خطوات على طريق الاستدراك…الجزء الثاني/ فشل النظام الطائفي في توفير الخدمات الأساسية

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      في واحدة من أهم معطيات الحكم بعد الاحتلال ولغاية 2018 يتشكل في حالة الفشل الذريع في تحقيق الحد الأدنى من مقومات العيش الطبيعي وتوفير الخدمات في العراق، وعدت هذه المسألة من المسلمات لدى الشعب العراقي، لا بل تشكل ذلك على لسان أركان النظام الذين كان لهم دورا كبيرا في الحكم يومذاك، تعددت التصريحات على لسان العديد من الشخصيات الدينية والسياسية التي كان لها دورا بارزا في هذا النظام، ولعل تصريح بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء السابق الذي عد أن النظام السابق حقق ما لم يحققه الحكام بعد الاحتلال يعد اعترافا كبيرا وسابقة في جرأة المسؤولين في الإفصاح عن دخيلة نفوسهم، وسبقه بهذا التصريح العديد من أركان النظام الديني أمثال جلال الصغير، ومن السياسيين عزت الشابندر وغيرهم كثير اعترفوا بفشل الحكومات المتعاقبة من الاحتلال ولغاية حكومة عبد المهدي الذي يصفها البعض بحكومة ضعيفة لا تصل حتى إلى مستويات الحكومات السابقة، مع اعتبار وجود تصريحات كثيرة من ذات المنظومة التي تحكم.
     قد تكون الحكومات الأولى حين كان الأمريكان يسيطرون على مفاصل مهمة من العراق معذورة لشحة أدواتهم فضلا عن مشاريع الأمريكان وتمكنها من قياد الساحة السياسية في العراق بعد الساحة الأمنية، لكننا بعد خروج الأمريكان وتسليمهم العراق لمنظومة الأحزاب الطائفية الموالية لإيران تراهم لا يستطيعون حسم بعض الملفات السياسية إلا بعد أخذ الضوء الأخضر الأمريكي كما فعل المالكي في زيارته لواشنطن بعد الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية 2011 ليأخذ الأذن باستهداف نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي ليفتح الباب على مصراعيه لاستهداف الخصوم السياسيين المنافسين من العرب السنة لتتكأ العملية السياسية في دولة المكونات على المكون الشيعي بشكل كبير بعد اقصاء القادة الحقيقيين للعرب السنة كالهاشمي والعيساوي وغيرهم.
    إبعاد الساسة والقادة المنافسين الأقوياء لم يكن بسبب نوازع شخصية لمن يملك القرار يومها لكون هؤلاء كانت تربطهم صلاة طيبة مع بعضهم البعض، لكن حقيقة الأمر أن هؤلاء وأمثالهم كانوا يعارضون تحقيق مصالح دولية أو إقليمية على حساب مصالح العراق وبالتالي سيكونون في المستقبل معوقا كبيرة لتنفيذ الأجندة للمؤثرين في الساحة السياسية العراقية فتعين إقصائهم من قبل تخادم المشروعين الإقليمي والدولي المتمثل بإيران والولايات المتحدة الأمريكية في عهد باراك أوباما، ولعلنا لا نجافي الحقيقة بهذا الادعاء ولندلل عليه بملف خدمي واحد فقط – ملف الطاقة الكهربائية- أثار موجة من الاحتجاجات في الساحة العراقية وحرك الجموع في محافظات الجنوب للتظاهر ضد الفساد والفاسدين، الأمر الذي غير في توجهات المعادلة السياسية بعد انتخابات 2018.
         حقيقة الفشل الحكومي في توفير الخدمات الأساسية يكمن في بعدين أساسيين، البعد الأول داخلي ويرتبط بمنظومة الفساد المهيمنة على الحكم والتي تراعي مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام، أما البعد الثاني فيرتكز على أن هذه الأحزاب التي تحكم لا تعمل لتحقيق الصالح العام للعراق، بل تعمل وفق أجندة وضعت لها، وفي الغالب الأعم تحقق مصالح إقليمية ومصالح دولية على حساب مصالح البلد. وسوق هذا الادعاء لم يكن عفو الخاطر ولا يكمن في التحليلات بل نرصده في سياق التصريحات والاعترافات من أركان المنظومة التي تحكم، لا نحتاج على التدليل على منظومة الفساد ببعدها الداخلي كونها تعد اليوم معلوما بالضرورة من الحياة السياسية العراقية من بعد الاحتلال ولا يختلف عليه اثنان حاكم أو محكوم ومن المكونات كافة.
      لكننا نحتاج التدليل على أن السياسيين في هذه المنظومة التي حكمت من قبل تعمل لتحقيق مصالح البلدان المؤثر في المشهد العراقي ولا تحقق الصالح العام العراقي، وندلل على هذا الادعاء بدليلين الأول نقلي والآخر عقلي، أما الدليل النقلي فقد جاء على لسان نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي في برنامج في متناول اليد على قناة الشرقية نيوز في تاريخ 26/10/2018 وتكلم في ملف الطاقة وكانت للحكومة برئاسة السيد العبادي وكان السيد بهاء الأعرجي نائبه في السنة الأولى من دورة الحكم، وفي إحدى الاجتماعات كانت لهم خطط للخروج من أزمة الكهرباء في العراق عن طريق تحويل الملف للاستثمار ومن ضمن الذين عرقلوا القرار وبتصريح الأعرجي كانت الحكومة الإيرانية بسبب تضرر مصالحها في بيع الكهرباء إلى العراق المعوق الحقيقي لإتمام المشروع والبرنامج موجود على موقع القناة ورابطه (https://www.youtube.com/watch?v=_fgpTtgGhAE .) وفي إمكان أي فرد الوصول إليه والاستماع إلى تفاصيله، وليس بعد هذا التصريح الواضح من شخصية قيادية تدين بالولاء بالضرورة لإيران أن الموضوع يحتاج إلى تدليل فالاعتراف سيد الأدلة كما يقول الحقوقيون.
    أما الدليل العقلي الذي يعتمد التحليل والمنطق فيكمن في استثمار حقل المنصورية الغازي في محافظة ديالى الذي تناولته في إحدى مقالاتي من قبل وقلت؛ في محافظة ديالى يوجد حقل غازي مكتشف(حقل المنصورية) يعد من أكبر الحقول الغازية في الشرق الأوسط وليس في العراق فحسب مع حقل عكاز في الأنبار، فحقل المنصورية الغازي مكتشف من سنوات، ولم يستثمر إلا مع بداية العقد الثاني لهذا القرن، فقد أعلنت وزارة النفط العراقية أواخر عام 2010  إحالة حقل المنصورية الغازي في محافظة ديالى إلى ائتلاف من ثلاث شركات وهي (تي بي اي او) التركية وكويت انرجي وكوكاز الكورية لاستثماره ضمن جولة التراخيص الثالثة للحقول الغازية. وتضمن العقد أن تكون نسبة 37% من انتاج الغاز لائتلاف شركات (تي بي أي أو) التركية، وما نسبته 22,5 % سيكون لشركة ( كويت انرجي ) الكويتية، وما نسبته 15 % لشركة كوكاز الكورية، وما نسبته 25 % لشركة نفط الوسط العراقية. ويقع حقل المنصورية الغازي الذي تم اكتشافه عام 1979، 50 كم شرق بعقوبة، ويبلغ طوله 52 كم وعرضه من خمسة الى ستة كيلو مترات، ويضم أربع آبار محفورة، ويبلغ المخزون الغازي المثبت فيه 4.5 تريليون متر مكعب قياسي.
      الذي جرى بعد هذه الإحالة ومباشرة أعمال الشركات المعنية وتم تأمين المنطقة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية وعشائر المنطقة، غير أنها لم تكن كافية للحيلولة دون مخططات الفاعل الإقليمي الأول في العراق، فتم احتلال الحقل والقصبات المجاورة له من قبل التنظيم الإرهابي “داعش”  وللعلم المنطقة تحيطها القوات المسلحة العراقية من كل صوب، وتبعد كيلومترات قليلة عن الطريق السريع الذي يربط إيران ببغداد المؤمن بوحدات عسكرية وأفواج الطوارئ، ولا يبعد المشروع عن بغداد العاصمة أكثر من مائة كيلومتر، كيف سقط في أيدي الإرهاب ولشهور طويلة؟!!! وحين خرج الإرهاب تعطل المشروع بالكامل بحسب التصريحات الرسمية للدولة العراقية، فقد أكد الخبير النفطي يومها حمزة الجواهري أن حقل المنصورية الغازي في محافظة ديالى يحتاج الى إعادة تأهيل قد تستغرق 5 سنوات، وفي محاولة بائسة للدفاع عن المتسببين الحقيقيين بتدمير الحقل ينفي وجود محاولات لإجهاض استثمار الحقل. وإن تأهيل الحقل يحتاج الى 5 سنوات لإعادته للعمل بسبب سيطرة “داعش” وتطهيره من الارهاب…، نافيا وجود محاولات لإجهاض استثمار الحقل. -في مغالطة قبيحة- مشيرا إلى أنه لا يعد الحقل الاكبر لإنتاج الغاز في البلاد. هذا الجواب من مسؤول في الحكومة الطائفية جاء بعد اتهام نواب عن ديالى دولا إقليمية بمحاولة اجهاض استثمار أكبر حقل غاز في البلاد.
    وصرح بعضهم بوجود جهود إقليمية تسعى لإجهاض استثماره كونه اكبر حقل غاز في البلاد لاسيما وأن انتاجه سيغير الكثير من معدلات الانتاج العالمي ويضع البلاد في موقع مميز في انتاج الغاز، فقد أشار نواب عن ديالى في وقت سابق بوجود دول اقليمية عدة تشعر بالقلق من قدرات العراق في مجال الغاز الطبيعي ووجود احتياطات ضخمة لديه، لذا تسعى بطرق غير مباشرة الى اجهاض عمليات استثماره وانتاجه بطرق مختلفة لكي تبقى هذه الدول في صدارة الانتاج بقطاع الغاز على مستوى العالم من جهة وكي يبقى العراق يستورد الغاز والكهرباء من بعضها من جهة ثانية. بعد هذا الحدث لا نحتاج أن نحدد الدولة الإقليمية التي تصدر الكهرباء والغاز عبر محافظة ديالى من هي وما هي أضرارها لو تحقق استثمار الحقل لصالح العراق؟ فهل يحتاج النهار إلى دليل. وبعد ثمان سنوات أي بعد انتهت مهلة الخمس سنوات نرصد تصريح وزير النفط السابق جبار اللعيبي في 31-07-2018  أنه أوعز الى الشركات الوطنية بوضع خطة عاجلة لتطوير حقل المنصورية الغازي بالجهد الوطني، بعد تلكؤ وفشل الشركات الأجنبية من المباشرة في تطوير الحقل الذي احيل عليها ضمن جولة تراخيص تطوير الحقول الغازية عام 2010 .
   ونرصد تصرح المتحدث باسم الوزارة عاصم جهاد أن استثمار الغاز الحر من حقل المنصورية الغازي الذي يقدر فيه الاحتياطي من الغاز الحر بأكثر من “3 مليار قدم مكعب قياسي “خطوة مهمة لإضافة كمية جديدة من الثروة الغازية إلى معدل الانتاج الوطني،  مما يسهم بتغطية جزء كبير من احتياجات محطة المنصورية الغازية لتوليد الطاقة الكهربائية ، وخفض نسبة الاستيراد الخارجي من وقود الغاز وتوفير العملة الصعبة للخزينة الاتحادية، فضلاً عن توفير فرص عمل لأبناء المحافظة من خلال اشراك شركات القطاع الخاص في تنفيذ بعض الأعمال الخدمية والمقاولات الثانوية للمشروع والذي يسهم في تنشيط الواقع الاقتصادي للمحافظة .فأين كان هؤلاء المسؤولون من استثمار حقل المنصورية بعد ثمان سنوات من إحالته إلى شركات دولية كبيرة، واليوم تتهم هذه الشركات بالتلكؤ ويعاد النظر في استثماره وطنيا فهل سيتحقق ذلك إذا بقي النظام الإيراني مهيمن على القرار العراقي؟
      وهذا المثال لحقل غازي واحد فما بالك بعشرات الحقول النفطية العملاقة التي تحوي على غاز مصحاب يحرق من سنوات طويلة مع أن استثمارها لتوفير الطاقة الكهربائية عبر الاستثمار وارد وممكن وتتنافس عليه مئات الشركات المختصة في العالم إذا ما طرح بشكل جاد ومضمون من قبل الحكومة العراقية التي تستورد الكهرباء والغاز من إيران طيلة ثمانية عشر عام، لو توفرت الإرادة الحرة لمن يملك القرار، حتى لوكان القائم على الأمر من الفاسدين لحلت المسألة في عامين أو ثلاثة أعوام.
     تستحضرني في هذه العجالة جزئية في هذا الصدد فقد زارت شركات استثمارية كورية في مجال الطاقة محافظة ديالى عام 2010 لإقناع المسؤولين المحليين بالاستثمار في الحقول النفطية والغازية للمحافظة، فما كان من المحافظ إلا أن يرسلهم بكتاب رسمي إلى وزارة النفط لكون الموضوع من اختصاص الحكومة الاتحادية، فكان جواب الوزارة صادما رافضا ومستهجنا. وفي جولة التراخيص النفطية التي عقدها وزير النفط آنذاك حسين الشهرستاني في إسطنبول التقى محافظ ديالى بالوزير على هامش المؤتمر وطلب منه بشكل مباشر فتح الأنبوب النفطي الذي يربط نفط خانة في محافظة ديالى بمصفى الدورة في بغداد كونه يخدم العراق لأن حقل نفط خانة حقل مشترك بين إيران/قصر شيرين والعراق/ خانقين، وهو مستثمر من الجانب الإيراني ومعطل من جانب العراق، فصرح الوزير للمحافظ بعلمه بتهريب النفط إلى إيران وتعلل بوجود تجاوزات على الأنبوب من قبل الأهالي لذا لم يتمكن من فتحه مع أنه ينقل النفط إلى بغداد من غير مضخات بسبب جغرافية المنطقة لكون ديالى أعلى من بغداد، يومها رفض الوزير ولم يفتح الخط الناقل إلا بعد حين، أما تطوير الحقل واستثمار الغاز المصاحب لتوليد الطاقة الكهربائية فقد جوبه بالرفض القاطع…أكيد لصالح إيران على حساب مصلحة ديالى والعراق.