هل هناك “دولة عميقة” في العراق؟

مجاهد الطائي
كثر الحديث مؤخراً عن وجود “دولة عميقة” في العراق تعمل خلف الأضواء وتعيق الحلول المطروحة والإصلاح من قبل بعض الكتل والسياسيين والأحزاب كما يدعون، لكن ما هي الدولة العميقة ؟ وهل هناك دولة عميقة فعلياً في العراق؟ وهل هناك دولة أساسا في العراق ليكون هناك دولة عميقة تعمل خلفها ؟ وإن وجدت فمن الأقوى ؟ وهل يصح أن نصف منظومات اللادولة “الميليشيات وداعش” بأنها دولة عميقة؟
يشير مفهوم “الدولة العميقة” إلى: “مجموع التحالفات القوية النافذة في مؤسسات الدولة والمناهضة لتغيير الوضع القائم ،وهي شبكة من المصالح المتشابكة والمترابطة من التحالفات تعمل لهدف مشترك واحد وهو الدفاع عن مصالحهم وأمتيازاتهم خارج إطار القانون وتدخل في مجالات متعددة وواسعة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وإعلامية.
مبدئياً ،لا يوجد في العراق دولة إنما هناك محاولة لبناء دولة وهناك سلطة فقط “مركزية وضعيفة” ، ولا يوجد في العراق “أمة” تسعى إلى كيان دولة إنما هناك هويّات فرعية متصارعة على السلطة ، وليس هناك نظام سياسي مستقر في العراق إنما نظام يعاني جميع أزمات النظم السياسية ،وليس هناك مؤسسات رصينة وقوية إنما مؤسسات هشة وضعيفة ينخرها الفساد ، وليس هناك دستور محترم في العراق إنما دستور يُعامل معاملة “قائمة الطعام” تختار الكتل والأحزاب من بينه ما يشاؤون وما ينفعهم، وليس هناك قانون يُطبق على الجميع ، إنما يطبق على الضعيف والفقير فقط.
لذا ،ليس هناك دولة عميقة في العراق إنما دولة سطحية وحكومة ضعيفة تتلاعب بها الأحزاب الشخصيات والميليشيات المتنفذة ، هذه القوى لا تعمل مثل جماعات الضغط المشروعة في الأنظة الديمقراطية كما موجود في أمريكا وأوربا إنما تعمل بوسائل مشروعة وغير مشروعة وهي معروفة الصلات والروابط وليست خفية كما في الديمقراطيات العريقة، فمعظم المطلعين يعلمون من هي الجهات التي تقوم بالأعمال الغير مشروعة والتي تصل إلى تنفيذ اغيالات ضد خصومها بوضح النهار كما حصل مع العلماء والخبراء العراقيين أو التفجيرات في سامراء أو تدمير الموصل أو تسليمها لداعش وإخراج المتطرفين من السجون. فهي “منظومات لادولة” متطرفة تعمل بغطاء وشرعية “فتوى دينية أو محاربة داعش أو بسند قانوني ليس عليه إجماع أو باسم الجهاد أو تهديد الوجود الأمريكي”
فمصطلح “الدولة العميقة” عراقيا ، يقصد به “صناعة النفوذ” لشخصيات وأحزاب وميليشيات أغلبها مرتبط بإيران ويعمل معها لمصلحته الشخصية ولإيران وهما ضد مصلحة العراق بالضرورة ، ولا يقتصر ذلك على الفاعل السياسي الشيعي فقط إنما الفاعل السياسي السني والكردي وبعض الأقليات ومن جميع التوجهات التي تبدو متناقضة ، لكن توحدها المصالح الضيقة والتي لها أذرع واسعة وتدخل في جميع المجالات.
إن أغلب المسؤولين في العراق يعملون عند وصولهم إلى المنصب الجديد يقوم بصناعة “لوبي” في المؤسسة التي يشغلها ويقوم بتحويلها إلى مؤسسة تابعة له بشكل أو بآخر ويقوم بتشكيل اللوبي عائليا أو عشائريا أو حزبيا أو طائفيا أو مصلحيا وقد نجح رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” نجاحا كبيرا بصناعة هكذا نفوذ في مؤسسات الدولة الرخوة طوال فترة حكمه التي أمتدت لـ8 سنوات إذ بقي على صلة بالكثير من الشخصيات الحزبية والطائفية في مؤسسات الدولة وربما يعتبر المالكي أول من بدأ بصناعة النفوذ في العراق باستغلال المنصب.
إن الميليشيات من خلال ممارساتها تؤكد كل يوم بأنها فوق الحكومة وفوق الوطن وفوق القانون والدستور ، فهي تكوّن أجهزة رديفة لأجهزة الأمن العراقية وتربطها شكلياً بالمؤسسات الأمنية لتحصل على الغطاء القانوني ، كما تكوّن لافتات حزابية وتشارك في الانتخابات وتزورها وتحصل على مقاعد برلمانية ،وتؤسس شركات ومكاتب اقتصادية وتأخذ حصص من الاستثمارات وحصص من المسثمرين كأتاوات ،كما دخلت المجال الرياضي. كما وتعمل في تجارة النفط والمخدرات والسلاح والمعتقلين والنازحين والآثار وتسيطر على العديد من المنافذ الحدودية مع إيران وتهرب ما تراه مناسباً للطرفين وتساعد إيران في تجاوز العقوبات بتهريب العملة والنفط وحماية الفاسدين الذين يضرون بالاقتصاد العراقي. إن منظومات اللادولة في العراق “الميليشيات” أصبحت بطاقة “الجوكر” بيد إيران فهي كالطماطم تدخل في جميع الطبخات السياسية والعسكرية والاقتصادية ولا يستطيع أحد مواجهتها أو وضع حد لها لإرتباطها بفيلق القدس الإيراني ورئيسه “قاسم سليماني”
في العراق هناك “لادولة عميقة” من الميليشيات والأحزاب وهي إحدى مخرجات البناء العراقي الجديد بعد 2003 بكل ما يحمل من ثغرات وفجوات وهشاشة، بالإضافة للتدخل الإيراني والدفع بالمحافظة على الوضع القائم الذي يخدم إيران بالدرجة الأساس والمتحالفين معها ، فالعراق بالنسبة لإيران ساحة معركة وسوق تصريف لمشاكلها وأزماتها وبضائعها ومنتجاتها فلا تقبل أن يكون العراق قوياً أبدأ لأنه متى ما كان قويا ستكون هي ضعيفة والعكس صحيح ؛لمكانته الجيوسياسية المهمة؛ لذا تعمل بشكل دائم على إضعافه. من جهة أخرى هناك علاقة عكسية بين الدولة ومؤسساتها وبين منظومات اللادولة ، فكلما ضعفت الدولة قويت منظومات اللادولة والعكس صحيح، ولا تقوى الدولة إلا بالديمقراطية الحقيقية ومحاربة الفساد وبناء مشروع وطني جامع وتطبيق القانون واحترام الدستور والتمسك بالشفافية والمحاسبة فهذا من شأنه أن يضعف منظومات اللادولة ، فهذه المنظومات لا تقوم بأي عمل إيجابي أبداً سوى القيام بالأعمال السلبية كوضع العراقيل بوجه أي طموح للإصلاح وإجهاض أي محاولة تضر بمصالحم أو وضع فيتو على مرشح وطني من الممكن أن يضر بمصالح إيران.
أخيراً ، وصفت الدولة العميقة في تركيا أولا وأمريكا ومصر وباكستان لأعتبارات عدة وهذه الدول غالبا ما تكون فيها مؤسسات ذات أعمار طويلة وقد عشعشت فيها فكرة الدولة العميقة وشبكاتهم داخل وظائف الدولة وأصبحت فعليا ذات خبرة وتأثير كبيرين وتحتاج مراحل وسنوات طويلة لتحجيمهم أو تقليص تأثيرهم ، أما في العراق فقد هدمت مؤسسات الدولة ككل بعد 2003 وأعيد بناؤها على أسس هدامة طائفية ومحاصصة فلم تبنى دولة ولا مؤسسات من شأنها أن تسمح ببناء دولة عميقة خلالها لكن هناك منظومات لادولة عميقة.