القوات الأمريكية في العراق بين خطأ أوباما في الانسحاب وقرار ترامب بالبقاء

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
 
   لا يختلف أحد من العقلاء على وجه المعمورة على رفضه قيام قوة عسكرية تابعة لدولة عظمى أن تحتل بلدا آخرا مهما كانت الأسباب، ولا يستثني هذا الكلام احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق في عام 2003 على الرغم من خلافنا مع نظام حكم البعث وصدام، والفعل الأقبح من ذنب الاحتلال كان من خلال الانسحاب الأمريكي غير المسؤول نهاية عام 2011 بعد أن دمر الاحتلال مقدرات الدولة العراقية وأسلمها إلى أحزاب وكيانات غير قادرة على الحفاظ عليه وعلى سلامة مواطنيه، فكانت النتيجة أن حلت بالعراق كوارث طائفية وإرهابية ترتب عليها قتل مئات الآلاف من العراقيين بدواعي عدة، وتهجير ونزوح الملايين من أبناء المحافظات التي سيطر عليها الإرهاب، وتدمير هذه المحافظات بسبب الأعمال الحربية لنشاط التنظيم الإرهابي، ونشاط القوات المسلحة العراقية لتطهير المدن منه.      
    بعد أن أنهت القوات الأميركية العمليات القتالية في العراق في العام 2010، وجعلت محور عملها بعد ذلك تدريب القوات العراقية غادر آخر جندي أميركي العراق في 18/ 12/ 2011، باستثناء عدد من أفراد الجيش الأميركي الذين بقوا تحت سلطة السفارة الأميركية. يقول فرانك هالميك، الجنرال الأميركي المتقاعد الذي شارك في مهمات في العراق على مدى عدة سنوات، بينها العام 2011، غادرنا قبل أن نحقق العديد من الأهداف الأساسية للتدريبات. وأضاف؛ القوات الجوية العراقية لم تكن جاهزة بعد للدفاع عن أجواء البلاد، ولا زالت حتى الآن تفتقد لهذه القدرة. وتابع اعتمدت القوات العراقية على الجيش الأميركي لتستحصل على دعم استخباراتي سمح لها بإبقاء الضغط على شبكات المتمردين، مشيرا إلى أن هذه القدرة عانت كثيرا في غياب الدعم الأميركي.
    واليوم بعد ثمان سنوات من الانسحاب الأمريكي ومن تفرد الأحزاب الطائفية في حكم العراق واستئثارهم للسلطة مع فشلهم الكبير من تحقيق أي تقدم للعملية السياسية، صرح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو يوم الخميس 7/2/ 2019 من واشنطن؛ إن سبب المشاكل التي تعاني منها المنطقة هو انسحاب الولايات المتحدة من العراق، متهما واشنطن بتسليم العراق الى رئيس مجلس الوزراء آنذاك نوري المالكي ليقوم بتهميش السنة، وظهور تنظيم “داعش”. وحديث أوغلو جاء لدى لقائه عددا من الصحفيين عقب اجتماع لوزراء خارجية دول التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، عُقد في العاصمة الأمريكية واشنطن.
   قال الوزير التركي إن مصدر المشاكل التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط اليوم هو انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق دون تنسيق أو خطة مُحكمة، مبينا أن ذلك الانسحاب كان خطأ حقيقيا. وأردف قائلاً: عندما انسحبت واشنطن من العراق تم تسليم البلاد لنوري المالكي، والأخير قام بتهميش شريحة كبيرة في العراق، لذا دخل العراق في حالة فوضى، واستفادت عناصر “داعش” من هذه الفوضى وتمكنت خلال فترة قصيرة من السيطرة على 40% من الأراضي العراقية.
    تعاون الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مع إيران منذ بواكير حملته الانتخابية التي ذكرت الصحف يومها في عام 2008؛ دعوة المتنافس على ترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية باراك أوباما إلى “زخم دبلوماسي” في التعامل مع أزمة العراق يشمل محاورة إيران، وقال في جلسة للكونغرس ناقشت تقرير قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي هناك رايان كروكر “لا أعتقد أننا سنكون قادرين على جعل الوضع يستتب دون ذلك”. وبعد الانسحاب الأمريكي نهاية عام 2011 تبين أن أوباما سلم العراق على طبق من ذهب إلى إيران وهذا الأمر مجمع عليه أمريكيا وعراقيا، وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ إذا افتقر النهارُ إلى دليلِ.
    مع مجيء الجمهوريين للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية بفوز دونالد ترامب للرئاسة، أعلن ترامب في 13 أكتوبر 2017 استراتيجية جديدة في التعامل مع إيران وتتضمن الاستراتيجية الجديدة، حسب بيان للبيت الأبيض، سبعة عناصر أساسية هي، تحييد التأثير المزعزع للاستقرار للحكومة الإيرانية وكذلك تقييد عدوانيتها، ولا سيما دعمها للإرهاب والمسلحين. وإعادة تنشيط التحالفات الأميركية التقليدية والشراكات الإقليمية كـمصد ضد التخريب الإيراني واستعادة أكبر لاستقرار توازن القوى في المنطقة. حرمان النظام الإيراني، ولاسيما الحرس الثوري، من تمويل “أنشطته الخبيثة” ومعارضة أنشطة الحرس الثوري “الذي يبدد ثروة الشعب الإيراني”. مواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية والأسلحة الأخرى الموجهة ضد الولايات المتحدة وحلفائها. حشد المجتمع الدولي لإدانة “الانتهاكات الجسيمة للحرس الثوري” لحقوق الإنسان و”احتجازه لمواطنين أمريكيين وغيرهم من الأجانب بتهم زائفة”.
     واليوم يقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات مفاجئة في 3/2/2019، كشف خلالها السبب وراء الإبقاء على وجود عسكري لبلاده في العراق، وقال إنه لمراقبة إيران. وأضاف ترامب في مقابلة مع شبكة “سي بي اس” الأمريكية، أن أحد الدوافع وراء رغبته بإبقاء القوات الأمريكية في العراق، هو أنه يريد مراقبة إيران على نحو ما، لأنها تمثل مشكلة حقيقية. وردا على سؤال عما إذا كان ذلك يعني أنه يريد أن يكون قادرا على ضرب إيران، قال: لا، بل أريد أن أكون قادرا على مراقبة إيران. وأضاف أن واشنطن أنفقت مبالغ طائلة على قاعدة عسكرية في موقع متميز بالعراق، ما يسمح بمراقبة” الشرق الأوسط المضطرب”، في إشارة إلى قاعدة “عين الأسد” الجوية في محافظة الأنبار غربي العراق التي زارها في ديسمبر للماضي.
     تصريح ترامب كان محرجا بشكل كبير للحكومة العراقية وللأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة وخصوصا تحالفي الفتح والإصلاح الذين وإن اختلفتا مع بعضهما البعض إلا إن رفض التواجد الأجنبي في العراق قد يكون قاسما مشتركا لهما، ولعدم تمكن أي جهة عراقية من إخراج القوات الأمريكية من العراق أو مواجهة واشنطن قررت التحالفات التي طالما صدعت رؤوس العراقيين بقدرتها على إخراج الجيوش الأجنبية من على أراضيها بالقوة، إيجاد صيغة جديدة للخروج من الحرج أمام الجماهير تحفظ ماء الوجه، وهو ما بدا واضحا من خلال ما كشفه سلام الشمري النائب عن تحالف “سائرون” الذي يتزعمه مقتدى الصدر، حول الاتفاق بين قيادات تحالفي سائرون والفتح الذي يتزعمه هادي العامري على إلزام الحكومة بتحديد عدد القوات الأجنبية داخل العراق ، وعدم السماح بوجود قواعد برية أو جوية داخل البلاد.
      أما عن المستند القانوني لوجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية فهناك حقائق على الأرض فيما يربط الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق بعد الانسحاب عام 2011 خاصة ما يسمى باتفاقية الإطار الإستراتيجي التي تنص على انتهاء العمل بموجبها بعد ثلاث سنوات ما لم يتم تجديدها كما تقول المادة الواحدة والثلاثون ـ مدة سريان مفعول هذه الاتفاقية: 1- تكون هذه الاتفاقية سارية المفعول لفترة ثلاث سنوات ما لم يتم إنهاء العمل بها قبل انتهاء تلك الفترة عملاً بالفقرة 3، أو ما لم يوافق الطرفان خطياً في ما بينهما على تمديدها عملاً بالفقرة 2. 2- يجوز تعديل هذه الاتفاقية أو تمديدها بموافقة الطرفين خطياً على ذلك، ووفق الإجراءات الدستورية السارية في البلدين.
   والظاهر يتم تمديدها تباعا كما نقل موقع السفارة الأمريكية مطلع العام الماضي خبرا يقول…عقد نائب وزير الخارجية العراقي نزار خيرالله ونائب وزير الخارجية الامريكي جون سوليفان الاجتماع الخامس للجنة التنسيق العليا لاتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) يوم 28 كانون الثاني 2018 في بغداد، وأكدا معا من جديد على التقدم الكبير الذي أحرزناه بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SFA) حتى الآن، ووضعا الأساس للتعاون في المستقبل، لا سيما في مجالات التعاون السياسي والدبلوماسي والتعاون التجاري والمالي. لذا التفاهم بين الجهات المسؤولة في البلدين مستمر وهناك إملاءات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على الساسة في العراق ولا اعتبار للتصريحات التي يراد بها الاستهلاك العام من قبل المسؤولين العراقيين لكون البلد مستباح بموافقة مرغمة من قبل أي حكومة تستلم، الاعتبار ليس للوزراء الذين يتبدلون لكن الاعتبار بأصحاب المناصب السيادية الراسخة خاصة في لجنة التنسيق العليا للاتفاقية.
     ذكرت مواقع إخبارية أن عضو مجلس النواب عن كتلة الجيل الجديد المعارضة سركوت شمس الدين توقع عقد اجتماع مرتقب بين البرلمان والحكومة والقادة الامنيين لمناقشة تواجد القوات الاميركية في العراق، ويؤكد شمس الدين ان العلاقات العراقية الاميركية مهمة وتصب في مصلحة البلدين من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية بتدريب القوات العراقية وتسليحه، موضحاً بان تواجد القوات الاميركية في الوقت الحالي هو ليس احتلال بل هم متواجدين بطلب من الحكومة العراقية، وبإمكانها اخراجهم في اي وقت تشاء. والمح شمس الدين بان تهديد تلك القوات من قبل دول الجوار او غيرها غير مسموح به تماماً، ويجب التعامل مع هذا الموضوع بشكل جدي.
   واختتم عضو كتلة الجيل الجديد المعارضة بيانه بالقول انه عقد اجتماعات مع نظرائه في الكونغرس والخارجية وباحثين وخبراء في شؤون الشرق الاوسط في الولايات المتحدة الاميركية، حيث أكدوا بأن ما تحدث به ترامب مؤخراً هي تصريحات عشوائية ولا تمثل سياسة الحكومة الاميركية، مؤكدين بان الحكومة تسعى دائماً الى التعاون الكامل مع نظيرتها العراقية في تواجد القوات الاميركية ومستقبلها في العراق. وهذا التصريح لا قيمة له أما حقائق تحرك القوات الأمريكية على الأرض العراقية وقيامها باعتقال شخصيات إرهابية تابعة لتنظيم “داعش” والميليشيات على حد سواء كما نقلت بعض وسائل الإعلام، هذا فضلا عن قيامها بضربات جوية لتجمعات تابعة حتى للحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية باعتراف قادة في الحشد، وجميع الإرهاصات تؤكد على عزم الولايات المتحدة الأمريكية من البقاء في قاعدة دائميه في عين الأسد لموقعها الاستراتيجي الكبير ولكونها تقع ضمنا في محافظة لا تدين بالولاء للمشروع الإيراني ومن ثمة ستكون في رصد أي تحركات إيرانية عبر حلفائها في العراق وسوريا ولبنان وصولا للبحر الأبيض المتوسط.