العراق .. بين حاجة الوجود الأمريكي ورفض النفوذ الإيراني

مجاهد الطائي
لا شك بأن النفوذ الإيراني في العراق يعتبر هو الأقوى والمسيطر على معظم الملفات ويدخل في العديد من المجالات ويتسع شمالاً وجنوباً في المحافظات العراقية ؛ وذلك لطول فترة بناءه واستمراريته بدون انقطاع مقارنة بالوجود العسكري الأمريكي والانسحاب عام 2011 (في فترة أوباما الرئاسية ) ثم العودة الأمريكية في إطار التحالف الدولي في 2014 بعد تسليم الموصل لداعش ، ناهيك عن الانفتاح العربي المتأخر على العراق ومحاولة دعم الدولة ضد منظومات اللادولة ومزاحمة نفوذ إيران المتنامي.
إن الوضع الأمني العراقي وقدرات الأجهزة الأمنية تتطلب الدعم الأمريكي وإن المدن العراقية التي تمت استعادتها من داعش لا تزال تعاني امنيا وسياسيا واقتصاديا وخدميا ، ناهيك عن وجود تسريبات عن عودة عناصر داعش إلى المدن المستعادة بشكل مستمر ولا تستطيع الأجهزة الأمنية الضعيفة مواجهة تلك العناصر بدون إسناد أمريكي ، خاصة إن نظمت داعش صفوفها وعادت لتنفيذ عملياتها المعتادة والخاطفة في المدن السنية المدمرة ،لاسيما وإن هناك مساعي إيرانية لتحفيز بعض القوى السنية وتوظيفهم لاستهداف القوات الأمريكية بالنيابة عن ميليشياتها ؛لجس النبض الأمريكي وردة الفعل العسكرية على أي هجوم محتمل لأن القوات الأمريكية لم تتعرض لأي هجوم منذ سنوات ودورها الحالي رقابي بالدرجة الأساس وتدريب وتسليح وإسناد جوي.
موقع العراق الجيوسياسي المهم وإعادة التموضع الأمريكي في المنطقة دفع الولايات المتحدة إلى تركيز وجودها في العراق لأهداف عدة، من بينها احتواء إيران إقليميا والصين دوليا لأن خطوط الربط والنقل البري لنفوذ إيران لاستكمال الهلال الشيعي يمر عبر العراق إلى سوريا ولبنان ، وخوط نقل البضائع الصينية ومشاريعها الاقتصادية الضخمة بـ “طريق الحرير” الدولي يمر عبر العراق وسوريا إلى المتوسط أيضاً ، لذا ستعمل واشنطن على الوجود الثابت على الحدود السورية – العراقية. ناهيك عن وجود خطر الإرهاب المتمثل بـ “داعش والميليشيات” وعبور داعش من سوريا إلى العراق وعبور الميليشيات من العراق إلى سوريا ولبنان. بالإضافة إلى خطوط نقل الطاقة بالطريق الدولي “الحرير” – المزمع إنشاؤه – وأكتشاف آبار النفط والغاز في سوريا والعراق التي تتركز في ذات المناطق.
من الواضح أن هناك اتفاق أو “اتفاقية” “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة بخصوص الوجود الأمريكي والتي تحتوي على بنود وخصائص ومميزات أكبر مما هو معلن في الاتفاقية التي لا تزال تعمل إلى الآن وهي بدون سقف زمني أو أن هناك تفاهمات غير مرتبطة بأي اتفاقية أمنية والتي تدخل في مصالح واشنطن الاستراتيجية وموضوع تحجيم نفوذ إيران ،ومراقبة سير العقوبات عليها من الأراضي العراقية ،لاسيما تصريح ترمب أثناء الإجابة على أسباب الوجود الأمريكي. ولقد فتح نفوذ إيران الميليشياوي والبرلماني أسئلة معقدة وتفصيلية للحكومة العراقية حول عدة وعديد القوات الأمريكية وتواجدها ومهامها والقلق الذي ينتابهم من أنتشارها في مدن الوسط والشمال والوضع القانوني لها وعلاقة وجودها بالسيادة العراقية ، وهي أسئلة لا تستطيع الحكومة العراقية الضعيفة الإجابة عنها بالمطلق ،سوى مسك العصا من المنتصف والمناورة بين الضغوط الإيرانية والأمريكية ؛ لأنها نالت الثقة بتوازن قلق بين الفتح – سائرون وهما كتلتان متفقتان حالياً على موضوع إخراج القوات الأمريكية ، تارة بحجة السيادة العراقية ،وتارة بحجة عدم سماح الاتفاقية الأمنية للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي العراقية ضد أي دولة بالرغم من أن ترمب قالها صراحة بأن قواته ستراقب إيران من العراق وليس مهاجمتها ؛مما دفع لاطلاق سيل من التصريحات الشعبوية وإصدار البيانات المنددة بما قاله ترمب.
الواقع السياسي العراقي أنقسم بين المواقف الشيعية المناهضة والمواقف السنية والكردية المؤيدة للوجود الأمريكي ، الموقف الشيعي كان موحداً سواءً البرلماني أو الميليشياوي والدفع بضرورة وضع جدول زمني للانسحاب أو إعادة تنظيم الوجود العسكري للقوات الأجنبية والأمريكية خاصة، إلا أن الأدوات أختلفت من حيث السياق ،فالقوى القريبة من إيران – والمناهضة لوجودها أيضا ككتلة سائرون – دفعت باتجاه مشروع قرار برلماني يعيد النظر بالاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة. أما القوى السنية والكردية فيدركون خطورة المضي بمشروع إخراج القوات الأمريكية غير محسوب العواقب وتداعياته المحتملة على المناطق الشمالية والوسطى من العراق ، ناهيك عن علمهم بأن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق لتبقى ولن تخرج بخطابات شعبوية أو قرارات برلمانية غير ملزمة للحكومة ولا للقوات الأمريكية ،لكنها تسبب إزعاجاً للولايات المتحدة وكنوع من الضغوط من قبل نفوذ إيران بمقابل الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية لحثها على الإلتزام بالعقوبات على طهران وإيجاد بديل عن الغاز والكهرباء والطاقة الإيرانية وتجميد الميليشيات ونزع سلاحها. الحكومة العراقية وعلى لسان رئاساتها الثلاث بدت محرجة من اتخاذ أي موقف موحد ،فانقسمت بين رفض مراقبة إيران من قبل رئيس الجمورية برهم صالح ،وضرورة بقاء القوات الأمريكية للحاجة إليها من قبل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ،وبين التصريحات الخجولة لرئيس الوزراء عادل عبدالمهدي المؤيدة تارة والرافضة تارة أخرى.
القلق ينتاب الجميع مع التحركات والتصريحات الأمركية، فهناك قلق روسي صيني من أهداف واشنطن الجيوسياسية والتي ترتكز على الوجود والأنتشار في العراق ، وهناك قلق إيراني من الأنتشار الأمريكي في المدن السنية ومحاولة دفع الميليشيات بعيدا عن مناطق المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية ومخاطر تقديم دعم لوجستي لأي ضربات إسرائيلية على أهداف إيرانية تمتد من سوريا لتشمل العراق لاسيما بعد أن تناقلت وسائل إعلام لتسريبات أمريكية على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو صرح خلالها بأن “الولايات المتحدة لا تستطيع منع إسرائيل من ضرب أهداف إيرانية في العراق”.
هناك قلق عراقي متزايد من أستخدام العراق إيرانياً كساحة لمهاجمة القواعد العسكرية الأمريكية عن طريق ميليشياتها أو توظيفها للجماعات العنف وداعش في المدن السنية المنهكة. وهناك قلق حكومي من أزدياد الضغوط وإجبارها على اتخاذ موقف بعيد عن التوازن القلق فيؤدي إلى تفجير أزمة جديدة لن ينجو العراق من تبعاتها. أخيراً ، إن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق كمنطقة عسكرية جيوسياسية مهمة في الشرق الأوسط بغض النظر عن الحدود السياسية ، كما أن نفوذ إيران لا ينظر إلى مصلحة العراق والمجازفة باخراج تلك القوات الأمريكية بغياب الجهوزية العراقية للتصدي لعوامل الإرهاب العابر للحدود إنما ينظرون لمصلحة إيران في العراق والمنطقة ويتحججون بالسيادة العراقية التي أنتهكوها والدستور العراقي الذي لم يحترموه أو يتحججوا بالجهاد والمقاومة وهم لم يطلقوا رصاصة على القوات الأمريكية عندما كانت “قوات احتلال” قبل 2011 وهي تعترف بأنها قوات أحتلال ،أما اليوم فهم يتجاهلون دور الولايات المتحدة كشريك بالحرب على داعش وجزء من التحالف الدولي، ويتجهلون أن العراق كدولة عضو وشريك في التحالف.