قمة وارسو ومستقبل المنطقة

د. زيد الاعظمي
مستشار مركز العراق الجديد

مثلت قمة وارسو منعطفا تاريخيا مهما لمستقبل الشرق الأوسط، بعد تجمع تاريخي لدول آمنت وأجمعت على خطورة النفوذ الإيراني في المنطقة، وبضرورة حل الملفات العالقة والحروب الناشبة التي جعلت الشرق الأوسط ساحة غير مستقرة وقابلة للانفجار في اي لحظة وميدانا متاحا لحرب اقليمية او عالمية قد تنشب في أي لحظة. كما بشرت قمة واسو بولادة حلف استراتيجي شرق أوسطي سيكون محددا وعامل تغيير لشكل المنطقة ليرسخ معالم الاستقرار فيها في حال تم رسم الاتفاق على أولويات أهداف القمة وجعلها خارطة طريق واضحة بأدواتها ومعطياتها، ومن ابرز تلك الأولويات الخطر الإيراني وحل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي وحربا اليمن وسوريا.
محور قمة وارسو الشرق الأوسط عموما وايران على وجه الخصوص وهما التي تسعى من خلاله إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى تشكيل تحالف دولي جديد لبعث الاستقرار إلى المنطقة، ورأي وزير الخارجية مايك مومبيو ان الخطوة الأولى تكون من خلال مواجهة طهران ونفوذها ومنع امتلاكها القدرات الصاروخية والاسلحة النووية مما يعاظم نفوذها ويجعلها مصدر تهديد اقليمي وعالمي لحلفاء ومصالح الولايات المتحدة الامريكية.
كان الايمان بأن إيران هي مصدر التهديد للأمن والسلم لمنطقة الشرق الأوسط واضحا في سياق كلمات المتداخلين في القمة وعلى رأسهم نائب الرئيس الامريكي ووزير خارجية الادارة، الذين حملا نظام طهران كامل المسؤولية عن ارهاب المنطقة وجعلها على شفا حرب بأدواتها العسكرية وميليشياتها من مسميات مختلفة، وهذا ما اجمع عليه كل الحاضرين من ممثلي الدول والحكومات التي اتفقت على خطورة طهران ومنهجية تصدير الثورة الارهابية للعالم كله وليس الشرق الأوسط فحسب.
مثل انضمام أكثر من ستين دولة لمواجهة ارهاب النظام الايراني تجاه المنطقة تحولا مهما في مسار الاجماع الدولي بالضد من محور روسيا المؤيد لطهران وسياساتها الانغماسية في المنطقة، ومثل هذا الاجماع لاسيما الاقليمي منه تحديا مباشرا لنظام ايران حين بدأ يدرك ان الخناق الاقليمي بدأ يضيق فعليا، استكمالا لمشهد العقوبات الاقتصادية الامريكية، والحصار يتفاعل دوليا في ظل تلكؤ اوروبي في ايجاد منفذ مالي ينفذ ايران من اشد ازمة اقتصادية فاقت حتى الحرب العراقية-الايرانية في مخرجاتها وحدة فتراتها.
تشبه اجواء مؤتمر  وارسو فترة تأسيس التجمع الدولي الثلاثيني الذي اخرج  العراق من  الكويت عام ١٩٩١ او الحلف الدولي الذي اسقط  طالبان ٢٠٠٢ وغزى  بغداد ٢٠٠٣، حيث ان الحديث عن اكثر من 60 دولة سيعني ان التجمع بقدراته العسكرية يفوق حتى حلف شمال الاطلسي الناتو، بعد اضافة القوى الاقليمية في الشرق الأوسط المؤمنة في ٢٠١٩ ان هدفها حصار  ايران وأنشطتها الإرهابية في المنطقة.
اطلقت مخرجات مؤتمر وارسو شرعنت للإدارة الامريكية وحلفاءها الدوليين والإقليميين العنان لتغيير نظام طهران وحصار ونفوذه في المنطقة، وهذا إن اريد له ان يتم فلا البدء من العراق المزدحم بالميليشيات المنفلتة وهو الساحة الاكثر قربا لإيران واكثر تداخلا معه، فقد افصحت قمة وارسو ان الاستراتيجية الامريكية تجاه ايران كانت ترى بمهمة تطويق نفوذ ايران في المنطقة وعودتها دولة طبيعية دون الحديث عن اسقط نظام خامنئي وولاية الفقيه، وهذا تحول مهم سيكون له تداع على الشرق الأوسط سياسيا وامنيا.
مرتكز قوة الولايات المتحدة الامريكية في وارسو ليس فقط في عديد الدول 62 الداعمة لمخرجات المؤتمر، بل في الداخل الامريكي والاجماع الجمهوري-الديمقراطي على خطر النظام الايراني على الأمن والسلم الدوليين في منطقة أمن حيوي استراتيجي لواشنطن كالشرق الأوسط، فاغلب قرارات الرئيس ترمب عادة ما تشهد اعتراضات واستجوابات في غرفتي مجلس الشيوخ والكونغرس لاسيما قبيل اي استحقاق انتخابي امريكي، لكن قمة وارسو لاقت قبولا داخليا سياسيا وشعبيا، يشبه إلى حد التأييد الرسمي لحرب اخراج العراق من الكويت عام 91.
يمكن القول أن جديد قمة وارسو  هو التحوّل في مهام التحالف الدولي من الحرب على  داعش الى الحرب على نفوذ  ايران في المنطقة بعد توظيف كافة الطاقات وحصرها في معكسرات منتشرة على ارض العراق، وصفها ترمب انها منطلق لمراقبة ايران، ولكن قمة وارسو غيّرت المهام من لوجستية استخبارية، الى أمنية استراتيجية. كما أطلقت قمة وارسو الأجواء لقبول اقليمي لتشكيل حلف جديد يتضمن  اسرائيل ومن يتقارب معها ضد ايران بعد ان كانت الحديث في اطر تسريبية للاعلام، ولكن هناك رأي شعبي داعم لتوجهات الحلف مع اي طرف بمقابل استيعاب الشر الايراني على المنطقة.
رغم الخلافات الأيديولوجية بين اقطاب قمة وارسو الا ان التحديات الجيوسياسية فرضت على الجميع الجلوس الى طاولة القمة لبحث مستقبل المنطقة، عام ٢٠١٩ هو عام التسوية والحسم للقضايا العالقة بين الأمم الشرق اوسطية ينتهي باستقرار شامل وبنّاء لمستقبلها.
لإتمام ادوات التغيير في المنطقة انطلاقا من قمة وارسو لابد من جبهات سياسية معارضة في دول النفوذ الإيراني مدعومة من الولايات المتحدة وحلفاءها، مهمتها رسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد نفوذ الحشد والحوثي وحزب الله، منعا لفراغ سلطة وما يترتب عليه من صراع واقتتال داخلي، فتجارب التغيير التي حصلت في شعوب من المنطقة ابتداءا من العراق عام 2003 لم تكن ذات تخطيط مسبق وكان الاعتراف بالفوضى الخلاقة، وهذا ليس في مصلحة المنقطة ولا الولايات المتحدة، فالاستعداد للتغيير يبدأ برعاية البدائل التي تضمن الاستقرار وتمنع الفوضى المربكة لمستقبل المنطقة.