صور تطبيق الدولة الفيدرالية

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
رجال القانون يذكرون أن الدول الفيدرالية تتكون إما من اتحاد كيانات مستقلة، أو من كيانات تنفصل من جسد دولة كبيرة واحدة، ثم تقرر من بعدها وبالاختيار الاتحاد مع بعضها من جديد ضمن صيغ قانونية واجتماعية جديدة.
فالدولة الفيدرالية التي تنشأ من إتحاد ولايتين أو عدة ولايات متقابلة او متقاربة تشترك مجتمعاتها في صفات اجتماعية وجغرافية وتاريخية وثقافية دينية او قومية، فتقوم كل واحدة من هذه الولايات بالتنازل عن بعض سلطاتها الداخلية، وعن سيادتها الخارجية، لتتوحد ولتؤسس الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفدرالي، كالإمارات العربية المتحدة او الولايات المتحدة الأمريكية او الاتحاد السويسري وغيرهم.
وهناك نوع اخر من الدولة الفيدرالية تنشأ من تفكك دولة مركزية كبيرة، بسبب مشاكل اجتماعية او ايديلوجية او سياسية او اقتصادية، او بسبب اختلاف اللغات والعادات والثقافات بين مجتمعاتها، فتطالب مجتمعاتها المنفصلة تلك بالاستقلال التام عن الحكومة المركزية، وتطالب بحق تقرير المصير التي ضمنتها مبادئ الامم المتحدة، فتعمل هذه الولايات المنفصلة على تشكيل دولة واحدة كدولة فيدرالية، وفق نظام إداري فدرالي كروسيا والمكسيك والأرجنتين والبرازيل.
الدولة الفيدرالية نظام حكم متطور ومتقدم، اهتدى اليه الانسان بعد تجارب كثيرة للحكم، تتميز عن غيرها من الدول المركزية البسيطة، وهي ان الدولة الفيدرالية دولة مركبة من أجزاء مختلفة ولكنها متميزة، وهذا التركيب هو الذي يميز الدولة الفيدرالية عن الدولة المركزية، فالدولة الفيدرالية تتكون من ولايتين أو أكثر، أو من إقليمين أو أكثر، يكون لكل منهم نظام حكم خاص، واستقلال ذاتي، ولكل ولاية أو إقليم دستور، وبرلمان، وحكومة، وقوانين، وجيش، وموارد خاصة، وحتى لغة خاصة به مثل كندا وغيرها.
لكنها بالمنظور العام هي دولة واحدة، تشبه الدولة المركزية تماما، من حيث وجود دستور اتحادي واحد، وحكومة اتحادية واحدة، وبرلمان اتحادي واحد، ومحكمة اتحادية واحدة، وجيش اتحادي واحد.
والاختلاف بين المنظور العام والخاص بالنسبة للدولة الفيدرالية انها تتخذ في الحقيقة عدة أشكال للحكم من حيث شكل الارتباط الإداري، ومن حيث شكل الارتباط السياسي والارتباط القومي والعرقي والاثني .فمثلا أن شكلي الحكم في الفيدرالية يأخذان صيغة وحدة سياسية إدارية إقليمية .وهذه الصيغة من الحكم يتم تدوينها كحقوق دستورية في دستور الدولة المركزية، ومثلما يتم ممارستهما في أطار وحدة الدولة المركزية.  حيث يحدد الدستور صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية وكل ما تبقى من صلاحيات تمنح لحكومة الإقليم الفيدرالية.
لقد كانت من اهم الاخطاء الكاريثية لغزو العراق، ان الولايات المتحدة ارادت ان تلبس العراق ثوب الفيدرالية بالقوة ودون النظر الى قوى وحركة المجتمع العراقي الداخلية او ثقافته او مستواه الاجتماعي او حتى رايه، فإدخال الأنظمة الفيدرالية بالقوة والقيام بإجراءات محددة وقوية كإعداد نصوص الدستور والقوانين لتكرّس واقعا دستوريا يحتوي على مفاهيم مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون في الدولة والعدالة والحرية، والمجتمع غير فاهم او متهيء لمثل هذه المصطلحات وقد خرج لتوه من حكم مركزي موجه ومحدود الثقافة، فبالتاكيد لن يتم العقد بالاتفاق الاختياري بين فئات المجتمع العراقي الطائفية أو المذهبية أو العرقية أو اللغوية او حتى احترام الأقليات الدينية والعرقية والاجتماعية ومعاملتها بروح التسامح بينهم.
فتطبيق الفيدرالية في أي دولة، يعتمد بالاساس على ضرورة وجود تعريف صريح للمنهج الفيدرالي، لتتمكن غالبية المجتمع من الوصول إلى قناعات ذاتية حول مدى صلاحية إقامة مثل هذا النظام الفيدرالي في بلادهم. وايضا ضرورة وضع الضمانات الدستورية والإجرائية للحفاظ على وحدة الدولة أرضا وشعبا، ومنح الحرية الكاملة لأبناء الأقاليم في تحديد العلاقة الإدارية بين الإقليم والعاصمة بما يحقق الحد الأدنى من الانسجام في إدارة شؤون الأقاليم.
فمعيار مفهوم الدولة الفيدرالية كسويسرا التي احتاجت الى اكثر من ثمنمائة سنة حتى استطاعت ان تصل الى النموذج الحالي من الحكم الفيدرالي وفي صياغة الدستور الجديد الذي حدد صلاحيات السلطات الاتحادية في السياسة الخارجية، والدفاع والحريات الفردية والعدل والاقتصاد والتسامح الديني وإعتماد المواطنة.
 في حالة العراق فإقامة نظام للحكم في العراق يطبق فيه مبدأ العدالة والديمقراطية بعد 2003 مرتبط بالاساس بما تريده قوى المجتمع المختلفة، فالكرد ومنذ البداية ايدوا وبشكل حاسم فكرة الفيدرالية بهياكلها الجغرافية والإثنية، على عكس العرب السنة الذين لم يبدوا اي حماس في البداية لخيار الفيدرالية، وجاءت أولوياتهم على استعادة استقلال العراق وسيادته ووحدته الإقليمية في إطار دولة مركزية قوية، اما القوى الرئيسية الدينية الشيعية فهي تسعى إلى تبني نظام شبيه بنظام توزيع السلطة في لبنان وفقا للانتماء المذهبي.
بينما رات المجموعات العرقية والطائفية الأخرى، كالتركمان ان الفيدرالية يجب أن تكون على أساس إداري وليس عرقي، وأن تكون كركوك خارج الفيدرالية الكردية، في حين طالب الآثور الارمن من المسيحيين، بفيدرالية آثورية في سهل نينوى وسائر مناطق وجودهم، كذلك دعا الفيليون الأكراد الشيعة والشبك بالحفاظ على حقوقهم في فيدرالية تضم اراضيهم وعدم فرض الانتماء إلى الفيدراليات العربية أو الكردية.
  إن فكرة الفيدرالية في المجتمع العراقي فكرة جديدة، ظهرت بداية في فترة التسعينات، بعد حرب الكويت حيث انفصلت منطقة شمال العراق ذات الأغلبية الكردية عن السلطة المركزية في بغداد بدعم من قوات التحالف الدولية، ففي الرابع من تشرين الاول 1992 اتخذ البرلمان الكردستاني قرارا بتبني النظام الفدرالي للعراق، الأمر الذي أثار جدلا واسعا من الناحية السياسية والفكرية حول الآثار المستقبلية للمجتمع العراقي.
ومنذ تلك الفترة كان مبدأ الفيدرالية يطرح من قبل القوى الكردية، وبعد 2003، أُقر قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت الفيدرالية، حيث جاء في المادة الرابعة، نظام الحكم في العراق جمهوري، اتحادي فيدرالي، ديمقراطي، تعددي، ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات وليس على أساس الأصل أو العرق أو الاثنية أو القومية أو المذهب. .. انتهى
ان تثبيت مبدأ الفدرالية في الدستور العراقي، لايعني أنه الشكل الأكثر ملاءمة لتعايش مكونات المجتمع العراقي، مالم يكن هناك حوار واقتناع مجتمعي بضرورة جدوى الفيدرالية في العراق، ويصاحب ذلك الحوار مقارنة بين التوجه العالمي نحو الفيدرالية كوسيلة للتنمية البشرية، وبين الموروث السياسي العراقي الذي كانت فيه مركزية الدولة أداة للسيطرة القسرية لمناطق معينة، وبالتالي من يريد التنمية والتطور والقضاء على الفساد والعيش بحرية وسعادة فان الفيدرالية هي الطريق الانسب لذلك، ومن يريد ان يعيش بذكرى وتخوفات الماضي وبالايديولوجيات المذهبية الماضية فلن تكون المركزية الا وسيلته المناسبة لذلك .