد مهم في العالم العربي – هذا المرتكز العربي للعراق مهم وحيوي لنا اقتصاديا وسياسيا، ونحن نؤكد تطوير علاقاتنا مع جيراننا العرب والخليجيين بشكل كامل.
    فيما تقدم من مقتطفات من كلمة الدكتور برهم صالح نتلمس رؤية واضح للإصلاح مبنية على تشخيص دقيق للواقع العراقي بشكل عام والواقع السياسي والاقتصادي بشكل خاص، ولا ريب أن التحديات التي تواجه الدكتور برهم صالح كبيرة ومعقدة وشائكة وتحتاج إلى حكمة وحنكة سياسية للتعامل معها وتوظيفها كي تكون مخرجاتها تصب في صالح العراق والعراقيين على حد سواء، ونعتقد جازمين أنه سيكون ظهيرا قويا يسند توجهات السيد عادل عبد المهدي الإصلاحية لكونه يشاطره الرؤية ويشاركه في العديد من السمات العامة والصفات القيادية التي يحتاجها الواقع العراقي اليوم وتحتاجها الساحة السياسية الواقعية.
     إن حكمة الدكتور صالح وحنكته السياسية ستعيد تأطير المواقف السياسية المعقدة بين الأحلاف والفرقاء على حد سواء، فهو يتمتع بعلاقة طيبة مع الجميع فضلا عن تميزه بعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، وإن واقعيته ستسعفه لبناء علاقة للعراق والعراقيين مع محوره الإقليمي والدولي على أساس المصالح المتبادلة بين الدول لا على أساس الولاء والتبعية لمنظومة محددة أو محور محدد يستهدف محور مقابل، بل سيسعى صالح لتحقيق مصالح العراق وفقا لجهوده الداعمة لاستقلال وسيادة العراق ولو بشكل مقبول واقعيا، كون العراق اليوم يشهد نفوذا إقليميا ودوليا متزايدا، وبات الشارع العراقي يصنف السياسيين على أساس ولائهم لهذا المشروع الإقليمي أو ذاك الموقف الدولي، نأمل نحن العراقيين بحكم رشيد يتعامل على أساس المواطنة والحياة الحرة الكريمة لجميع العراقيين.
     إن كان لنا نحن العراقيين نصيب من صلاح صالح وعدل عادل فإن الأمل معقود بنواصيهم، وعليهم يعول أبناء العراق في تحريك ملف الحريات وحقوق الإنسان والنازحين والمهجرين وإعادة الإعمار وغيرها من الملفات التي تمثل تحديا حقيقيا للحكومة الجديدة برئاسة السيد عادل عبد المهدي، وإسناد الرئيس برهم صالح الذي بدأ تحركه من الساعات الأولى من تسنمه منصب رئاسة الجمهورية، ليرسل رسالة مفادها أننا تولينا هذا الأمر من أجلكم أيها العراقيين ومن أجل تغيير المسار الخاطئ للحكومات المتعاقبة التي ورثت العراق من البلاء والوباء ما لا يحتمله العراق والعراقيون، ونحن اليوم نضع إصلاح العملية السياسية في مرتجى آمالنا ومحط أنظارنا، وبصالح وعادل ينعقد الأمل ويربو الرجاء، وبالله التوفيق والسداد ومنا يعلوا الدعاء.