خطوات على طريق الاستدراك…الجزء الثالث/ تجفيف منابع ومبررات الإرهاب فكريا وسياسيا وأمنيا ضرورة لمصداقية الحكومة الجديدة

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      واحدة من أهم إرهاصات نشأة التنظيم الإرهابي الأشرس تاريخيا في العراق يكمن في الظروف الموضوعية المحيطة بالبيئة العراقية التي وفرت حاضنة للتنظيم الإرهابي ومكنته من أراضيها وعززت قدراته بتجنيد أبنائها، بعد أن بقيت عاجزة أمام التحديات الطائفية التي عصفت في مجتمعاتها، وعادت عليها وبالا بالظلم والاستبداد والتهميش والإقصاء للمنافسين السياسيين وحواضنهم الشعبية التي انتخبتهم، تترجم واقعا على الأرض من خلال جرائم الميليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة التي اخترقت صفوف القوات الأمنية والقوات المسلحة العراقية والتي تسلطت على رقاب العراقيين الأبرياء بقانون 4 إرهاب وتداعيات القانون الكارثية على مناطقهم زمن ولاية الجعفري وتتوجت في حكومتي المالكي من 2006- 2014.
    في هذا المقال سنتناول باختصار أثر السياسات الطائفية التي وفرت المبرر لوجود التنظيم الإرهابي وتعزيز قدراته في محافظات العرب السنة حتى تمكن من احتلال ما يزيد عن 40% من الأراضي العراقية في 2014، مع اعتبار توفير الظروف المناسبة لتمكين هذا التنظيم من قبل قوى محلية وإقليمية ودولية، في ظل البيئة التي تسبب بها الاحتلال والنظام الطائفي الإقصائي، فأصبحت المحافظات العربية السنية في العراق بيئة منتجة للإرهاب، بسبب تفشى الجهل والفقر وضعف تواجد الدولة بمختلف مؤسساتها وخدماتها، أضف إليها السياسية الطائفية التي بنيت على إقصاء منافسيه الأقوياء من قبل المالكي واستهدافه للمجتمع العربي السني بتهم 4 إرهاب، كل ذلك ساهم بطريقة أو بأخرى إلى توفير حاضنة لتنظيم “داعش” الإرهابي خاصة قبل معرفته بوجهه الحقيقي الذي دعا هذه الحاضنة فيما بعد إلى التصدي له وطرده من هذه المحافظات.
       الطائفية السياسية واحدة من أهم مسببات الوجود الإرهابي، ونعني بها انتقال الطائفية بمفهومها العام من تواجدها على مستوى الأفراد داخل المجتمع الواحد إلى التمثيل السياسي للطوائف التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد وتجسيدها في مستوى الدولة الحاضنة للجميع، ولعل المؤسس للطائفية السياسية الأول كان الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال بول بريمر، إلا أن الذي استفاد منها ووظفها بشكل كبير كان المشروع الطائفي زمن ولاية الجعفري وولايتي المالكي، والتي تمخضت عن استهداف المنافسين من العرب السنة الأقوياء كعدنان الدليمي رحمه الله وطارق الهاشمي ورافع العيساوي والعشرات من الساسة والقادة السياسيين المشاركين في العملية السياسية، والهدف من هذا الإقصاء كان يكمن في أن المشروع الطائفي الحاكم لا يهدف إلى شراكة سياسية حقيقية بل كان يبحث عن اتباع له في المكونات كافة.
    الحكومات الطائفية التي حكمت العراق كانت بحق بيئة منتجة للإرهاب، وحين نقول بيئة منتجة فإننا نعني بها أنها تنتج الإرهاب بسبب سياساتها الطائفية وبسبب ظلم وجور المحاكم والأجهزة الأمنية المتحكمة برقاب المواطنين، حتى أضحى رجال الأمن بسبب اختراق الميليشيات والعصابات لأجهزته الأمنية تهديدا للمواطن بدلا أن يكون عاملا للاستقرار والأمان، وهذا الكلام صرح به سياسيون يعدون من أركان المنظومة السياسية الحاكمة في العراق خاصة في عهد المالكي، ولعل اعترافات عزت الشابندر كانت صريحة وواضحة ولا تقبل اللبس، وهي موجودة على الشبكة العنكبوتية وفي إمكان الجميع سماعها عبر الرابط ( https://youtu.be/2BTljSa8mlg ) من هنا باتت السجون العراقية التي تعج بعشرات الآلاف من الأبرياء مع بضعة مئات من الإرهابيين مفقس كبير للإرهاب خاصة إذا ما اعتبرنا أساليب التعذيب الوحشية التي تشابه تعذيب محاكم التفتيش في الأندلس في القرون المظلمة إن لم تزيد عليها.
       وكذلك كانت الحكومة الطائفية بيئة موظفة للإرهاب ونعني بهذه البيئة هي بيئة إن لم تنتج الإرهاب وقد لا تنسجم معه بالضرورة، إنما توظفه لخدمة سياسات معينة. ويمكن لأصحاب المصلحة أن يصنعوا إرهابيين أو حالة إرهابية يستعملونها كفزاعة للداخل، بغية استمرار استهدافهم للخصوم واستهداف المجتمعات المراد تركيعها لمشاريعهم المشبوهة، ومن هنا نفهم لماذا في مدة حكم المالكي مَكن لعصابات “داعش” بعد أن أخرج قادتها من السجون العراقية ووهبهم أسلحة ثلاثة فرق عسكرية ويزيد، حين أعطى أوامر واضحة لها بالانسحاب وترك ترسانة حربية قيمتها مليارات الدولارات، أعانت التنظيم من احتلال الموصل وبقية محافظات العرب السنة، بعضها احتلال جزئي كما هو الحال مع محافظات ديالى وكركوك وحزام بغداد والآخر احتلال كلي كما حدث مع الأنبار والموصل وصلاح الدين.
    الجميع من الحكومات العراقية المتعاقبة، مرورا بالدول الإقليمية وعلى رأسها إيران، وصولا للتحالف الدولي المشكل من ما يقرب من سبعين دولة، جميع هؤلاء يحاربون التنظيم الإرهابي المكون من بضعة آلاف من الإرهابين المغرر ببعضهم ومن وكلائهم في التنظيم من البعض الآخر، هل يوجد منطق في هذه المعادلة ما لم يكن للتنظيم الإرهابي دور يخدم كل من هؤلاء حسب أجندتهم؟ الذي يعنينا من هنا الوضع المرتبط بالداخل العراقي على الرغم من خطورة الأجندة الإقليمية والدولية بالدرجة الأساس، تمكين داعش من قبل الحكومة قبل الاستعانة بالعالم للخلاص منه جرى وفق معطيات على الأرض في بعدين مهمين، الأول توفير بيئة خصبة لتفريخه وتمدده عبر مفردات الطائفية والظلم والقتل والاعتقال والتهجير لكل مخالف في الرأي أو المعتقد، والثاني تمكينه عسكريا والسماح له باحتلال ما يزيد عن 40% من الأراضي العراقية، والهدف بات واضحا لتغيير ديمغرافية وطبيعة هذه المحافظات على الأصعدة الأمنية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية، مع تهديم ما يقرب من 70% من البنى التحتية للوزارات كافة فيها.
      توظيف إرهاب هذا التنظيم من قبل الحكومات الاتحادية الطائفية التي حكمت العراق بعد الاحتلال كان لأغراض عدة، منها السماح لتدخل إيران في الشأن السياسي والأمني العراقي حتى النخاع، ومن ثمة نمذجتها بتشكيل الحشد الشعبي وتقنينه على شاكلة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، مع اعتبار أن التشكيلات العسكرية من جيش وشرطة وشرطة اتحادية وأفواج الطوارئ جميعها تابعة لهم من رأسها إلى أخمص قدميها، فلماذا لم يتم تقويتها وتعزيزها وتم تشكي مشابه لتشكيل الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله اللبناني؟
    المطلع الحصيف يعلم أن هؤلاء لا يسعون لإقامة وطن حقيقي يعملون على تحقيق مصالحه، هؤلاء يعلمون علم اليقين أن وجودهم على هرم السلطة كان في غفلة من الزمن وهو وجود طارئ لن يتكرر لذلك تراهم يسعون ليكونوا أداة لتحقيق مصالح غيرهم. أما استهداف المحافظات العربية السنية جميعها كليا أو جزئيا فكان بهدف إخضاعها وتركيعها وتفريق مواطنيها ليسلس قيادها من قبل وكلاء الغير خدمة لدول إقليمية، وبهذا لن يتمكن العراقيون من إقامة دولتهم لعشرات السنين في ظل انتشار الإرهاب والتشكيلات خارج نطاق الدولة بحجة محاربته.
     لم يغب كل ما تقدم على بقية المجتمع العراقي، وحين كانت المحافظات العربية السنية تداوي جراحها وتواسي مكلوميها انتبه أهلنا في محافظات الجنوب، بعد أن تأكدوا أنهم لا يقلون سوءا عن غيرهم بسبب تخلف مدنهم وفساد حكامهم وغياب تام للخدمات مع أن كل الحكومات المتعاقبة كانت من مكونهم، لذلك انتفض الجنوب وقال كلمته في وجه الفاسدين وضيق الخناق عليهم واضطرهم للانحياز بعيدا عن القرار نسبيا.
    أصبح إصلاح العملية السياسية اليوم مطلب جميع مكونات الشعب العراقي بما فيهم الكورد والتركمان لكون الجميع عانى بطريقة أو بأخرى من السياسات الفاشلة التي أدت إلى خراب العراق. وعمت جميع محافظات الجنوب تظاهرات واعتصامات ضد الفساد والفاسدين، وكانت النتيجة جيدة نسبيا فقد اعترف جل المسؤولين وقادة التحالفات بالواقع المزري للساحة العراقية على المستويات كافة. وتترجم ذلك بولادة لحكومة غير تقليدية قد يكون طرفيها تحالفي الفتح وسائرون إلا أن مخرجاتها لم تكن من أعضائها بل دعمت شخصيات تكنوقراط وشخصيات أخرى لم يحالفها الحظ لو كان الأمر على ما كان عليه في ولايتي المالكي.
     صحيح تعثر الحكومة كبير ومهامها جسام والأرضية لم تزل تزخر بالفساد والفاسدين، ومجلس النواب العراقي في دورته الرابعة كان مخرجا لم يلق رضا وقبول من أغلب العراقيين خاصة بعد ما شاب الانتخابات الأخيرة ما شابها من تهم تزوير وتلاعب مؤكدة، وعلى الرغم من كل ما تقدم إلا أن الفرصة لاتزال متاحة لعمل الحكومة برئاسة عادل وصالح على استدراك الخلل والنقص الكبير بملفات كبيرة لعل من أهمها تحقيق العدل وانصاف المظلوم، والضرب بأيدي من حديد على الفساد والفاسدين بعد تم التضييق عليهم كثيرا، فإن تحقق ذلك سيكون العراق بيئة طاردة للإرهاب خاصة إذا تمكن الاستقرار من الساحة العراقية، وتحقق الأمن بشكل ملموس، وتحررت المدن من هيمنة الكيانات المسلحة خارج نطاق القوات العراقية المسلحة، وتم حصر السلاح بيد الدولة فحسب.
    أما إن تمكنت الطائفية مرة أخرى ومدت عنقها البغيض، واستشرى الظلم، وتوسد الفساد على صناعة القرار، وعدنا مرة أخرى نخدم ونحقق مصالح الآخرين على حساب مصالحنا، فحين ذاك سيعود الإرهاب في صور مختلفة ومتعددة وسيعم الخراب من جديد لتعشش غربان الطائفية والفساد على المشهد السياسي كما عشعشت من قبل في ولاية الجعفري وولايتي المالكي ولات ساعة مندم، لكون العراق لن يكون يومها صالحا للعيش بالحدود الدنيا لمقومات العيش الرغيد، بل سيكون مرة أخرى بيئة جاذبة للإرهاب وصانعة ومنتجة له وعلى الأصعدة كافة. سيكون الواقع العراقي مهيأ للتعاطف الإرهابين أو مساعدتهم في مواجهة الدولة حتى لو كان من دون التزام بتبني أفكارهم أو حتى الانضمام إلى صفوفهم، وسيحدث هذا في المناطق كافة، والمحافظات كافة كل بحسب لونها وشكلها، وستعود الكلمة لصوت الرصاص على حساب العدل والحق والحرية.
     يقول الباحث عبدالله الأيوبي؛ يطرح العديد من المراقبين للشأن الداخلي العراقي إمكانية عودة الإرهاب من جديد وبقوة إلى العراق، سواء تحت رداء «داعش» أو تحت أي تسمية أخرى، يستند هؤلاء المراقبون في هذه الإمكانية على ضعف الجبهة الداخلية العراقية بسبب استمرار العجز الحكومي عن معالجة مختلف الأسباب التي ساعدت على انتشار الإرهاب وتصاعده، فالصراع السياسي والعقدي داخل بيوت الحكم في العراق لم يتوقف حتى خلال فترة تصاعد الإرهاب وانتشاره، وهو مستمر حتى الآن رغم الإنجازات العسكرية التي حققها في الحرب على الإرهاب، هذا يعني أن الخطر الإرهابي لا يزال يتربص بالعراق وأن اجتثاث الأسباب التي أدت إلى ظهوره وانتشاره هو المهم، بل والحرب التي يجب على العراق خوضها من أجل بلوغ الانتصار النهائي والحاسم.
كلمات مفتاحية: