الفيدرالية .. الامل القادم!

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
        من النظريات المحتملة في شكل النظام الفيدرالي في العراق انه لا يؤسس على اسباب قائمة على تبريرات طائفية أو عنصرية أو جغرافية .. وانما يؤسس على حقيقة ان المجتمع العراقي يجب ان تكون له الفيدرالية ضرورة ويصل اليها من خلال جسر من الحقائق تتعلق بالارض والانسان والعلاقات بين المجتمعات المحلية المختلفة.
لكن يبدو ان تهييج المشاعر الطائفية بين المجتمع المحلي والدولي من خلال التركيز على عقد الماضي أصل عند الفئة الحاكمة في العراق اليوم، بحيث أصبحت ممارسة السلطة خاضعة لقيود ذاتية وشخصية ومذهبية، وليست خاضعة للدستور والقوانين والطبيعة البشرية.
والمشروع الفيدرالي المقترح للعراق والمدون في مواد مسودة الدستور، يعطي نقاشاً مستفيضاً، من بينها مقولات أهل الاختصاص في القانون والدستور والسياسة، مع تعليقات يسيرة تعريفة في مواضعها، حول قضية الطائفية، وهل كان النظام السابق نظاماً طائفياً ؟ او الربط بين النظام السابق والسنة، وهل الفيدرالية ستنشئ نظاما طائفيا ومتعصبا باتجاه الشيعة ولأسباب مذهبية، وهل ان اليقظة السنية المعاصرة في العراق نحو الطائفية تمثل النشاط الإسلامي السني العام.
ان ما وقع على السنة من الظلم والتهميش والاقصاء والاجتثاث والقتل والتهجير والتغيير الديمغرافي والفساد والتمييز لم يشبه بما وقع على اية طائفة في العراق في العصر الحديث، وما حدث لهم لم يكن يعبر عن صراع مجتمعي محلي فحسب وانما اجتمعت معه عوامل دولية واقليمية زاد من حدة الصراع وامتد ليشمل سوريا المجاورة ولبنان وحتى اليمن.
ولا يمكن لنا ان ننكر في هذا الصدد وقوع بعض الحلقات الطائفية أو الانحياز المذهبي او العنصري من قبل المسؤولين في الدولة ايضا أو حدوث بعض الافعال ولاسباب بحسب طبيعة الصراع ومنطقته المعقدة والمتداخلة مرة لمصلحة أهل السنة واخرى لمصلحة الشيعة وبحسب مناطق النفوذ المذهبي في المناطق المختلطة، إلا أن ذلك كله لا يبرر استخدام النظام للطائفية أو اعتماده الأسلوب الطائفي في الحكم !
كانت مقاومة الاحتلال وهي اهم الاسباب لنشوء الطائفية في العراق محصورة في البداية، وقد بدأت في المنطقة المعروفة بالمثلث السني، وهذه المنطقة معروفة بولائها للنظام السابق، طيلة فترة الحكم الوطني، وبالتالي فإن هيكل النظام الأساسي للمقاومة كان من السنة ولم يكن من الشيعة، وذلك ادى الى طائفية الحكم في بغداد، حين تخلى السنة عن الحكم لاجل المقاومة، وتخلت الشيعة عن المقاومة لاجل الحكم.
فالمؤسسة السنية وجماهيرها بشكل عام كانت تعارض النظام السياسي الذي اقيم بعد الاحتلال وانتشرت بقوة مقولة ما بني على باطل فهو باطل، إلا أن هذه المؤسسة أدركت ومنذ البداية بعجزها عن الإطاحة بالعملية السياسية الا من خلال تقسيم البلد.
 ويمكن القول بان اغلب المقاومة السنية كان هدفها طرد الاحتلال، وبعض فصائلها كانت لا تمت إلى النظام السابق باي صلة، وكانت لا تهدف إلى إعادته إلى السلطة، واهم شيء ان هذه المقاومة لم يكن لديها وحتى الان اي فكرة او خطة او برنامج لتاسيس نظام جديد او تصور معقول لشكل الدولة في العراق بعد خروج الاحتلال، وهذا هو الإطار العام للموضوع.
 في المقابل، كانت الشيعة، قد دأبت ومنذ بداية سقوط النظام على ابراز وصعود معالم الهوية الشيعية، لتكوين وتاسيس التمثيل السياسي المناسب لهم في العملية السياسية وتشكيل الأحزاب والجمعيات الخيرية، وابراز دور المرجعية في النجف من خلال الدعوة والحث على ممارسة الطقوس المذهبية وبصورة دورية وبدون انقطاع تكاد تكون اسبوعية وعلى مدار العام الواحد.
 وبالتالي حدثت العزلة المذهبية الرهيبة بين السنة والشيعة لاسيما بعد الانتخابات الاولى واقرار الدستور الحالي، واعدام صدام، وبعد تفجير سامراء، وازدادت معدلات الأزمات السياسية بينهما، مما جعل الطرفان يتهم الاخر بتسييس الدين او التكفير، او العمالة للخارج الأمر الذي لم ولن يصب بمصلحة الطرفين طوال تلك السنوات، بل ادى الى ضعف النظام السياسي وانكشاف اجزائه، وزاده تعقيدا الفساد الذي انتشر بين طبقته السياسية.
 الشيعة بما يمثلوه من تركيبة سكانية واجتماعية، ومن خلال علاقتهم مع إيران وانفتاحهم العقائدي والعسكري والاقتصادي والسياسي، جعلتهم اقرب الى تولي نظرية الامامة الشيعية الاصولية وهي ولاية الفقيه بنسختها العراقية، وهذه النقطة دليل على انغلاق النظام السياسي الشيعي وعدم انفتاحه مع الاخر، واقصد هنا السنة والكرد، وهو دليل ايضا على طائفيته.
بينما السنة العرب فعائلاتهم ضعيفة التدين غالباً، وهم بمعظمهم قد انحدروا من أصول سنية ومن عائلات سنية فقدت انتماءها القديم للدولة وصارت من أهــل السنة، وعامة هؤلاء اصبحوا اليوم وبعد ما حل بهم من كوارث ومصائب من دفعهم لضريبة مقاومة الاحتلال والى مظاهر الاعتصامات والى الارهاب، لا يقيمون وزنا للشريعة الإسلامية، فضلا عن المذهب أو الطائفة، بل انتشر الالحاد بين شبابهم بصورة ملفتة وكبيرة.
وبالتالي اصبحت القاعدة الشعبية وهي اداة من الأدوات الأساسية لاي نظام هيكلي سياسي يظهر بشكل قوي، ويعتمد عليه النظام في بناء البلد وفي الأزمات، واضحا وقويا لدى الشيعة، وخصوصا في مناطق الجنوب، وهذا ما رايناه واضحا في الانتخابات الاخيرة حيث كان في اغلبها تنظيما وصعودا وفوزا فيها من ارتبط بهذه المنظومة الشيعية.
ولذا فحينما سنبدأ بالمناقشات حول الفيدرالية في سلسلة المقالات القادمة فيجب ان تكون بما يناسب المقام والمصلحة للمجتمع، لا بما نقرأه في الكتب عن جمالية الفيدرالية وواقعية اللامركزية الادارية، والتي غالبا ما تكون قاصرة النظر عن النتائج والعواقب على ارض الواقع العراقي، او كما ينظر اليها فريقاً اخر فيجد في الفيدرالية تحقيقاً لمصلحة متوهمة،  فالشعب معني بممارسة العمل السياسي الحقيقي وتحديد المواقف وهو غير معني بالمناورات السياسية .