شواهد من الموصل

 
د. محمد العلي
باحث في الشؤون العراقية
ما إن تتجول في شوارع مدينة الموصل مركز محافظة نينوى شمال العراق، حتى تصيبك الصدمة من هول الدمار الذي أصاب المدينة بعد تحريرها من قبضة تنظيم داعش، فلا يزال الناس يعانون من صدمة تلك الحرب المدمرة، ناهيك عن الواقع الصعب الذي تعيشه الآن في ظل سيطرة حشود عسكرية جأت متلهفة لتنهي مابدأه التنظيم من سرقة وتدمير للمال العام والخاص.
عند النظر في وجوه أبناء المدينة سيتضح للرآئي حجم معاناتهم وهم أسيري الصمت المطبق عليهم، فمجرد الحديث عن العمليات التي تقوم بها هذه الحشود، سيكون مصيرك التغييب القسري، أو النفي في ظلمات السجون التي لايعلم بها إلا الله وحده.

سطوة أمنية مفرطة

لايخفى على أحد حجم السطوة الأمنية التي تفرضها هذه الحشود على المدينة بكل مرافقها الخدمية والإقتصادية والإجتماعية، بل تعد ذلك إغراق المدينة بظواهر جديدة لم تكن مألوفة سابقاً، والحديث هنا عن رواج تجارة المخدرات والمشروبات الروحية، وتغطية عمليات “الدعارة” من خلال إستغلال أسر عناصر التنظيم ممن يقدمون هذه الخدمات مقابل إبقائهم في مناطق سكناهم، وغيرها من الممارسات التي جعلت من المدينة وأهلها مجرد حقل تجارب لمشروعاتهم الدخيلة.
فقد تحدث العديد من الأشخاص من خلال توجيه بعض الأسئلة عليهم، أن المدينة تحولت إلى جرة عسل بالنسبة لهذه الحشود، وهذا ماعبر عنه أحد عناصر الحشد المدعو “س-ق-ع” من خلال تشبيهه للمدينة بأنها “كالإسفنجة  الممتلئة بالماء كلما عصرتها أعطت مابداخلها”، وعند سؤاله مالذي يبقيك هنا وقد إنتهت المعركة مع داعش، أجاب” إنني قد اعطيت مبلغ قدره 15000 ألف دولار، من أجل نقله إلى مدينة الموصل، وبأنه لن يعود دون تعويض المبلغ بعشرة أضعاف”.
وعند التجوال في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، ستتضح لك الأزمة بأبها صورها، فعند الدخول إلى المدينة القديمة ستجدها مكتظة بالسيطرات التابعة لحشود عسكرية بمسميات مختلفة، إذ تم تقسيم الأفرع والأزقة فيما بينها، وعند السؤال عن سبب هذا الإكتظاظ والمدينة خالية من أهلها، يجيب أحد العناصر، بأن هناك عمليات تجارة واسعة تجري في هذه المناطق، والتي تديرها المكاتب الإقتصادية التابعة لحشود بعينها، فهم يتاجرون بالجثث والمواد المنزلية المصادرة، وبيع قطع اراضي دون علم أصحابها الشرعيين، فضلاً عن تسهيل عمل العديد من المنظمات الإنسانية الدولية، التي تأتي تحت عنوان تقديم المساعدات الإنسانية، وهي بحقيقة الأمر منظمات إستخبارية تبحث عن قطع أثرية ومخطوطات تاريخية موجودة هناك، وإلى جانب ذلك كله تحدث بعض الأشخاص بأن أغلب السيارات الكبيرة التي تأتي من جنوب العراق حاملة مساعدات للمواطنين، تعود محملة بمئات الأطنان من الحديد المسروق من البيوت المهدمة في الجانب الأيمن، ويتم إرسالها إلى إيران عبر السليمانية والبصرة، إذ تحول معسكر الغزلاني في جنوب المدينة إلى أكبر مستودع للحديد المسروق من الجانب الإيمن للمدينة.

مصادرة أراضي وممتلكات

أما عن مصادرة أراضي بلدية الموصل، فهو حديث الشارع في المدينة اليوم، إذ تمكنت الحشود المسيطرة على المدينة اليوم من وضع يدها على مئات الأمتار من الأراضي العائدة لبلدية الموصل والوقف السني، حيث تمت مصادرة الأراضي المحيطة بالنبي يونس، وتحويلها إلى محلات تجارية ينتفعون منها، هذا إلى جانب وضع اليد على الأراضي التابعة للنبي شيت وغيرها،  وجعل أغلبها تابع للوقف الشيعي، كما أنه بإمكان أي شخص أن يتملك أي قطعة أرض يريدها مقابل مبلغ مالي قدره 50000 ألف دولار يتم دفعها لأي قيادي في هذه الحشود، في مقابل تزوير عقود الإستملاك الخاصة بها.

تهريب النفط

أما عن النفط المهرب فهو الأكثر تأثيراً على الواقع المعاش في المدينة، إذ يتم تهريب كميات كبيرة من الصهاريح المحملة بمئات البراميل من النفط الخام، تحت رعاية حشود عسكرية بعينها، وإرسالها إلى الموانئ النفطية في جنوب العراق، برعاية وتأمين من قبل سيطرات الحشد، هذا فضلاً عن إفتتاح الكثير من المكاتب لغرض ترتيب عمليات إخراج السجناء المتهمين بإرتباطهم بتنظيم داعش، مقابل مبالغ مالية تدفع لهم، بالإضافة إلى إبتزاز الكثير من المواطنين من خلال المماطلة في عمليات إخراج ذويهم، من أجل كسب المزيد من المال.

الأتاوات

تشكل الأتاوات التي تفرض على أصحاب المحلات والمطاعم والمعامل الكبرى في المدينة، إلى جانب المبالغ الكمركية، مصدر دخل كبير تستفاد منه هذه الحشود، أذ يتحدث صاحب مطعم شعبي في المدينة، بأنه مضطر إلى دفع مبلغ مالي قدره 500000 ألف دينار عراقي شهرياً، مقابل تأمين عمله، كما يضيف صاحب معمل لإنتاج “…” بأنه مضطر لدفع مبلغ مليون دينار عراقي، مقابل تأمين عمله من جهة، وتأمين وصول المواد الأولية من بغداد من جهة أخرى، هذا بالإضافة إلى عمليات الإبتزاز التي يقومون بها عن طريق السيطرة على مناطق تجارية بعينها كالزهور والمثنى والمصارف، فأغلب السيطرات العسكرية في هذه المناطق تابعة للحشد، ولايمكن لأي قوة أمنية أخرى الدخول إليها.

ملف الإعمار

فيما يتعلق بملف الإعمار، فهنا المشكلة كبيرة جداً، إذ لم يتم حتى اللحظة الشروع بهذا الملف، نتيجة التدخل المباشر من قبل قيادات هذه الحشود في عملية الإعمار، وذلك بالتوافق مع محافظ المدينة لإحالة كل ملفات وعقود الإستثمار لقيادات حشدية متنفذة في المدينة، مقابل تسهيل إجراءات عمل المحافظ، وتقوية دوره داخل المدينة.

تفعيل دور المختار

هناك عمليات تنسيق تجري مع المختار المسؤول عن الدوائر المحلية في المدينة، فعند التجوال في مناطق المدينة ستجد بأن هناك باجات دخول خاصة بكل منطقة، وهذه الباجات موقع عليها من قبل مسؤول الحشد في تلك المناطق، وعند تغيير قائد الحشد في تلك المنطقة، يتم إجبار أهالي المنطقة على تبديل باجات الدخول السابقة بباجات جديدة تحمل أسم وتوقيع القائد الجديد، وطبعاً عملية التبديل هذه تتطلب دفع رسم مالي قدره 5000 دينار للشخص الواحد.