نظام الأقاليم أم أقاليم ومحافظات غير منتظمة بإقليم بصلاحياتها الحقيقية؟

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد

   في الأيام الأخيرة شهدت بعض المحافظات حراكا سياسيا جديدا تطالب تحويل محافظاتها إلى أقاليم أسوة بإقليم كوردستان وحسب الدستور العراقي والقوانيين النافذة في هذا الشأن، ولعل محافظتي البصرة ونينوى تتقدم بقية هذه المحافظات بتكوين لجان مختصة، وجمع تواقيع لأعضاء مجلس المحافظة أو جمع تواقيع عُشر الناخبين في المحافظة، وغيرها من المتطلبات القانونية المبنية على الدستور العراقي لتحويل هذه المحافظات إلى أقاليم، وبصرف النظر عن اختلاف توجهات جمهور كل محافظة حول خلفية هذا الموضوع إلا أن القاسم المشترك يكمن في عقدها العزم على المضي في هذا الطريق دون تردد  ولا وجل ووفق القانون العراقي النافذ.
    في السنوات السابقة (2006-2014) وإبان حكم المالكي ونظامه الطائفي الإقصائي شهدت محافظات أخرى من محافظات العرب السنة حراكا مشابها لهذا التوجه، فبعد محافظة صلاح الدين طالبت محافظة ديالى وبتوقيع أكثر من نصف أعضاء مجلس محافظتها المطالبة بتحويل المحافظة وفق الدستور إلى إقليم. مع اعتبار كون محافظة البصرة المحافظة الأولى التي طالبت بإقامة إقليم وكان يومها عراب المطالبة بالتحول إلى إقليم محافظها الأسبق وائل عبداللطيف الذي لا يزال مقتنعا لهذا اليوم بأهمية تحول المحافظة إلى إقليم لإنهاء معاناتها في سوء الخدمات.
    والعجيب في الموضوع على الرغم من دستورية وقانونية المطالبة في محافظة ديالى إلا أنها جوبهت من قبل المشروع الطائفي الإقصائي بعدوان كبير تمثل في قطع الطرق من قبل مسلحين مدنيين أو يرتدون اللباس المدني على الرغم من كون البعض منهم من قوى الأمن الداخلي، واُحتل مجلس المحافظة من قبل ميليشيات مسلحة، وتم تطويق مبنى المحافظة بأربعة أطواق أمنية، واعتقال عضو مجلس المحافظة الذي تلى البيان، وكذلك تم هجوم مسلح من قبل ميليشيات وبإسناد الشرطة على بيت المحافظ ومحاولة حرقه، هذه أحداث عاصرها كاتب هذه الكلمات وهي غيض من فيض التجاوزات على القانون من قبل نظام الحكم المركزي وأذرعه من عصابات الجريمة المنظمة والميليشيات يومها.
     بشكل عام يعد دافع هذه المحافظات في مطالبتها إقامة أقاليم كان بسبب مشاعرهم بالتهميش والإقصاء واستهداف الخصوم السياسيين، الأمر الذي تطور فيما بعد بالحراك المدني والاعتصامات التي شهدتها المحافظات العربية السنية وكذلك الجمع الموحدة وهي تظاهرات مدنية سلمية تحمل معها مطالب مشروعة، ومع ذلك جوبهت بالحديد والنار، ولم يرعوى الساسة الطائفيون عن غيهم في سياستهم الطائفية الفاشلة، بل استمروا في استبدادهم وظلمهم إلى أن أسلموا هذه المحافظات للإرهاب بقصد أو عن غير قصد، ليقتل ويهجر أبنائها، ولتدمر البنى الفوقية والتحتية العامة والخاصة بسبب الأعمال الحربية حتى عادت في تخلفها للوراء عشرات السنين، ونزح وتهجر من أبنائها الملايين.
     واليوم يعاد اللحن الحزين مرة أخرى في محافظتي نينوى والبصرة على الرغم من انحسار النفس الطائفي ولو نسبيا لدى الحكم من زمن السيد العبادي، وفي زمن عادل عبد المهدي بشكل نعتقد أنه سيكون أفضلا على الرغم من عدم استكمال كابينة عبد المهدي الحكومية، أضف إلى ذلك توجهات الساسة وشطر العملية السياسية لإصلاح المنظومة السياسية خاصة في تحالف الإصلاح والإعمار، وخضوع نسبي للصقور الطائفيون في تحالف البناء، إلا أن هذه المطالب لم تقف ولم تنتهي بعد، وهي مطالب مشروعة لا يمكن إهمالها لإن مطالبة أي مواطن أو محافظة أو جمهور بأي مطلب قانوني دستوري حق مشروع لا يمكن إلا أن يحترم وفق السياقات القانونية المتبعة.
  ولكننا هنا نرصد حراكا في محافظات على هذا المطلب الذي قد يكون لا حاجة له حين يطبق قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 في 2008 والمعدل في 2013، فعند تطبيق قانون المحافظات عمليا ستكون صلاحيات المحافظة كبيرة ومتنوعة وممكن أن تدار من قبل أبنائها، حتى عند بقاء هذه المحافظات كما هي عليه اليوم وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم. فلقد ورد في التعديل الصادر في 8 آب/أغسطس 2013، لقانون المحافظات، مجموعة من الفقرات والمواد التي يمكن أن تزيد من استقلالية المحافظات غير المنتظمة بأقاليم، عن السلطة المركزية، فيما يخص صلاحياتها ومواردها المالية، ففي جانب الصلاحيات ورد في سادساً من المادة 2 ما يلي: “تدار الاختصاصات المشتركة المنصوص عليها في المواد (112 و113 و114) من الدستور بالتنسيق والتعاون بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية وتكون الأولوية فيها لقوانين المحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينهما وفقاً لأحكام المادة 115 من الدستور“.
    ومن المرجح أن يقود تطبيق هذا القانون إلى وضعٍ مماثلٍ للعلاقة القائمة حالياً بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. حيث أن المادة 112 من الدستور متعلقة بالموارد الطبيعية ومنها النفط، وفي ضوء ما اتبعته كردستان من سياسة نفطية مستقلة، فإن هذا التعديل يتيح للمحافظات مساراً مماثلاً. لذلك مهما كان الشكل الذي سيتم تبنيه للإدارة اللامركزية فإن من المناسب تطبيقه، بما في ذلك قانون المحافظات المعدل، بآلية توازن بين الصلاحيات اللامركزية للمحافظات والمناطق واستمرار فعالية سلطة مركزية ذات مصداقية وطنية.
   ويثار تساؤل حول شكل الإدارة اللامركزية في العراق. هل سيكون في الإبقاء على المحافظات (خارج كردستان) كما هي عليه ولكن بتطبيق قانون المحافظات (رقم 21 لسنة 2008) المعدل، أو في انتظامها في مناطق/أقاليم؟ ولعل تجنب العديد من المراقبين وبعض الجهات السياسية لخيار انتظام المحافظات (خارج كردستان) بمناطق أو أقاليم نابع من عاملين كما يقول مختصون؛ الأول التخوف من أن يؤدي ذلك إلى تحويل المناطق أو الأقاليم بالنتيجة إلى دويلات طائفية أو أثنية متصارعة وتستجلب تدَخُّل اقليمي ودولي مستمرين.
   والعامل الثاني، يتمثل في الخشية من نشوء إقليم أو أقاليم في البصرة، المنطقة الجنوبية بنفس الاستقلالية التي يتمتع بها إقليم كردستان وما لذلك من تبعات في إضعاف المناطق الاخرى سياسياً وتحجيم أكبر لمجال نفوذ وإدارة السلطة المركزية، كون هذه المحافظة هي المعول عليها، في المقام الأول، في الأمد القصير أو المتوسط في تمويل باقي المناطق والمركز من خلال الميزانية الاتحادية. ولكن من الجدير الإشارة إلى أن هذه الخشية قائمة، عند تطبيق قانون المحافظات، حتى عند بقاء المحافظات كما هي وعدم انتظامها بمناطق أو أقاليم.
   لذلك لو كانت الحكومة الجديدة حريصة على بناء البلد بشكل عام وعلى تلبية احتياجات جمهور مواطنيهم بالأساس لفُعل القانون 21 لعام 2008 المعدل عام 2013، ولحصلت المحافظات الجنوبية على مردود مالي ضخم يتيح لها أن تكون محافظات نموذجية إذا ما أديرت بشكل صحيح وبإرادة حرة مستقلة. لكن تعذر ذلك من قبل لكون القرار في العراق سابقا مرهون بالسياسة المركزية الضعيفة التي لا تفضي إذا ما اعتمدت إلا إلى تدهور الوضع المعاشي في العراق وهو بدوره له انعكاسات سلبية على المجتمع العراقي بشكل عام. 
    وكذا الحال مع محافظات العرب السنة الذين اتجه نوابهم في البرلمان إلى المنظومة القديمة التي تمثل تحالف البناء الأمر الذي فسر مجتمعيا على أن هؤلاء لا يمثلون المجتمع العربي السني بقدر ما يمثلون أنفسهم ومصالحهم الضيقة الشخصية والفئوية على حساب صالح المكون وصالح الوطن بشكل أوسع، الأمر الذي سيترك فراغا كبيرا لقيادات مكون مغيبون عبر استهدافهم سابقا من قبل المشروع الطائفي الإقصائي، فقيادات أصيلة وتملك رمزية كبيرة كطارق الهاشمي ورافع العيساوي وغيرهم كثير كانوا نجوما لامعة في سماء العملية السياسية على عللها، غيبت أشخاصهم بتهم باطلة لا تستوي على دليل مقنع أو صحيح بل الجميع يعلم براءتهم وصدق توجههم في جهدهم السابق، ولا يمكن أن ينصلح حال العملية السياسية ما لم تنتهي ملفاتهم الملفقة وما لم يشهد العالم حقيقة المؤامرة عليهم.
    التعويل اليوم على الحكومة الجديدة التي ولدت بطرق قيصرية غير معهودة ونظن بها خيرا، وعلى رئاسة الجمهورية بشكل خاص، وبشكل أعم على تحالف الإصلاح والإعمار لما يملك من إرادة وعزم حقيقي على إصلاح المنظومة السياسية ومنظومة القضاء، لذلك نطالبهم بإنصاف المظلومين وإخراج الأبرياء الذين اكتظت بهم السجون، وحسم ملف رموز أهل السنة السياسيون الذين رفضوا الإرهاب وناصبوه العداء، والحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان وإنهاء تعطيل الدستور وتفعيل جميع مواده من غير ازدواجية وانتقائية مخلة كما حدث من قبل على يد الحكومات الطائفية السابقة، وتفعيل قانون 21 لعام 2008 المعدل عام 2013 بإعطاء صلاحيات المحافظات غير المنتظمة بإقليم كاملة غير منقوصة وتحقيق النظام اللامركزي الذي أكد عليه الدستور العراقي والقوانيين المنبثقة عنه، وحينئذ لا يبقى أي مبرر لمطالبة أهالي البصرة ونينوى وغيرها بالانتظام بأقاليم بل يتقبل الحكم الرشيد إذا ما كرس في الساحة السياسية العراقية بتحقيق العدل مظنة الحكم ويومذاك يسعد العراقيون كافة.