القيم الأخلاقية ركيزة مجتمعية لا بد منها من أجل النهوض بالواقع العراقي المأزوم

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
    واحدة من أهم تداعيات الاحتلال السلبية على المجتمع العراقي تتمظهر في الانحدار الحاد من المنظومة القيمية للمجتمع التي ترسخت عبر قرون من الزمان حتى تكرست في كينونة المجتمع عادات وتقاليد وأعراف توارثها العراقيون كابر عن كابر، لم يكن الاحتلال الإرهاص الأول لهذا الانحدار بل سبقه الحصار الاقتصادي المفروض على العراق في حقبة التسعينات والذي نحت في المنظومة القيمية المجتمعية بشكل أو بآخر، حتى تغير الحال وتبدل الموروث المجتمعي الأصيل ببديل مستورد لا يمت للعراق والعراقيين ببنت صلة.
  يقول العلماء؛ تعد الأخلاق قاعدة أساسية لبناء المجتمعات، حيث تُبنى عليها جميع القوانين والأحكام، وهي الأساس الذي تقوم عليه مبادئ الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يجعلها أساس صلاح المجتمع، والدرع الواقي من المسبّبات المؤدّية لانهياره، وتحويلها إلى مجتمعات تحكمها الشهوات أو الغرائز، وبالتالي سيادة قانون الغاب فيه، وعمل الحصار والاحتلال على استبدال قيم المجتمع العراقي ومنظومته الأخلاقية بأخرى تعتمد فيها المصالح الذاتية الضيقة على حساب الصالح العام، فترجمواقعا على الأرض من خلال العملية السياسية فشلا ذريعا للأحزاب الحاكمة، وفي الساحة الأمنية.. انتشارا واسعا للميليشيات الإجرامية وتشكيل عصابات الجريمة المنظمة حتى سادت الفوضى بدلا عن الاستقرار، وبات العراقيون ينهش بعضهم ببعض لأسباب مختلفة ومتعددة فتكرست شريعة الغاب وبات صوت الرصاص يعلوا على كل صوت في المحافل كافة ودون استثناء.
 ما الذي يحتاجه العراقيون اليوم لتجاوز مرحلة الظلام والطائفية والجهل الذي اصطبغ بصبغته المجتمع العراقي من الحصار والاحتلال وليومنا هذا؟ هل نحتاج تكريس منظومة قيمية تترجم واقعا على الأرض من جديد كما كانت؟ أم نحتاج وعيا مجتمعيا ينشد الخلاص من مكائد الطائفية والفساد والفشل ثالوث المشهد العراقي المدنس؟ ومن ثمة يعود بالعراق والعراقيين إلى سالف مجدهم حين كان التعايش سمة متلازمة لهم مع اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، وكانت القيم الأخلاقية مركوزه فيهم حتى تستطيع إيقاف أي فعل مخالف للعادات والتقاليد والأعراف بكلمة واحدة نقولها (عيب)، كان لهذه الكلمة صدى كبيرا في نفوس العراقيين، وكانت معيارا حقيقيا لهم فلا يفعل المرء أي فعل أو ينتهج سلوكا يعاب عليه به.
  ولنا في الأمم التي تعرضت لنكبات كبيرة ونهضت الاعتبار، يقول الدكتور ريان توفيق في رصد ظاهرة لأنموذج مجتمعي راق بني على القيم التي ترسخت واقعا في ثقافتهم العريقة يخص اليابانيين؛ فقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي قبل أيام قيام الفريق الياباني لكرة القدم – بعد خسارته في المباراة النهائية لكأس أمم آسيا أمام الفريق القطري – بتنظيف غرفة اللاعبين قبل مغادرته الملعب، وقد استوقفني هذا المشهد الذي اختزل جهود عقود من الزمن في البناء القيمي، ولامس قناعتي بأن القيم هي ثمرة لجهود المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس، فضلا عن التغذية القيمية التي انطوى عليها الوحيان ( القرآن الكريم والسنة النبوية ).
   نعم هذا المشهد لم يتأت من الفراغ، ولم يكن موقفا مرتجلا، أو استعراضا بانوراميا، إنه ثمرة وتتويج لجهود طويلة على الصعيد المجتمعي في تحويل القيم من شعارات إلى سلوك وممارسة، وذلك عبر سلسلة من الأسئلة الفلسفية، لبناء القناعة العقلية بأن الحياة المثلى لا تستقيم دون نظافة وإتقان وعدل واحترام للإنسان. ويختم الدكتور ريان كلامه النفيس عن الأثر الذي تركه الفريق الياباني في نفوس المراقبين بقوله؛ إن هذه الظواهر كلها ستختفي عندما تتحول القيم إلى مّلكَة راسخة في النفس الإنسانية، فتصبح النظافة ثقافة، والعدل نهجا، والإتقان مبدأ، والرحمة خلقا، والنظام سلوكا..  والأمل معقود بكم أنتم الغيورون على المجتمع وأنتم أيها الأمناء على القيم.. وما أجمل الدعوة القرآنية الكريمة التي تدعو إلى تخطي فضاء الأماني إلى واقع العمل والإنجاز: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)).
    يقول علماء الاخلاق أن في الانسان نزعتين متنافستين على الظهور الاولى: تدعوه الى التملك، والاخرى تدعوه الى العطاء والتضحية، والذي يغذي النزعة الأولى حب البقاء والتمحور حول الذات، بينما يغذي النزعة الثانية العقل الذي يدعو صاحبه الى الاحسان والعطاء والى تجاوز ذاته للتواصل مع الآخرين. لا شكّ بأنّ الأخلاق هي سمة المجتمعات الرّاقية المتحضّرة، فأينما وجدت الأخلاق فثمّة الحضارة والرّقي والتّقدم. فمكارم الأخلاق أشد حاجة للأفراد والمجتمع البشري، وغاية من أسمى الغايات الإنسانية، ومن أعظم المقومات للحضارة الإنسانية، لا يمكن الاستغناء عنها لأي نوع من الأنواع البشرية ولا لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية، من أجل ذلك منذ أول وجود المجتمع الإنساني كانت المهمة الأخلاقية من أحسن المهمات لسائر الأديان والمذاهب.
  فأقصى درجاتِ نضوجِ العقل هُوَ أن يدرك الشخص أنّ جميع ما نشاهدهُ في هذه الحياة لا يبقى وأنّ الحياةَ تتغيّر وتبقى القيمة والقِيَم التي نعيشُ عليها هي الخالدة في آثارها الحية بين أفراد المجتمع، لذلِكَ سَنَقُومُ بالتّعَرّفِ على أنواع وأهَميّةِ القيم وطريقَةِ اكتسابها والحفاظِ عليها حسب تعريفات العلماء والمفكرين والمختصين. تُعرف القِيَم كما يقول مختصون بأنّها مَجمُوعَةٌ مِنَ الأحكام العَقليّة توجّهنا نحوَ رغباتِنَا واتجاهاتِنَا، والتي يَكتَسِبها وَيَتَعَلّمها الفَرد مِنَ المُجتَمَع الّذي يَعيشُ فِيه، وَهِيَ التي تحرّك سلوكهُ؛ فالقِيم تبنى مَعِ الإنسان مِن خِلالِ حَياتهِ وتجاربهُ وَتصبِح لَديهِ الحِكمَة مِن وراءِ القِيَم والمبادِئ التي يعيشُ عَليها؛ فهذِهِ القيم هِيَ التي تَبنِي الأمم أو تهدِمها، وَمَن تخلّى عَن قيمهِ الشخصيّة والدينيّة التي يعيشُ عليها فَهُوَ قَد تخلّى عن شخصيّتهِ وأصبحَ بلا مَبدأ؛ فالعَقلُ إذا اكتمَلَ أصبحَت أغلبُ الأمورِ واضِحَة، وتولدُ الحِكمَة عِندَ الشّخص مِن خلالِ تعاملهِ مَعَ الآخرين.
  ويقول المختصون إنّ القيم هِيَ جزءٌ مِنَ الأخلاق وغاياتٍ يَسعَى إليها الإنسان تكونُ جديرةٍ بالرغبة سواء كانت هذِهِ الغايات تُطلَبُ ذاتيّاً أو لغايات بعيدة داخل الإنسان. والأخلاق ثابت أي واحدة مطلقة لكونها تقوم على جملة من المبادئ و الثوابت بمعنى أن الأخلاق موضوعية و واحدة تتجلى هذه الوحدة في كون هذه القيم نابعة من الدين الذي هو إلزام متعالي إلهي، وهو الاعتقاد بوجود مبدأ أعلى مفارق للطبيعة، واعتقادنا هو الذي يدفعنا إلى أداء واجبات اتجاه المولى تعالى كما أن القيم الخلقية القائمة على أساس ديني تعد تشريعا مطلقا ومقدسا، وأيضا فيه دعوة صريحة للنظر في النصوص الشرعية وهذا يبدو جليا في باب الاجتهاد والأصول لتهذيب السلوك الغريزي الإنساني، إن القيم و السلوكيات و الأفعال الخيرة تدعوا إليها كل الكتب السماوية ففعل السرقة منبوذ في كل الديانات في حين العدل و الاستقامة والفضيلة أفعال مستحبة ومستحسنة في كل الكتب باختلاف الزمان والمكان و الأفراد و الجماعات .
 ويرى أصحاب النظرية العقلية أن أساس القيمة الخلقية للعقل فما هي كائن هي التي تفسر قيمته و هذه الماهية ثابتة مطلقه لا تتأثر بزمان، فهي صادرة عن مبادئ عامة و يقينية منزهة عن كل منفعة خاصة أو عامة، في القتل و الكذب و الخيانة فهي أفعال ذميمة لأنها تحمل الرذيلة أما الصدق و الأمانة و الإحسان هي أفعال مستحبة لأنها تحمل الفضيلة لذا اعتبرها أفلاطون حكمة سامية غرضها الخير الأسمى . قال أفلاطون :إن الخير فوق الوجود شرف و قوة “، وهذا لا يعني أن الخير لا وجود له و إنما يعني أن وجوده أسمى كحقيقة مثالية من الوجود الواقعي و أن القوى العاقلة هي قمة الفضالة .
و يرى كانت : أن القواعد الأخلاقية مصدرها العقل لكونه الواجب و هذا الأخير و يقوم على الإرادة الحرة و يقصد بالإرادة الحرة . الإرادة الخيرة المنزهة من كل نفع مادي وإن الإنسان يدرك بعقلة القانون ويصرف بموجبه ومقتضاه فالواجب إلزام نفرضه على أنفسنا بمحض إرادتنا.
  القيم الأخلاقية ثابتة :يرى أنصار هذا الموقف أن الأخلاق ثابته وليست متغيّرة وهنا نجد أساسين لثبات القيم الأخلاقية هما الديــن والعـقــل،الديــــــــن أساس القيمة الخلقية، يعد الدين مصدرا جوهريا للتمييز بين الخير والشّر ، لأن القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة يحدّدان بنصوص قطعية الأفعال والصفات ذات القيمة الخلقية وهذا مصداقا لقوله تعالى : « إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشّر المؤمنين »، وقوله تعالى أيضا: « ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون »، وقوله صلى الله عليه وسلّم « إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ».
  فكرة أن الشريعة الإسلامية هي مصدر القيمة الأخلاقية كما يقول المعتزلة إلا أنّها تختلف مع الفرق الإسلامية الأخرى في أنّ الدين جاء مخبرا عما في العقل، وبعبارة أخرى أن العقل هو قوام الفعل الخلقي، فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقا للقيمة الخلقية يعلم عقلا وبه يستطيع الإنسان التمييز بين الخير والشّر ويختار الإنسان أحدهما بإرادته ويتحمل نتيجة اختياره أمام الله تعالى يوم الجزاء بالثواب أو العقاب.
  أما في العراق وكما يقول الدكتور ريان توفيق في تشخيص دقيق للواقع العراقي البئيس من بعد الاحتلال وليومنا هذا لفشل الدولة في إصلاح منظومة المجتمع القيمية؛ عندما لا تكون هذه الفضاءات ضمن أولويات الدولة، فلا يسوغ في هذه الحالة أن ينزوي المجتمع ويستسلم لواقعه، لا يسوغ أن يُمْسِكَ المعلم عن دوره في غرس القيم، ولا يسوغ أن يتوقف الخطيب عن الضخ القيمي بأسلوب هادئ ينفذ إلى وجدان المتلقي قبل أن يستقر في عقله، ولا يسوغ للمثقف أن ينزوي بعيدا، ولا يسوغ للإعلامي أن ينشغل بالاهتمام في أمور هي في قاع السلم، ولا يسوغ للمجتمع أن يسكت، ولا يبدي استياءه من الذي يرمي الأوساخ على قارعة الطريق، ومن المعلم الذي لا يعرف إلا لغة الصراخ، ومن الأب الذي يغض الطرف عن ابنه الذي يغش في الامتحان، ومن الذي يشفع لمن ارتكب جرما مع سبق الإصرار.
ويدعو الدكتور ريان إلى البدء بدراسة المناهج والإجراءات التي أوصلت تلك الشعوب إلى هذا المستوى الذي يتمناه كل عاقل، ولا شك أنها تقع ضمن الممكن البشري، لكنها لا تتنزل من السماء، بل هي بحاجة إلى عمل دؤوب وجهود مستمرة وإرادات فولاذية، ترفض أن تستسلم للواقع.  إن ما شاهدناه هو الصورة الأخيرة التي تجلت فيها هذه القيمة – أعني قيمة النظافة – ولكننا لم نشاهد العمليات القبلية التي شكلت عقلية الإنسان الياباني للوصول إلى هذا المستوى السلوكي، بحيث إن وَقْعَ الخسارة لم يجعله يتخطى النظام القيمي الذي نشأ عليه، ولو تخطاه لكان معذورا في مقاييس الكثير منا؛ إذ الألم النفسي الذي سببته خسارة أعلى بطولة على مستوى أكبر قارة في العالم كان سيشفع لهم فيما لو تركوا غرفتهم على ما هي عليه.
  يقول مسفر بن علي القحطاني تثور من حين إلى آخر تساؤلات حول الرقابة على الأخلاق ما زادت متغيرات المجتمع ومهدداته، وفي تلك اللحظات القلقة يحاول المجتمع الانكفاء على هويته القيمية عندما يشعر بأن تلك المتغيرات تمثل تهديداً لكيانه الاجتماعي المستمد من قيمه الأخلاقية، لذلك يطرح بعضهم عدداً من الأسئلة عن حدود هذه القيم الحامية، أو لنقل سياجها الأخلاقي العام، وهل يشوب ذلك السياج تلبّس العادات والأعراف به؟ وما هي معايير المنع من السلوكيات الخاطئة؟ وهل هناك سلوكيات فردية وأخرى مجتمعية تفترق من حيث التعامل معها؟ والأهم برأيي من يتولى سلطة الرقابة على الأخلاق، الدولة أم المجتمع؟ هذه العلاقات الأخلاقية التي يعيشها الفرد في مجتمعه مع تغول سلطات الدولة الحديثة، تعيد طرح تلك التساؤلات المفاهيمية للوصول إلى مقاربات مصلحية، لا تتداخل فيها واجبات المجتمع مع سيادة الدولة، ولا واجبات الدولة مع خصوصيات الفرد، فهذا العنوان المثقل والمثير للبعض والذي يحمل معه العديد من التساؤلات الغائب أكثرها عن ساحة النقاش الإسلامية، كثيراً ما يتم تمريره من دون تأمل، أو بناء مواقف قطعية على أرضية متحركة لا تحتمل تلك المفاصلات الفكرية.
      واجب الدولة والمجتمع في العراق الجريح واحد تجاه منظومة القيم المؤسسة لكل مفصل من مفاصل الدولة والمجتمع، ويتعين أن نعمل لتكونالقيم الأخلاقية ثقافة تكرس على مستوى الذاكرة من رياض الأطفال حتى الدراسات العليا، واجب على المؤسسات الإعلامية والعلمية والمؤسسات المجتمعية أن تسهم بدور فاعل في تكريس قيم المجتمع وان تقدم القيمة المناسبة لكل اختصاص على حساب القيم المساندة، ففي التعليم يتعين أن يتقدم المصفوفة القيمية العلم ومن ثمة تأتي بقية القيم تباعا، وفي الأسرة تتقدم قيمة الحب، وفي الحكم والمحاكم ووزارة العدل تتقدم قيمة العدل،وفي المؤسسات الصحية تتقدم الصحة، وهكذا تتكرس قيم الصدق والمحبة والتعاون والتعايش والصداقة والإيثار مجتمعيا في الأحياء والمنتديات العامة، وبين مختلف مكونات الشعب العراقي لتعود المواطنة قيمة عراقية أصيلة بعد أن نولي دولة المكونات ظهورنا.