العراق بعيون أمريكية

د. الناصر دريد
يعتبر انتوني كوردسمان واحدا من ابرز محللي الامن القومي الامريكي وهو يشغل منصب استاذ مقعد ارليخ البرت بروك ( رئيس اركان القوات البحرية الامريكية في الحرب العالمية الثانية ) في مركز الدرسات الدولية والاستراتيجية (CSIS )و يعتبر خبيرا بارزا في شؤون الخليج والطاقة والصراع العربي الاسرائيلي والشأن العراقي والافغاني وعموم قضايا الشرق الاوسط , وهو يبلغ الان ال80 عاما بعدما امضى ما يقارب النصف قرن في دراسات الشرق الاوسط وقد كتب مؤخرا مقالة بعنوان ( الاستراتيجية التي يجب اتباعها في العراق )على الموقع الالكتروني لمركز (CSIS ) بتاريخ 12 فبراير 2019 جاء فيها : ان الاستقرار والمستقبل الامني للعراق هو واحد من المصالح الحيوية للامن القومي الامريكي , فالعراق هو مكون اساسي لاي شكل من الاستقرار للخليج ولتامين تدفق النفط للاقتصاد العالمي . وهو اساس الاحتواء المفترض للنفوذ الايراني , و لتامين امن حلفاءنا العرب , انه الاساس لتقديم صورة مغايرة لصورة غزو الولايات المتحدة للعراق للاسباب الخاطئة في 2003 وتركه ضعيفا , مقسما وغير مستقر . وهو اساس مواجهة المخاوف المتزايدة فيما يخص دورنا نحو شركاءنا الامنيين الاقلميين وموضوع تركهم او تقليل دورنا الامني في الخليج . فالولايات المتحدة لاتستطيع تحمل كلفة ترك موقعها فارغا في العراق . لذلك ينبغي ان تعالج ماتبقى من مشاكل العراق الامنية ونقاط ضعفه العسكرية , وتعالج انقساماته السياسية الخطيرة . ومشاكل الحوكمة والسنوات التي مضت بلا نمو او تنمية اقتصادية فعالة , وبنفس الوقت فأن الولايات المتحدة تحتاج للاعتراف بانها تواجه منافسين في غاية الفعالية على النفوذ في العراق , بالاضافة الى تحدي التعامل مع امة ( ويقصد بها العراق ) لها تاريخ قومي طويل وقوي وتملك حساسية واضحة تجاه اي ضغط اجنبي رغم انقساماتها العميقة طائفيا واثنيا . فالولايات المتحدة لاتستطيع ان تملي على العراق او تتنمر عليه بنجاح بدلا من تقاسم الاعباء معه , او تستخدمه كمجرد قاعدة ضد ايران . لكنها تستطيع في الواقع ان تكون قادرة لمساعدة العراق على ان يصبح دولة اقوى واكثر توحدا . قد تستطيع مساعدة العراق على صنع تحول ناجح لامتلاك قدرة دفاعية ذاتية وقوات امن داخلية كفؤة, وقد تستطيع مساعدة العراق على حل انقساماته السياسية العميقة , تحسين الحوكمة فيه والتقدم باتجاه تطور اقتصادي ناجح بدلا من الاعتماد على مداخيل نفطه التي لا تستطيع تلبية حاجات وتوقعات شعبه لكن هذا لايمكن انجازه الاباحترام السيادة العراقية ومعاملة العراق كشريك بدلا من معاملة كدولة تابعة . فالولايات المتحدة يجب ان تتوصل بوضوح مع كل مكونات العراق المختلفة والتي تريد الولايات المتحدة ان تبني معها دولة قوية , مستقلة , بشكل يستجيب لرؤية العراق نفسه لحاجاته واهدافه ويقلل بشكل ثابت وجوده فيما العراق يتقدم باتجاه تحقيق هذه الاهداف اللاستقرار العراقي , التهديد الايراني والمساعدات الامريكية

لاتوجد حزمة معينة من الجهود الامريكية تستطيع ضمان النجاح , ان التحذيرات بشأن نقاط الضعف العراقية والافتقار للوحدة والتي اشار اليها مدير الاستخبارات القومية في تقديراته السنوية للتهديدات المقدمة للكونغرس في يناير الماضي كانت كلها حقيقية لاسيما في قولة ( يواجه العراق بشكل متزايد وهما عاما يتمثل بالعوامل السياسية والاقتصادية الاساسية التي سهلت ظهور داعش والتي مازالت مستمرة , بالاضافة الى محاولات المليشيات الشيعية العراقية المستمرة لزيادة نفوذها في الدولة والذي هو ايضا بمثابة تهديد للافراد الامريكين العاملين في العراق ) كما ان هناك انقسامات عميقة وثابتة , بالاضافة الى الاحتجاجات بسبب انعدام الخدمات و البطالة الواسعة والفساد السياسي , ان بغداد تفتقر في الواقع الى المصادر او القابليات المؤسساتية لمعالجة تحديات تطوير الخدمات الاساسية وتطوير الاقتصاد بشكل بعيد المدى , كما انها تواجه تكاليف اعادة البناء بعد انهاء حملة محاربة داعش والتي قدرت من قبل البنك الدولي بحوالي 88 مليار دولار . كما ان اقليم كردستان العراق مازال يعالج الاستياء السياسي بين افراده بسبب الهزائم الاقتصادية والمناطقية ( يقصد انسحاب الاقليم من المناطق المتنازع عليها لصالح بغداد العام الماضي ) . بالاضافة لبقاء داعش كتهديد ارهابي وستظل تحاول استغلال التذمر السني من حكومة بغداد والا استقرار المجتمعي من اجل ان تستطيع في النهاية استعادة الارض من القوات الامنية التي تعاني اوضاعا حرجة اصلا , اما الميليشيات الشيعية العراقية فقد قامت بعدة هجمات ضد المؤسسات الدبلوماسية الامريكية في العراق في ايلول وكانون الاول 2018 . والميليشيات والتي البعض منها جزء من قوات الحشد الشعبي الحكومية تخطط لاستخدام قوتها السياسية الجديدة المستحصلة بواسطة الحكومة الجديدة لتقليل او ازالة الوجود العسكري الامريكي ومنافسة قوات الامن العراقبة على مصادر الدولة . السؤال الان هو هل كانت تحذيرات مدير الاستخبارات القومية سابقة الذكر عن ايران والتي يجب اخذها بنظر الاعتبار لمقاومة تحدي البقاء لاي دور مستقبلي امريكي في العراق .صائبة عندما قال ( نحن نجزم بان ايران ستحاول ترجمة مكاسبها على الارض وفي ميادين المعارك في العراق وسوريا الى نفوذ اقتصادي واجتماعي وامني وسياسي طويل المدى بينما هي ستستمر في الضغط على السعودية والامارات من خلال دعم الحوثيين في اليمن ) ان مليشيات الحشد الشعبي المدعومة من ايران في العراق ستبقى التهديد الاساسي للافراد والامريكان العاملين في العراق , اننا نتوقع ان هذا التهديد سيتزايد في الوقت الذي سيتراجع فيه تهديد داعش .وعندما ينتهي تشكيل الحكومة العراقية , فان بعض الجماعات المدعومة من ايران ستدعو الى انسحاب القوات الامركية , وسيزداد التوتر بين ايران والولايات المتحدة , ونحن مستمرون بمراقبة اي اشارات قد يوجهها هذا النظام ( ويقصد الايراني ) من خلال اتباعه وشركائه في العراق لمهاجمة المصالح الامريكية . كما ستواجه الولايات المتحدة مزيدا من المشاكل في تعاملها مع تركيا وروسيا وربما الصين وبالنسبة لروسيا فستستغل غالبا اي فرصة للحصول على مزيد من النفوذ في العراق واضعاف مركز الولايات المتحدة وهي بالفعل تقوم بالتنافس مع الولايات المتحدة في توريد الاسلحة للعراق , وقد قدر معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام SIPRI ( وهي منظمة دولية مركزها في السويد وتعنى بشؤون التسلح والجيوش في انحاء العالم ) بان 20% من تسليح العراق قد جاء من روسيا للفترة من 2012- 2017 مقارنة ب 57% للفترة ذاتها كحجم للتسليح الامريكي للعراق وقد قدرت مجموعة GRS ( وهي مجموعة عمل تابعة للمخابرات الامريكية ) في تقرير لها بان روسيا قد ناقشت توسيع مبيعاتها للاسلحة للعراق من انواع متطورة سيتطلب وجودها نفوذا اوسع للدولة الروسية في العراق . وقد دعت استراتيجية الامن القومي الامريكية الجديدة في الاعوام 2017 و2018 الولايات المتحدة الى التركيز على التهديد الصادر من كلا من تركيا و روسيا و ربما الصين , وتشير مصادر المنطقة الى ان الصين اصبحت بالفعل اكثر فعالية في توسعة نفوذها في العراق , وحتى بعض العراقيين الذين لطالما اظهرو دعما واضحا لتمتين اواصر العلاقات بين بلدهم والولايات المتحدة بدأوا يرون في روسيا كمعادل موضوعي للتقليل من النفوذ الامريكي . وسنقوم بتكملة مقالة كوردسمان الشيقة عن العراق في جزء ثاني